وسط تصاعد الحرب وتشديد العقوبات الغربية، برزت الصين بوصفها لاعبا رئيسيا في إنقاذ صادرات النفط الإيرانية. وعلى وقع ذلك، تكرس بكين دورها المحوري في كسر العقوبات والحفاظ على شريان طهران الاقتصادي.
خلال السنوات الخمس الماضية، قدمت الصين لإيران شريان حياة ماليا من خلال شراء معظم نفطهاصورة من: CFOTO/picture alliance
إعلان
تعد الصين من أهم شركاء إيران والمستورد الرئيسي للنفط الإيراني الذي يمر معظمه عبر مضيق هرمز. ومع تصاعد الحرب، طرحت الصين بالتعاون مع باكستان مبادرة من خمس نقاط لإنهاء الحرب.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ في مؤتمر صحافي "إن السبب الأصلي لانقطاع الملاحة عبر مضيق هرمز هو العمليات العسكرية غير القانونية التي تشنها الولايات المتحدة و إسرائيل ضد إيران".
وتشير مثل هذه التصريحات إلى قوة العلاقات بين البلدين، في وقت ترزح فيه إيران تحت وطأة عقوبات غربية منذ عقود. وفي ذلك، قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن الصين على مدى السنوات الخمس الماضية، وفرت لإيران شريان حياة ماليا من خلال شرائها معظم نفطها.
وأضافت الصحيفة أنه خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى أطلقت الولايات المتحدة حملة "الضغط الأقصى" بهدف استبعاد النفط الإيراني من السوق العالمية والقضاء على أكبر مصدر لإيرادات طهران.
بيد أنه حتى اليوم، لا تزال إيران تبيع نفطا بقيمة مليارات الدولارات شهريا، فيما "يعود الفضل في ذلك إلى دولة واحدة ألا وهي الصين". ونوهت الصحيفة إلى أن الصين أصبحت تشتري الآن ما يقرب من كامل إنتاج إيران النفطي، مقارنة بنحو 30 بالمئة فقط قبل عقد من الزمن.
بعد اندلاع الحرب، واصلت ناقلات نفط الإبحار نحو الموانئ الصينية رغم إغلاق مضيق هرمز.صورة من: Francis Mascarenhas/REUTERS
"أباريق الشاي"
وقالت الصحيفة إن المدفوعات تحول عبر بنوك صينية صغيرة ذات نشاط عالمي محدود، ولديها ما تخسره أقل في حال فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات، ما يجعل وقف هذه العمليات أمرا صعبا. كما تساعد شركات واجهة أنشأتها إيران في هونغ كونغ وأماكن أخرى في إدارة العائدات.
إعلان
وأصبحت المصافي الصينية الخاصة، المعروفة باسم "مصافي أباريق الشاي"، المشتري الرئيسي للنفط الخام الإيراني، بعد أن انسحبت شركات الطاقة الصينية المملوكة للدولة من السوق خشية إغضاب واشنطن.
وساهمت الفواتير الوهمية وإعادة تصنيف النفط الخام بملصقات مضللة في مزيد من التستر على هذه التجارة.
ومع اندلاع الحرب، نقلت رويترز الشهر الماضي عن تجار قولهم: إنه من غير المتوقع أن تواجه مصافي النفط في الصين أي مشكلة في التغلب على الاضطرابات قصيرة الأجل الناجمة عن حرب إيران بفضل الشحنات القياسية في الآونة الأخيرة من النفط الخام الإيراني والروسي والتخزين الحكومي المكثف.
ونقلت وول ستريت جورنالعن ماكس مايزلِش، الخبير في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" البحثية مقرها واشنطن، إن الصين هي "الشريك الرئيسي لإيران في التحايل على العقوبات. لم تكن إيران لتتمكن من خوض هذه الحرب لولا سنوات الدعم التي تلقتها من الصين".
رغم العقوبات، فإن إيران لا تزال قادرة على بيع النفط فيما يعود الفضل في ذلك إلى الصين.صورة من: Yao Feng/HPIC/dpa/picture alliance
قدرات واشنطن "المحدودة"
وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة حاولت كبح هذه التجارة من خلال توجيه اتهامات لبعض الأفراد وتوسيع نطاق العقوبات. غير أن قدرتها على الذهاب بعيدا في استهداف الصين ظلت محدودة، بسبب مخاطر دفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع وزعزعة العلاقات مع الصين.
وحتى بعد اندلاع الحرب، واصلت ناقلات تحمل منتجاتها الإبحار نحو الموانئ الصينية رغم إقدام طهران فعليا على إغلاق مضيق هرمز.
ووفقا للبيانات الرسمية، لم تُسجل سلطات الجمارك الصينية أي واردات من النفط الخام الإيراني منذ عام 2023، وهو ما يقول باحثون إنه يهدف إلى تقليل التوترات السياسية مع واشنطن.
لكن شركة "كبلر" المتخصصة في أبحاث السلع وتتبع حركة ناقلات النفط، تقدر أن الصين اشترت نحو 1,4 مليون برميل من النفط يوميًا من إيران في عام 2025.
وقد شكل ذلك أكثر من 80 بالمئة من إجمالي مبيعات إيران النفطية العام الماضي، وأكثر من ضعف الكمية التي اشترتها الصين عام 2017، والتي بلغت نحو 650 ألف برميل يوميا، قبل بدء حملة "الضغط الأقصى" التي أطلقها الرئيس ترامب.
تحرير: عارف جابو
مضيق هرمزـ شريان النفط والغاز الاستراتيجي من الخليج إلى العالم
يشهد مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي تمر عبره نحو خمس تجارتي النفط والغاز في العالم، توترات وحوادث مستمرة. ودأبت طهران على التلويح بإغلاق المضيق. ومع حرب إيران الحالية عاد هذا الممر الحيوي إلى صدارة الأخبار.
صورة من: AFP/A.Kenare
ممر استراتيجي عرضة للمخاطر
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان ويربط مياه الخليج بخليج عُمان، ويُعد من أكثر الممرات البحرية عرضة للمخاطر، نظراً لضيق عرضه البالغ نحو 50 كيلومترا وعمقه الذي لا يتجاوز 60 متراً. تنتشر في المضيق جزر صحراوية وجزر ذات كثافة سكانية منخفضة، لكنها ذات أهمية استراتيجية كبيرة، بينها جزر هرمز وقشم ولارك الإيرانية.
صورة من: NASA/The Visible Earth/dpa/picture alliance
على الساحل العُماني، تقع شبه جزيرة مسندم قبالة إيران، وتفصلها عن بقية السلطنة أراض تابعة للإمارات. وقبالة سواحل الإمارات، تشكل الجزر الثلاث طُنب الكبرى وطُنب الصغرى وأبو موسى نقطة تطل على سواحل الخليج. وتسيطر إيران على الجزر الثلاث منذ عام 1971، بينما تطالب بها الإمارات.
صورة من: idehshot
احتجاز سفن
تعود السيطرة الإيرانية في المضيق إلى القوات البحرية للحرس الثوري. واتّهمت واشنطن في 2023 طهران باحتجاز نحو 20 سفينة ترفع أعلاماً دولية في المنطقة خلال العامين السابقين. وتندّد إيران بوجود قوات أجنبية في المنطقة، أبرزها الأسطول الخامس الأمريكي ومقره في البحرين. وسبق لمسؤولين إيرانيين التلويح بإغلاق هرمز كورقة للضغط.
صورة من: Iranian Army/Anadolu Agency/IMAGO
هجمات غامضة
إلى جانب التهديدات والتوترات، يشهد مضيق هرمز حوادث بحرية من حين لآخر. وتزايدت الحوادث في الممر عقب انسحاب الولايات المتحدة في العام 2018 من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرضها عقوبات على الجمهورية الإسلامية. وفي العام 2019، أثارت هجمات غامضة على سفن في منطقة الخليج، وإسقاط طائرة مسيرة واحتجاز ناقلات نفط، مخاوف من تصعيد بين طهران وواشنطن.
صورة من: Iranian Army Office/ZUMA/IMAGO
"حرب الناقلات"
تعود أبرز الاضطرابات في مجال نقل النفط إلى العام 1984، في خضم الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) خلال "حرب الناقلات"، حين تم تدمير أو إلحاق ضرر بأكثر من 500 سفينة. وكانت طهران زرعت ألغاماً في مناطق من المضيق لعرقلة الملاحة البحرية، فيما تعهّدت واشنطن حينها بضمان بقاء الممر مفتوحا. وفي نيسان/أبريل 1988، اصطدمت فرقاطة "يو إس إس صامويل بي. روبرتس" بلغم بحري وكادت أن تغرق.
صورة من: Sepahnews/ZUMA/IMAGO
شريان استراتيجي للنفط والغاز
مضيق هرمز هو طريق الشحن الرئيسي الذي يربط الدول الغنية بالنفط في الشرق الأوسط بأسواق آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. وفي 2024، عبَر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يوميا، ما يمثّل نحو 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي من النفط. ومرَ عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، القادم أساساً من قطر. وفي حال تعطّلت حركة الملاحة في المضيق، تمتلك السعودية والإمارات بنية تحتية بديلة.
صورة من: Hamad I Mohammed/REUTERS
استفزازات إيرانية
في مطلع شباط/فبراير الجاري، اقتربت زوارق حربية إيرانية من ناقلة نفط أمريكية وأمرتها بالتوقف أثناء عبورها مضيق هرمز، لكنها واصلت الابحار بمواكبة سفينة حربية أمريكية. وأفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية أنّ السفينة دخلت "بطريقة غير مشروعة" في مضيق هرمز، وأنها "تلقت إنذاراً وغادرت المياه الإيرانية على الفور".
صورة من: Planet Labs PBC/AP/picture alliance
مهاجمة سفينة "مرتبطة بإسرائيل"
في 29 تموز/يوليو 2021، أدى هجوم في بحر عُمان على ناقلة نفط تشغلها شركة يملكها رجل أعمال إسرائيلي إلى مقتل شخصين، بريطاني وروماني. واتهمت إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا ورومانيا طهران التي نفت ضلوعها. واحتجزت إيران في نيسان/أبريل 2024 سفينة حاويات ترفع العلم البرتغالي قرب مضيق هرمز قالت إنها "مرتبطة بإسرائيل".
صورة من: IRNA Agency
اساقط طائرة مدنية إيرانية
في تموز/يوليو من العام نفسه، أُسقطت طائرة إيرباص A-300 تابعة للخطوط الجوية الإيرانية، كانت تحلق بين بندر عباس ودبي، بصاروخين أطلقتهما فرقاطة أمريكية كانت تقوم بدورية في المضيق، ما أسفر عن مقتل 290 شخصاً. وادعى طاقم الفرقاطة "يو إس إس فينسينس" أنهم ظنوا خطأً أن الطائرة مقاتلة إيرانية تشكل تهديداًً.