أربعة رواد فضاء يشقّون طريقهم نحو مدار القمر في أضخم مهمة منذ أبولو، وسط تحديات تقنية وتساؤلات كبرى حول مستقبل برنامج يكلّف عشرات المليارات. فهل تنجح ناسا في تحقيق الحلم عام 2028؟
صورة من: Jim Watson/AFP
إعلان
انطلق أربعة رواد فضاء في مهمة "أرتيميس 2" التابعة لوكالة ناسا الأربعاء (1 ابريل/نيسان 2026) في رحلة تجريبية تستغرق عشرة أيام نحو مدار القمر، تمهيداً للعودة إلى سطحه عام 2028.
وانطلق الصاروخ "سبايس لانش سيستم" (اس ال اس) في الموعد المحدد عند الساعة 18:35 (22:35 بتوقيت غرينتش) من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا. وبعد دقائق معدودة، هتف قائد المهمة الأمريكي ريد وايزمان: "نشهد شروقاً رائعاً للقمر!".
"نغادر من أجل البشرية جمعاء"
وقال زميله الكندي جيريمي هانسن قبل عشر دقائق من الإطلاق: "نحن نغادر من أجل البشرية جمعاء". وكان على متن المركبة أيضاً الأمريكيان فيكتور غلوفر وكريستينا كوك. وقد انطلق رواد الفضاء الأربعة من منصة الإطلاق الشهيرة نفسها التي استخدمها رواد فضاء مهمة "أبولو" في أول عودة إلى القمر منذ انتهاء مهمات أبولو عام 1972.
انطلق رواد الفضاء الأربعة من منصة الإطلاق الشهيرة نفسها التي استخدمها رواد فضاء مهمة "أبولو"صورة من: Brendan McDermid/REUTERS
وانفصلت الكبسولة أورايون وفق الخطة الموضوعة أساساً بعد ثماني دقائق من إطلاق الطبقة الأولى التي دفعتها إلى الفضاء، ثم دخلت مدار الأرض. وستدور الكبسولة حول الأرض مرات عدة بسرعة تقارب 27 ألف كيلومتر في الساعة، مع زيادة ارتفاعها تدريجياً، للتأكد من سلامة عمل الأنظمة.
ستكون المحطة الرئيسية التالية الخميس قرابة الساعة 23:30 بتوقيت غرينتش، إذ من المتوقع تشغيل المحركات والاتجاه نحو القمر الذي سيدور رواد الفضاء حوله الاثنين، من دون الهبوط على سطحه، تماماً كما فعلت مهمة "أبولو 8" سنة 1968.
واستهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه المخصص للحرب على إيران بتهنئة "رواد الفضاء الشجعان" على نجاح عملية الإطلاق.
من المتوقع تشغيل المحركات والاتجاه نحو القمر الذي سيدور رواد الفضاء حوله الاثنينصورة من: Alex Brandon/AP Photo/picture alliance
مشاكل في دورات المياه
أدت بعض المشاكل التقنية غير المتوقعة إلى انشغال مركز التحكم التابع لوكالة ناسا في هيوستن خلال الساعات الأولى من الرحلة، إذ انقطع الاتصال مع رواد الفضاء لفترة وجيزة، ولم تكن دورات المياه تعمل بعد.
لكن مناورة في المدار تولى خلالها فيكتور غلوفر قيادة مركبة "أورايون" لمحاكاة الالتحام بمركبة فضائية أخرى، سارت بالشكل اللازم. ونادى غلوفر مركز التحكم قائلاً: "كانت رحلة رائعة معكم يا هيوستن. مركبة رائعة!".
وفي مركز كينيدي للفضاء، علت الهتافات والصيحات ابتهاجاً مع صعود الصاروخ إلى السماء الزرقاء الصافية. وقالت رائدة الفضاء السابقة سيان بروكتور التي كانت حاضرة، بحماسة ظاهرة: "أنا سعيدة للغاية بعودتنا إلى القمر. يجب أن يكون الجميع سعداء ويتابعوا معنا ما سيحصل خلال الأيام العشرة المقبلة. إنها قفزة عملاقة للبشرية!".
كلّف برنامج "أرتيميس" عشرات مليارات الدولارات، وقد شهدت سلسلة تأخيرات خلال السنوات الماضية.صورة من: John Raoux/AP Photo/picture alliance
كلّف برنامج "أرتيميس" عشرات مليارات الدولارات، وقد شهدت سلسلة تأخيرات خلال السنوات الماضية.
وقال كيسي دراير من "جمعية الكواكب" The Planetary Society لوكالة فرانس برس: "تحتاج ناسا بشدة إلى نجاح هذا البرنامج"، مشيراً إلى استياء لدى أوساط وكالة الفضاء الأمريكية بسبب مشاكل الميزانية والاستقالات الجماعية، لا سيما بين علماء المناخ.
إعلان
ماذا عن الأوروبيين؟
في الأصل، صُمم برنامج أرتيميس ليرمز إلى روح جديدة من التعاون الدولي في قطاع الفضاء. ويُعدّ طاقمه الأول الذي يضم امرأة ورجلا أسود وشخصاً من خارج الولايات المتحدة؛ إذ كان رواد مهمات أبولو (1968-1972) جميعهم من الرجال الأمريكيين البيض.
يشارك الأوروبيون في البرنامج، إذ قاموا ببناء الوحدة التي تُشغّل مركبة أورايون، وكان من المقرر أن يرسلوا رواد فضاء لهم في مهمات مستقبلية، بما في ذلك إلى القمر. لكن ناسا أجرت مؤخراً تغييرات جوهرية على برنامج أرتيميس، إذ ألغت مشروع محطة المدار القمرية، ولم تُصرّح بوضوح ما إذا كان الأوروبيون سيحتفظون بمكانهم على سطح القمر.
يشارك الأوروبيون في البرنامج، إذ قاموا ببناء الوحدة التي تُشغّل مركبة أورايون، وكان من المقرر أن يرسلوا رواد فضاء لهم في مهمات مستقبليصورة من: NASA TV/Handout/REUTERS
وأكد المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية يوزيف أشباخر لوكالة فرانس برس خلال وجوده في مركز كينيدي للفضاء أنه سيضطر إلى "الاجتماع مع مدير الوكالة جاريد آيزكمان ووكالة ناسا للتفاوض" بشأن مواقع رواد الفضاء الأوروبيين في المهمات المستقبلية.
شكوك حول هدف 2028
سُمّيت المهمة "أرتيميس" تيمناً بالإلهة اليونانية شقيقة "أبولو". وتجري المهمة تحت ضغط المنافسة الكبيرة مع الصين التي تطمح لإرسال مهمة مأهولة للقمر في العام 2030.
وستكون المهمة محفوفة بالمخاطر، فالمركبة لم يسبق أن نقلت رواداً في رحلات خارج الأرض من قبل، ويجب أن تصل إلى القمر على بعد أكثر من 384 ألف كيلومتر من الأرض، أي أبعد بألف مرة من محطة الفضاء الدولية التي تسبح في مدار الأرض على ارتفاع نحو 400 كيلومتر.
سُمّيت المهمة "أرتيميس" تيمنا بالإلهة اليونانية شقيقة "أبولو".صورة من: Slavek Ruta/ZUMA/IMAGO
ويرى بعض الخبراء أن الوكالة الأمريكية حددت لنفسها هدفاً صعب التحقيق، وهو الهبوط على سطح القمر عام 2028، إذ إن ذلك يتطلب مركبة هبوط، وهي ما زالت قيد التصميم حالياً.
في انتظار ذلك، تأمل ناسا بأن تحقق معجزة كتلك التي حققتها في ليلة عيد الميلاد من عام 1968، حين تابع مليار شخص حول العالم رحلة روادها إلى مدار القمر، في عالم أنهكته آنذاك اضطرابات وحروب أبرزها حرب فيتنام.
"صغيرة لكنها عملاقة" ـ الخطوات الأولى للإنسان على سطح القمر
قبل خمسين عاما وطأت أقدام الإنسان على سطح القمر وكان شرف هذه الخطوة التاريخية، من نصيب رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ. هذه الجولة المصورة تسترجع تفاصيل ذلك الحدث.
صورة من: picture-alliance/dpa/NASA/N. Armstrong
" خطوة صغيرة لكنها عملاقة"
الخطوات الأولى على سطح القمر.. عندما وضع نيل أرمسترونغ قدميه يوم 20 يوليو 1969 على سطح القمر قال واحدة من أكثر الجمل شهرة على الإطلاق: "هذه خطوة صغيرة للإنسان لكنها قفزة عملاقة للبشرية".
صورة من: NASA
العد التنازلي للدقيقة صفر
من غرفة التحكم في مركز كينيدي للفضاء يشرف مدير برنامج Apollo، صمويل سي. فيليبس، على التجهيزات قبل موعد الإطلاق في 16 من أبريل 1969. "أبولو 11" كانت أول بعثة لمهمة الهبوط على سطح القمر، انطلقت المركبة بحامل الصواريخ "Saturn V" وعلى متنها نيل أرمسترونغ وإدوين بوز- ألدرين ومايكل كولينز.
صورة من: NASA
في انتظار اللحظة التاريخية
هؤلاء الثلاثة (في الصورة) كانوا من بين آلاف الأشخاص الذين عاشوا بخيامهم على الشواطئ والطرق بجوار مركز كينيدي للفضاء التابع للناسا في فلوريدا لمتابعة إطلاق مركبة "أبولو 11" عن قرب. وزار حوالي مليون شخص مركز كينيدي للفضاء لمتابعة هذه الرحلة التاريخية.
صورة من: NASA/Kennedy Space Center
متابعة واهتمام عالمي
هذا الحدث التاريخي لم يتابعه آلاف الأشخاص المتحمسين فحسب، بل وأيضا آلاف المراسلين لتقديم تقارير إعلامية عن "أبولو 11". 3 آلاف وخمسمئة صحفي اجتمعوا في المكان المخصص للصحفيين بمركز كينيدي للفضاء. وفي 16 من يوليو 1969 أنطلق الصاروخ الحامل لمركبة "أبولو 11".
صورة من: NASA
زملاء الرحلة
أحد أفراد الطاقم لم يُسمح له بمرافقة الفريق الذي هبط على سطح القمر وكان عليه البقاء في المِسبار الفضائي. قال مايكل كولينز عام 2009: "شعرت بأنني جزء مما حدث على سطح القمر. وربما يقال عني أني كاذب أو أحمق إذا قلت إنني حصلت على أفضل ثلاثة مقاعد في مركبة "أبولو 11". ولكن يمكنني أن أقول بصراحة أنني راض جدا عن مشاركتي في هذه المهمة".
صورة من: NASA/Kennedy Space Center
هبوط الصقر
في 20 من يوليو 1969، على الساعة الـ8 و17 دقيقة و58 ثانية مساء، كانت أولى كلمات أرمسترونغ إلى مركز المراقبة والعالم الذي يشاهده: "هيوستن، قاعدة الهدوء هنا، هبط الصقر". ولكن مر وقت كبير حتى وضع أمسترونغ وألدرين أقدامهما على سطح القمر. فقد توجَّب على الطاقم أولا تحضير رحلة العودة، وبعد ذلك جاءت اللحظة التاريخية الكبيرة ووضع نيل أرمسترونغ قدمه على سطح القمر.
صورة من: picture-alliance/Heritage Images/NASA/Oxford Science Archive
صورة تاريخية
التقط هذه الصورة مايكل كولينز في 21 من يوليو 1969، ويظهر فيها "الصقر" أثناء رحلة العودة من القمر، وراءها سطح القمر وفي أفقها الأرض. في الوقت الذي كان أرمسترونغ وألدرين يضعان أقدامهما على سطح القمر كان كولينز مكلفا بوحدة القيادة "كولومبيا".
صورة من: NASA
عينات من سطح القمر
خلال عملية الاستكشاف التي استمرت ساعتين ونصف جمع أرمسترونغ وألدرين أكثر من 21 كيلوغراما من مواد من القمر أخذت إلى الأرض، هذه القطعة الصغيرة واحدة منها. تم التقاط هذه الصورة في 27 من يوليو بعد العودة. خلال المرات الست التي هبط فيها الإنسان على سطح القمر جمع رواد الفضاء 2415 عينة؛ أي ما يقارب 400 كيلوغرام تم جمعها في أرشيف خاص بالقمر.
صورة من: NASA/AccuSoft Inc.
تذكارات فلكية غريبة
زوار القمر تركوا خلفهم كذلك أشياء كثيرة هناك. دبوس الزينة الظاهر في الصورة، والذي يعد أحد الأشياء الأكثر رمزية، تركه نيل أرمسترونغ على سطح القمر. وهو عبارة عن غصن زيتون يبلغ طوله 15 سنتيمترا ويرمز للسلام. زوار الفضاء في المستقبل يمكنهم كذلك أن يعثروا على كرات الغولف وصورة عائلية مع كاميرا وأعمال للفنان أندي وارهول أو ريشة لصقر.
صورة من: NASA/Johnson Space Center
العودة إلى الأرض
في 24 من يوليو على الساعة الـ4 و50 دقيقة بعد الزوال بالتوقيت العالمي هبط طاقم "أبولو 11" في المحيط الهادئ على بعد 21 كيلومترا من حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس هورنيت"، وعلى بعد 1480 كيلومترا جنوب غرب هاواي. ولتفادي إمكانية جلب رواد الفضاء لأي مسببات الأمراض معهم، تم وضع الطاقم تحت الحجر الصحي.
صورة من: NASA/Johnson Space Center
نجوم غير عاديين
رواد المهمة الفضائية "أبولو 11" دون بدلاتهم الفضائية المعتادة، عوض ذلك يحتفلون مع الجماهير بزي وعباءات وقبعات مكسيكية. جولة حول العالم قادت رواد الفضاء 45 يوما في 24 دولة و27 مدينة. أرادت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال هذه الجولة التأكيد على استعدادها لتبادل المعرفة الفضائية مع باقي العالم. وكما نرى هنا تم الاحتفال برواد الفضاء مثل النجوم في مدينة مكسيكو سيتي. إعداد: ه. فوكس / ترجمة: ع. اعمارا