كشف تحقيق دولي صادم عن الدور المحوري لمستشفيات الأسد العسكرية في التعذيب والقتل، ويفضح وجود أطباء متورطين يمارسون مهنتهم بحرية في ألمانيا، في ظل مطالبات بملاحقتهم قضائياً.
كشف تحقيق استقصائي دولي أن أطباء عملوا في مستشفيات عسكرية تابعة لنظام الأسد يمارسون مهنتهم حاليًا في ألمانيا، بعضهم في مناصب قيادية.صورة من: Anagha Subhash Nair/Middle East Images/picture alliance
إعلان
لعبت المستشفيات العسكرية السورية دورًا محوريًا في آلة القتل الممنهج التابعة لنظام بشار الأسد. هذا ما كشف عنه تحقيق استقصائي دولي واسع، أظهر أن أطباء عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم حاليًا في ألمانيا، بعضهم في مناصب قيادية.
يستند التحقيق إلى "ملف دمشق" (Damascus Dossier)، وهو مجموعة ضخمة من الوثائق والصور المسربة من أجهزة المخابرات السورية، والتي توثق التعذيب والقتل داخل السجون. وتكشف الشهادات المروعة لسجناء سابقين عن طبيعة الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في مستشفى حرستا العسكري، الذي وصفه أحد الناجين بـ "مستشفى الموت".
من حرستا .. إلى مستشفيات ألمانيا
تمكن فريق التحقيقات الذي عمل على "ملف دمشق" من تحديد 18 طبيبًا سابقًا في حرستا يعيشون ويعملون كأطباء في ألمانيا حاليًا. وقد نفى جميع الأطباء الذين تم التحدث معهم ضلوعهم في الأمر، مؤكدين أن سوء معاملة السجناء كان يتم من قبل حراس الأمن، وأنهم قاموا بعملهم دائمًا بشكل صحيح.
ومع ذلك، أكد أحد الأطباء أنه كان لديه إمكانية الوصول إلى الطابق السابع في المستشفى، وأقر بحدوث التعذيب الممنهج فيه. لكن التحقيق لم يتمكن من إثبات تجاوز فردي لأي طبيب، ويبقى مبدأ افتراض البراءة ساريًا وفق ما ذكر الموقع الألماني.
أكد أحد الأطباء أنه كان لديه إمكانية الوصول إلى الطابق السابع في المستشفى، وأقر بحدوث التعذيب الممنهج فيهصورة من: Anagha Subhash Nair/Middle East Images/picture alliance
شهادات حية من "مستشفى الموت"
يروي فراس الشاطر، وهو أحد ضحايا التعذيب، لموقع تاغس شاو الألماني تجربته بعد نقله إلى مستشفى حرستا العسكري عام 2012. يصف الشاطر كيف تم تقييده بالسلاسل إلى سرير في الطابق السابع، وكانت عيناه مغطاة، ليقضي تسعة أيام من العذاب المتواصل.
يقول: "في السجن، يتم تعذيبك أثناء الاستجواب لأنهم يريدون معرفة شيء منك. أما في حرستا، فكان يتم تعذيبك على مدار 24 ساعة دون أي سبب".
ويصف الشاطر في شهادته وشهود آخرون كيف كان الجنود ينهالون على المرضى بالضرب العشوائي باستخدام القبضات والأحزمة. ويؤكد الشهود أن الممرضين والممرضات شاركوا في التعذيب، حيث يروي الشاطر أن ممرضة أطفأت سيجارتها على قدمه "هكذا ببساطة"، مشيرًا إلى أن العديد من رفاقه السجناء لم ينجوا من هذا المصير، وفق ما نقل موقع تاغيس شاو.
تواطؤ في التعذيب
تضمنت الشهادات اتهامات مباشرة للأطباء بالتحول إلى جلادين. نائل المغربي، الذي قضى أربعة أشهر سجينًا في الطابق السابع، يروي كيف قام طبيب بلف البراغي التي تثبت عظام ساقه المكسورة دون تخدير بعد إصابته بطلق ناري من قوات الأمن. يقول المغربي: "صرخت من الألم حتى فقدت الوعي".
ويشير التحقيق إلى أن الأحداث في حرستا كان يمكن أن تظل جريمة مجهولة أخرى لنظام الأسد، لولا "ملف دمشق" الذي قدم أسماء المسؤولين وأثبت الدور البارز للمستشفى في آلة القتل.
إعلان
شهادات وفاة مزورة
يحتوي "ملف دمشق" على أكثر من سبعين شهادة وفاة صادرة عن مستشفى حرستا، موقعة من أطبائه، تؤكد وفاة سجناء المخابرات السورية. اللافت أن هذه الشهادات زعمت في عدد غير عادي من الحالات أن سبب الوفاة هو "سكتة قلبية".
ويؤكد طبيب سابق، وقع على شهادات الوفاة في حرستا وفضل عدم الكشف عن هويته، أن هذا كان تضليلاً متعمدًا للسبب الحقيقي للوفاة. ويوضح: "لا يمكنني أن أكتب: لقد تعرض للتعذيب وهو الآن ميت".
يحتوي "ملف دمشق" على أكثر من سبعين شهادة وفاة صادرة عن مستشفى حرستا، موقعة من أطبائه، تؤكد وفاة سجناء المخابرات السورية.صورة من: Anagha Subhash Nair/Middle East Images/picture alliance
ملاحقة قانونية
أشار المدعي العام الألماني، ينس روميل، إلى أن إصدار شهادات وفاة كاذبة قد يكون أمراً متصلاً بالقانون الجنائي، حيث يمكن اعتباره "مساعدة إجرامية" في عمليات القتل الممنهج، لأنه يساهم في إخفاء هذه الجرائم.
بموجب القانون الجنائي الدولي، يمكن للمدعي العام الألماني ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية الذين ارتكبوا أفعالهم في الخارج، حتى لو لم يكن الضحايا مواطنين ألمان.
وفي هذا الصدد، طالبت سوزانه يوهنا، رئيسة اتحاد ماربورغ للأطباء في ألمانيا، المحققين الجنائيين في ألمانيا بمتابعة هذه الأدلة بسرعة. وأكدت أن الأطباء من أصل سوري هم "دعامة لا غنى عنها في الرعاية الطبية"، ولكن يجب تحديد الأطباء القلائل الذين ربما ارتكبوا أخطاء في سوريا، مشددة على أنه "إذا ثبت بالفعل تورط طبيب في التعذيب، فلا يجب أن يمارس المهنة في ألمانيا بأي حال من الأحوال".
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.