أهداف تركيا في سوريا.. ما تداعياتها على خريطة النفوذ؟
عادل الشروعات
٢٥ يناير ٢٠٢٦
تأتي السياسة التركية في سوريا في سياق توازن دقيق بين اعتبارات الأمن القومي والطموحات الإقليمية، حيث تسعى أنقرة إلى منع ترتيبات سياسية تهدد حدودها، مع الحفاظ على نفوذ مؤثر في مستقبل الصراع السوري.
السياسة التركية في سوريا توازن بين الأمن القومي والطموح الإقليمي، لمنع كيانات مهدِّدة والحفاظ على نفوذ مؤثر.صورة من: Orhan Qereman/REUTERS
إعلان
تحتل سوريا موقعا مركزيا في الحسابات الإستراتيجية لتركيا منذ اندلاع النزاع السوري عام 2011، حيث تحول الملف السوري من قضية سياسة خارجية إلى عنصر مباشر في معادلة الأمن القومي التركي. ومع تجدد المواجهات في شمال شرقي سوريا، وعودة الجيش السوري للتقدم في مناطق كانت خاضعة لإدارة كردية، تبرز السياسة التركية بوصفها عاملا مؤثرا في مسار الأحداث، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
الأمن القومي كمنطلق أساسي
تنطلق المقاربة التركية في سوريا من اعتبار أن وجود قوى كردية منظمة ومسلحة على حدودها الجنوبية يشكل تهديدا مستمرا. وترى أنقرة أن بعض هذه القوى، ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ترتبط تنظيميا أو أيديولوجيا بحزب العمال الكردستاني، المصنف منظمة إرهابية في تركيا. وبناء على هذا التصور، تهدف السياسة التركية إلى تفكيك هذه البنى أو منعها من التحول إلى كيان سياسي مستقر يتمتع بشرعية إقليمية أو دولية.
في هذا الإطار، لا تعارض تركيا إعادة بسط سيطرة الدولة السورية على مناطق الشمال الشرقي، طالما أن ذلك يؤدي إلى إنهاء الهياكل العسكرية والسياسية المستقلة للأكراد، بحسب موقع تاغسشاو الألماني. وتُفسر تصريحات المسؤولين الأتراك التي تشيد بأداء الجيش السوري في عملياته الأخيرة بوصفها مؤشرا على هذا التقاطع في المصالح، رغم استمرار الخلافات السياسية بين أنقرة ودمشق.
تفضيل الدولة المركزية
تدعم تركيا نموذجا لسوريا يقوم على دولة مركزية قوية ذات سيادة موحدة، وترفض الصيغ اللامركزية الواسعة التي تمنح الأقاليم سلطات سياسية وأمنية كبيرة. ويعود هذا الموقف إلى مخاوف من أن يشكل الحكم الذاتي الكردي سابقة يمكن أن تؤثر على التوازنات الداخلية في تركيا، أو تفتح المجال أمام مطالب مشابهة داخل حدودها.
وتتناقض هذه الرؤية مع الطرح الكردي، الذي يدعو إلى دمج المناطق ذات الغالبية الكردية ضمن إطار دستوري يضمن قدرا من الإدارة الذاتية. وبين هذين التصورين، تبرز سوريا كساحة اختبار لنماذج متنافسة لإدارة التنوع السياسي والإثني في مرحلة ما بعد النزاع.
إعلان
البعد الإقليمي والدولي
تسعى تركيا من خلال سياستها في سوريا إلى تثبيت موقعها لاعبا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية مستقبلية. فإضعاف قوات سوريا الديمقراطية، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، يُنظر إليه في أنقرة، بحسب تاغسشاو، على أنه عامل يحد من النفوذ الأمريكي في شرق سوريا، ويعيد توزيع أوراق القوة على الأرض.
في الوقت ذاته، تحاول تركيا موازنة علاقاتها مع روسيا، التي تدعم الحكومة السورية، ومع أطراف إقليمية أخرى لها مصالح متباينة في سوريا. ويأتي ذلك في إطار تنافس أوسع حول مستقبل النظام السياسي السوري، وحول طبيعة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية الفاعلة.
التداعيات الداخلية في تركيا
على الصعيد الداخلي، تحمل التطورات في سوريا أبعادا حساسة بالنسبة لتركيا. إذ يتقاطع التصعيد ضد الفصائل الكردية في سوريا مع نقاشات داخلية حول العلاقة بين الدولة التركية والمكوّن الكردي. ورغم تأكيد الحكومة التركية الفصل بين سياستها الخارجية ومسار الحوار الداخلي، ترى أطراف سياسية كردية أن التعامل الأمني مع الأكراد خارج الحدود قد ينعكس سلبا على مناخ الثقة داخل تركيا.
كما تُظهر الاحتجاجات التي شهدتها مناطق حدودية تركية، حسب تقدير تاغسشاو، أن الملف السوري لا يزال قادرا على التأثير في الداخل، خاصة في ظل الروابط الاجتماعية والسياسية بين الأكراد على جانبي الحدود.
آفاق السياسة التركية
تعكس السياسة التركية في سوريا مقاربة براغماتية توازن بين اعتبارات الأمن القومي والرغبة في الحفاظ على نفوذ إقليمي فاعل. وقد حقّقت هذه المقاربة مكاسب ملموسة على مستوى الحد من تمدد القوى الكردية المسلحة، وتعزيز الموقع التفاوضي لأنقرة. غير أن استمرار هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة تركيا على إدارة تداعياتها الداخلية والإقليمية، ولا سيما في ظل تعقيد المشهد السوري وتعدّد الفاعلين فيه.
في المحصلة، تبقى السياسة التركية في سوريا محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين منع التهديدات الأمنية المباشرة والسعي إلى لعب دور مؤثر في إعادة تشكيل النظام الإقليمي المحيط، وهي معادلة مرشحة للبقاء طالما استمر عدم الاستقرار في سوريا.
تحرير: عماد غانم
مسارات الثورة السورية - سقوط نظام بشار الأسد بعد سنوات من سفك الدماء
مع الانهيار المفاجئ لحكم بشار الأسد في سوريا ثم سقوطه يوم الأحد 08/ 12/ 2024 حققت المعارضة السورية أهدافها بعد قرابة 14 عاما، في لحظة حاسمة من حرب أهلية حصدت أرواح مئات الآلاف ونزح بسببها نصف السكان واستقطبت قوى خارجية.
صورة من: Orhan Qereman/REUTERS
2011 - احتجاجات سلمية وقمع
انتشرت الاحتجاجات الأولى سلميا ضد الأسد سريعا في أنحاء البلاد، وواجهتها قوات الأمن بالاعتقالات والرصاص. ثم حمل بعض المتظاهرين السلاح وانشقت وحدات عسكرية بالجيش مع تحول الانتفاضة إلى ثورة مسلحة حظيت بدعم دول غربية وعربية وكذلك تركيا.
صورة من: AP
2012 - تفجير هو الأول من نوعه في دمشق
وقع تفجير بدمشق هو الأول من نوعه نفذته جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة الجديد بسوريا والتي اكتسبت قوة وبدأت بسحق جماعات ذات مبادئ قومية. واجتمعت القوى العالمية بجنيف واتفقت على الحاجة لانتقال سياسي لكن انقسمت حول كيفية تحقيق ذلك. الأسد وجه قواته الجوية نحو معاقل المعارضة مع سيطرة المقاتلين على أراضٍ لتتصاعد الحرب مع وقوع مجازر على الجانبين.
صورة من: Reuters
2013 – دعم إيران وحزب الله للأسد واتهام نظامه باستخدام السلاح الكيماوي
ساعد حزب الله اللبناني الأسد على تحقيق النصر في القُصَير ليوقف زخم المعارضة ويظهر الدور المتزايد للجماعة المدعومة من إيران في الصراع. حددت واشنطن استخدام الأسلحة الكيميائية كخط أحمر، لكن هجوما بغاز السارين [كما في الصورة هنا] على الغوطة الشرقية التي سيطرت عليها المعارضة قرب دمشق أودى بحياة عشرات المدنيين دون أن يثير ردا عسكريا أمريكيا.
صورة من: Reuters
2014 - استسلام مقاتلي المعارضة في حمص القديمة
سيطر تنظيم الدولة الإسلامية فجأة على الرقة بالشمال الشرقي وعلى مساحات بسوريا والعراق. استسلم مقاتلو المعارضة [نرى بعضهم في الصورة] بحمص القديمة ووافقوا على المغادرة لمنطقة أخرى بأول هزيمة كبيرة لهم بمنطقة حضرية كبرى وهذا مهد لاتفاقات "إخلاء" بعد ذلك. شكلت واشنطن تحالفا ضد تنظيم الدولة الإسلامية وبدأت بتنفيذ ضربات جوية مما ساعد القوات الكردية على وقف مد التنظيم لكنه تسبب بتوترات مع حليفتها تركيا.
صورة من: Salah Al-Ashkar/AFP/Getty Images
2015 - اكتساب المعارضة أراضيَ في إدلب ودعم روسيا للأسد
بفضل تحسين التعاون والحصول على الأسلحة من الخارج تمكنت الجماعات المعارضة من كسب المزيد من الأراضي والسيطرة على شمال غرب إدلب، لكن بات للمسلحين الإسلاميين دور أكبر. انضمت روسيا إلى الحرب لدعم الأسد بشن غارات جوية حولت دفة الصراع لصالح رئيس النظام السوري لسنوات لاحقة.
صورة من: Reuters/K. Ashawi
2016 - هزيمة المعارضة في حلب على أيدي قوات الأسد وحلفائه
مع قلقها من تقدم الأكراد على الحدود شنت تركيا عملية توغل مع جماعات معارضة متحالفة معها مما أدى لإقامة منطقة جديدة تحت السيطرة التركية. تمكن الجيش السوري وحلفاؤه من هزيمة المعارضة في حلب، وهو ما اعتبر آنذاك أكبر انتصار للأسد في الحرب. انفصلت جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة وبدأت محاولة تقديم نفسها في صورة معتدلة، فأطلقت على نفسها سلسلة من الأسماء الجديدة قبل أن تستقر في النهاية على هيئة تحرير الشام.
صورة من: picture-alliance/AA/E. Leys
2017 - هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة
تمكنت قوات مدعومة من الولايات المتحدة بقيادة الأكراد [هنا في الصورة] من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة. وانتهى هذا الهجوم وهجوم آخر شنه الجيش السوري بطرد هذا التنظيم المتطرف من كل الأراضي تقريبا التي استولى عليها.
صورة من: Reuters/G. Tomasevic
2018 - استعادة الأسد للغوطة الشرقية ودرعا
استعاد الجيش السوري الغوطة الشرقية قبل أن يستعيد سريعا جيوبا أخرى للمعارضة في وسط سوريا ثم درعا معقلها الجنوبي. وأعلن الجيش الحكومي خروج جميع فصائل المعارضة من منطقة الغوطة الشرقية بعد نحو شهرين من هجوم عنيف على هذه المنطقة التي كانت معقلاً للمعارضة.
صورة من: Getty Images/AFP/L. Beshara
2019 - فقدان تنظيم الدولة الإسلامية آخر معاقله في سوريا
فقد تنظيم الدولة الإسلامية آخر معاقله في سوريا. وقررت الولايات المتحدة إبقاء بعض قواتها في البلاد لدعم حلفائها الأكراد. وبإعلانها السيطرة على آخر معاقله في سوريا طوت قوات سوريا الديمقراطية نحو خمس سنوات من "الخلافة" المزعومة لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). ورحب زعماء العالم بـ"تحرير" منطقة الباغوز مؤكدين على مواصلة "اليقظة" تجاه خطر التنظيم.
ساندت روسيا هجوما لقوات النظام السوري انتهى بتفاهمات روسية تركية ايرانية ليتجمد القتال عند معظم خطوط المواجهة. وسيطر الأسد على جل الأراضي وجميع المدن الرئيسية ليبدو أنه قد رسخ حكمه. وسيطر المعارضون على الشمال الغربي فيما سيطرت قوة مدعومة من تركيا على شريط حدودي. وسيطرت القوات التي يقودها الأكراد على الشمال الشرقي.
2023 - تقليص وجود إيران وحزب الله في سوريا وتقويض سيطرة الأسد
وقع هجوم حركة حماس الارهابي غير المسبوق على إسرائيل في السابع من أكتوبر / تشرين الأول ليندلع قتال بين إسرائيل وحزب الله اللبناني أدى في نهاية المطاف إلى تقليص وجود الجماعة في سوريا وتقويض سيطرة الأسد. في الصورة: قصف مبنى بالقرب من السفارة الإيرانية في دمشق منسوب لإسرائيل عام 2024.
صورة من: Firas Makdesi/REUTERS
2024 - سقوط نظام الأسد وحكم حزب البعث في سوريا 08 / 12 / 2024
شنت المعارضة هجوما جديدا على حلب. ومع تركيز حلفاء الأسد على مناطق أخرى، ينهار الجيش سريعا. وبعد ثمانية أيام من سقوط حلب استولى المعارضون على معظم المدن الكبرى من بينها دمشق ليسقط حكم الأسد في تاريخ الثامن من ديسمبر / كانون الأول 2024. الصورة من دمشق في تاريخ 08 / 12 / 2024 من الاحتفالات الشعبية بالإطاحة بنظام الأسد. إعداد: علي المخلافي