إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب .. عصا ترامب السحرية؟
خالد سلامة
٩ يوليو ٢٠٢٦
يبدو أن سوريا على موعد مع إسدال الستار على الفصل الأخير من العقوبات الأمريكية المتراكمة على مدار عقود. الأمر الذي من شأنه فتح الباب أمام الاستثمارات وإلغاء العوائق أمام إدماج البلاد في النظام المالي العالمي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع في لقاء على هامش قمة الناتو في أنقرة.صورة من: Jonathan Ernst/REUTERS
إعلان
أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع الأربعاء (الثامن من تموز/يوليو 2026) أنه قرر رفع اسم سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب. وكتب ترامب في رسالة إلى الشرع: "وعدت بإزالة جميع الحواجز التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم، وقريباً جداً ستتمكنون أخيراً من القيام بذلك".
وأتى إعلان هذه الخطوة في يوم لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في تركيا.
آلية الإلغاء
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأربعاء بدء إجراءات رفع اسم سوريا المدرج في هذه القائمة منذ عقود، في دعم أمريكي جديد للمرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
ويصبح الإجراء نافذاً خلال 45 يوماً ما لم يرفضه الكونغرس، وهو أمر غير مرجّح.
وقال روبيو في بيان: "هذه خطوة تاريخية أخرى من جانب الرئيس ترامب لمنح الشعب السوري فرصة لتحقيق العظمة". وأضاف "أن رفع العقوبات عن سوريا سيفتح المجال أمام التجارة والاستثمار الدوليَّين، ويمنح سوريا فرصة لإعادة البناء، ويفتح فصلاً جديداً للشعب السوري".
وشكر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إدارة ترامب على قرارها. وكتب في منشور على منصة إكس ليل الأربعاء: "أُغلقنا صفحة سوداء في تاريخ سوريا برفع التصنيف الذي فرض عليها بسبب سياسات النظام البائد". وفي التغريدة يعرض الشيباني والرئيس السوري أحمد الشرع رسالة ترامب.
تاريخ طويل من العقوبات الأمريكية على سوريا
تعود هذه العقوبات على سوريا إلى العام 1979، حين أدرجتها واشنطن على قائمة الدول الراعية للإرهاب، على خلفية اتهامها خلال عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد، بدعم فصائل مسلحة فلسطينية وأخرى في لبنان.
وواجهت دمشق اتهامات غربية بالضلوع المباشر في حوادث إرهابية منها محاولة تفجير رحلة تابعة لشركة طيران العال الإسرائيلية عام 1986، وهو ما نفته الحكومة السورية آنذاك.
وتوسعت العقوبات تدريجياً، خصوصاً بعد إقرار قانون "محاسبة سوريا" عام 2003، لتبلغ ذروتها بعد اندلاع النزاع عام 2011، وكان أشهرها "قانون قيصر" الذي دخل حيز التنفيذ عام 2020 وتم إلغاؤه أواخر 2025. وطالت العقوبات الأمريكية المختلفة خلال الحرب مسؤولين وكيانات حكومية وقطاعات المال والنفط والتجارة والاستثمار.
وفي عهد آل الأسد، كانت سوريا ملاذاً لفصائل فلسطينية مسلحة يسارية ويمينية كحماس والجهاد الإسلامي، على سبيل المثال لا الحصر.
يشار إلى أن حركة حماس، هي جماعة إسلاموية فلسطينية مسلحة، تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى كمنظمة إرهابية. وتُصنف حركة "الجهاد الإسلامي" على أنها منظمة إرهابية أيضا، وهناك دلالات على تبعيتها لإيران.
وفي السنوات الأخيرة، ارتبط تصنيف الولايات المتحدة لسوريا كدولة راعية للإرهاب بشكل أساسي بعلاقة الأسد بإيران ودعمه لحزب الله اللبناني.
وتعتبر دول عديدة حزب الله اللبناني، أو جناحه العسكري، منظمة إرهابية. ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى. كما حظرت ألمانيا نشاط الحزب على أراضيها في عام 2020 وصنفته كـ "منظمة إرهابية".
وبعد إزالة اسم سوريا من القائمة، تبقى ثلاث دول فقط مدرجة في القائمة السوداء للإرهاب وهي إيران وكوريا الشمالية وكوبا.
"تحول اقتصادي محوري"
يقول الأكاديمي والمستشار الاقتصادي زياد عربش إن القرار الأمريكي يمثّل "تحولاً محورياً من الوجهة الاقتصادية".
واعتبر في تصريحات لوكالة فرانس برس أن من شأن "الإلغاء الدائم للتصنيف أن يزيل الحاجز القانوني الأكبر أمام اندماج سوريا في النظام المالي والتجاري العالمي"، لافتاً إلى أن رفع العقوبات تدريجياً منذ العام الماضي "لم يكن كافياً... وكانت معظم المصارف العالمية لا تزال تتعامل مع سوريا كدولة عالية المخاطر".
وأوضح أن بقاء التصنيف كان يخلق حالة من عدم اليقين، ويعني استمرار قيود قانونية خصوصاً على المساعدات والتعاملات المالية وبعض الصادرات.
كما يلغي الرفع في حال إقراره بشكل نهائي صادرات السلاح الأمريكي لدمشق وصادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج: المدني والعسكري.
وعمل الشرع منذ وصوله إلى السلطة في كانون الأول/ديسمبر 2024، ورغم ماضيه الجهادي، على إعادة ترميم العلاقة مع الولايات المتحدة بعد سنوات طويلة من القطيعة في زمن الحكم السابق.
وقال الشرع خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو في أنقرة الأربعاء (الثامن من تموز/يوليو 2026)، إن رفع العقوبات "يحظى بتقدير الشعب السوري وشكره".
إعلان
الاستثمار والتعافي المصرفي
وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 216 مليار دولار. إلا أن تدفق الأموال والاستثمارات الأجنبية يبقى بطيئاً رغم الاستقرار النسبي للأوضاع.
وعرقلت الحرب والعقوبات عمليات تأهيل مرافق وبنى تحتية خدمية وجعلت التعاملات مع القطاع المصرفي السوري مستحيلة، بعدما كان مستبعداً من الأسواق الدولية، منذ تجميد أصول المصرف المركزي وحظر التعامل معه.
ورحّب حاكم المصرف المركزي محمّد صفوت رسلان من جانبه بالقرار، معتبراً أنه "يفتح آفاقا أوسع للاستثمار والتعافي الاقتصادي وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي".
البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتكنلوجيا الرقمية
ويزيل القرار الأمريكي كذلك الحظر غير المعلن عن الوصول إلى البرمجيات الأمريكية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وعلى مدى سنوات، انعكس نظام العقوبات الأمريكية على الوسائل الرقمية في سوريا، إذ تعذّر على المستخدمين الوصول إلى خدمات ومنصات أو استعمالها بسهولة، بينها نتفليكس وزوم وتشات جي بي تي ومتاجر التطبيقات.
وفي حالات كثيرة، لا تكتفي التطبيقات بحجب الخدمة عن عناوين الإنترنت السورية، بل تحذف سوريا أصلاً من قائمة الدول المتاحة عند التسجيل أو الدفع أو اختيار بلد الإقامة.
تحرير: محمد فرحان
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.