اعتقاله أشعل السليمانية- من هو المعارض البارز شيخ جنكي؟
٢٢ أغسطس ٢٠٢٥
أوقفت قوات الأمن في كردستان العراق فجر الجمعة (22 آب/أغسطس 2025) السياسي المعارض لاهور شيخ جنكي، وهو ابن عم قياديَي أسرة طالباني النافذَين في الإقليم المتمتع بحكم ذاتي، بعد ساعات من اشتباكات مسلحة أسفرت عن مقتل ثلاثة من قوات الأمن، بحسب مسؤولَين أمنيين.
وكان جنكي في الماضي مسؤولًا كبيرًا في الاتحاد الوطني الكردستاني، أحد الحزبين الكرديين التاريخيين بالإقليم والذي يهيمن على السليمانية، قبل أن تنشأ خلافات بينه وبين ابنَي عمّه بافل وقُباد طالباني وهما ابنا الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني.
وأصبح جنكي ثاني سياسي معارض بارز توقفه قوات الأمن في السليمانية، ثاني كبرى مدن الإقليم المتمتع بحكم ذاتي منذ 1991، في أقلّ من أسبوعين.
وقال مسؤول أمني لوكالة فرانس برس طالبًا عدم الكشف عن هويته "نظرًا إلى حساسية الملف" إن جنكي "سلّم نفسه" فجر الجمعة فيما "جُرح شقيقه بولاد في ساقه وتم اعتقاله" بعد عدة ساعات من اشتباكات بأسلحة ثقيلة.
وكان الرجلان محصّنَين مع مقرّبين منهما في فندق يملكانه في حي راقٍ في السليمانية، وفقًا لمراسل وكالة فرانس برس الذي شاهد في الموقع دخانًا أسود يتصاعد بعد حريق اندلع جراء الاشتباكات.
واندلعت الاشتباكات قبيل الفجر بين قوات الأمن التي شنّت الهجوم، وعشرات المقاتلين المسلّحين الذين كانوا يحمون الرجلَين فيما سُمعت أصوات إطلاق النار في كل أنحاء المنطقة.
وأسفرت المواجهات عن ثلاثة قتلى في صفوف القوى الأمنية "أحدهم يتبع لقوات مكافحة الإرهاب والثاني لعمليات الأسايش والثالث لقوات الكوماندوز (...) فيما أُصيب 19 آخرون" من قوات الأمن، على ما قال لفرانس برس مسؤول أمني ثانٍ طلب عدم الكشف عن هويته.
وأكّدت المديرية العامة لمكافحة الإرهاب في السليمانية في بيان مقتل أحد منتسبيها "أثناء مشاركته في تنفيذ قرار قضائي لاعتقال مجموعة من المطلوبين"، منوّهة إلى أن "المواجهات انتهت بعد نحو أربع ساعات".
وفي حين يقدّم الإقليم -الحليف للولايات المتحدة والدول الأوروبية- نفسه على أنه واحة للاستقرار في العراق الذي بدأ يشهد أخيرًا استقرارًا نسبيًا بعد أربعة عقود من النزاعات، يندد ناشطون ومعارضون بـ"الفساد المستشري فيه" وبالتوقيفات "التعسفية" و"انتهاكات" حرية التجمع والهجمات على حرية الصحافة.
وقال المتحدث باسم محكمة السليمانية القاضي صلاح حسن لفرانس برس إن القضاء "أصدر الخميس أمر قبض" بحق جنكي وعدد من الأشخاص "بتهمة تشكيل مجموعة لزعزعة الأمن والاستقرار". وأشار إلى أنه "قد يُحكم عليه بالسجن مدة لا تقلّ عن سبعة أعوام في حال ثبتت التهمة".
وأُبعد جنكي تدريجيًا منذ 2021 عن مركز السلطة وعن المناصب الأمنية التي كان يشغلها جرّاء خلافات مع ابنَي عمّه. وأشار في ذلك العام رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني إلى أنه تعرّض لمحاولة تسميم، موجّهًا أصابع الاتهام إلى المقربين من جنكي في مجال الأمن.
وأسس جنكي -المولود في العام 1975- الجهاز الكردي لمكافحة الإرهاب في السليمانية وأداره لأكثر من عشرة أعوام قبل أن يتولى رئاسة وكالة استخبارات تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، وفقًا لموقعه الإلكتروني الخاص. وتشارك لفترة وجيزة مع ابن عمّه بافل رئاسة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.
وفي العام 2024، أسّس حزبه الخاص الذي أطلق عليه اسم "جبهة الشعب" الذي يتمتع اليوم بمقعدَين من أصل 100 في برلمان إقليم كردستان.
"أمن السليمانية فوق جميع الاعتبارات"
وتعليقًا على توقيف جنكي بعد عملية استخدمت فيها "طائرات مسيرة ودبابات وأسلحة ثقيلة"، دعا حزب "جبهة الشعب" في بيان الجمعة "جميع ممثلي الدول التي لديها قنصليات وتمثيليات في إقليم كردستان والحكومة الفيدرالية وحكومة الإقليم إلى ألا يصمتوا أمام هذا الفعل غير المتحضر والإرهابي".
ومن أربيل عاصمة الإقليم، شدّدت الرئاسة في بيان الجمعة على ضرورة "أن تُحل جميع الخلافات والمشاكل بالطرق القانونية وبعيدًا عن العنف". من جهته حذر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني من أن الاشتباكات التي تشهدها السليمانية تهدد أمن إقليم كردستان. وقال: "أعمل مع جميع الأطراف لإنهاء هذه التوترات ومنع إراقة الدماء والعنف"، وأضاف "على الجميع أن يدركوا ذلك ويوقفوا هذه الاشتباكات فورًا، ويتجنبوا أن يكون شباب هذا البلد ضحايا، ويجب حل أي مشاكل أو خلافات بالطرق القانونية".
من جهتها قالت الحكومة العراقية إنها "لن تدخر جهدًا" في درء الفتنة وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ الاستقرار في السليمانية. وقال صباح النعماني، المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إن الحكومة الإتحادية "تؤكد على ضرورة التزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية وفقًا لأحكام الدستور، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون".
وذكر أن الحكومة العراقية "إذ تشدد على أهمية أن تنفذ هذه الإجراءات بحيادية تامة وشفافية كاملة، بعيدًا عن أي مظاهر مسلحة أو محاولات لترهيب المواطنين فإنها تؤكد أن إنفاذ القانون يجب أن يتم بما يضمن صون كرامة الإنسان وحفظ حقوقه"، وأضاف "مصلحة محافظة السليمانية، وأمن وسلامة أهلها، وأمن الإقليم والعراق عمومًا، تبقى فوق جميع الاعتبارات".
"تحييد خصوم" قبل الانتخابات التشريعية العراقية؟
وفي 12 آب/أغسطس، أوقف السياسي المعارض شاسوار عبد الواحد زعيم حركة الجيل الجديد في منزله في السليمانية ووُضع قيد الاحتجاز في قضية تشهير.
ويرجّح المحلل السياسي مهند عدنان "أن تستغل (حركة الجيل الجديد) ذلك لتعبئة الناخبين، خصوصًا أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال (عبد الواحد) من قبل سلطات كردستان".
وتأتي سلسلة التوقيفات في وقت يستعدّ العراق لإجراء انتخابات تشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر لاختيار برلمان جديد يكون للأحزاب الكردية تمثيلًا فيه.
ويرى مدير المعهد الأوروبي للدراسات حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عادل بكوان أن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني يسعى بهذه التوقيفات "إلى تحييد اثنين من أهمّ خصومه" اللذين يمكنهما الفوز بمقاعد في البرلمان الاتحادي "بالاستفادة من غضب" الناخبين.
ويقول لوكالة فرانس برس إن جنكي "لم ينفصل تمامًا عن القاعدة النضالية" لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني حتى بعد إبعاده عنه، وهو "حافظ على علاقات مع الأوساط الاقتصادية والأمنية والعسكرية للحزب".
ويشهد كردستان العراق منذ عقود تنافسًا على السلطة بين حزبين أساسيين وعائلتيهما هما الحزب الديمقراطي الكردستاني وأسرة بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني وأسرة طالباني.
وحكمت السلطات في أربيل الثلاثاء على الصحافي شيروان شيرواني المعروف في مجال مكافحة الفساد، بالسجن أربع سنوات وخمسة أشهر إضافية لإدانته بتهمة "تهديد" ضابط في السجن، قبل أيام من الإفراج المفترض عنه بعد حوالي خمسة أعوام من توقيفه.
تحرير: عبده جميل المخلافي