بعد أيام من الاشتباكات، أعلن الجيش السوري استكمال عمليته الأمنية في حي الشيخ مقصود، آخر معاقل الأكراد في حلب ليضعها تحت سيطرة واحدة لأول مرة منذ أكثر من عقد، وسط نفي من القوات الكردية
أعلن الجيش السوري أنه استكمل عملية أمنية في حي الشيخ مقصود في حلب:صورة من: Kasim Yusuf/Anadolu/picture alliance
إعلان
أعلن الجيش السوري صباح السبت (10 يناير/كانون الثاني 2026) أنه استكمل عملية أمنية في حي الشيخ مقصود في حلب، حيث يتمركز مقاتلون أكراد، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، وذلك بعد أيام من الاشتباكات العنيفة.
وأوردت سانا نقلاً عن الجيش: "نعلن عن الانتهاء من تمشيط حي الشيخ مقصود في حلب بشكل كامل"، في حين أفاد مراسل وكالة فرانس برس قرب الحي بسماع دوي انفجارات متواصلة، وشاهد سحب دخان تتصاعد من المنطقة.
لكن القوات الكردية نفت في بيان سيطرة القوات الحكومية على حي الشيخ مقصود في حلب وقالت إن المعارك متواصلة.
وكان الجيش السوري قد أعلن في وقت سابق عزمه التوغل في آخر حي يسيطر عليه الأكراد في حلب أمس الجمعة، بعد رفض الجماعات الكردية هناك طلب الحكومة انسحاب مقاتليها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
ودعا البيان "المدنيين في حي الشيخ مقصود إلى البقاء في منازلهم وعدم الخروج، وذلك بسبب اختباء عناصر تنظيم قسد وتنظيم (بي كيه كيه) الإرهابي بينهم، ويمكن لأهلنا المدنيين التواصل مع القوات العسكرية الموجودة في شوارع الحي من أجل أي طارئ أو للإبلاغ عن تواجد عناصر التنظيم."
قوات الأمن تستعد لاستلام إدارة الحي
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصدر أمني قوله إن "قوات الأمن الداخلي تستعد لاستلام إدارة حي الشيخ مقصود من الجيش بعد تأمين المنطقة بالكامل". وأكد مصدر ميداني لـلوكالة أن "قوات الأمن الداخلي تستعد لاستلام إدارة حي الشيخ مقصود من الجيش بعد تأمين المنطقة بالكامل ".
من جانبها، أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم السبت، انتشار قوات الأمن الداخلي في حيّ الشيخ مقصود بمدينة حلب. وقالت الوزارة، في بيان صحفي: "بدأت وحدات الأمن الداخلي انتشارها في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، ضمن خطة مدروسة تهدف إلى إعادة تثبيت الأمن والاستقرار، وذلك عقب القضاء على المجموعات المسلحة التابعة لتنظيم "قسد" على يد الجيش العربي السوري".
أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم السبت، انتشار قوات الأمن الداخلي في حيّ الشيخ مقصود بمدينة حلبصورة من: Khalil Ashawi/REUTERS
وأضافت :"باشرت الوحدات مهام حماية المدنيين، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، ومنع أي خروقات أو مظاهر فوضى، وذلك بالتنسيق الكامل مع وحدات الجيش العربي السوري المنتشرة في الحي".
وأفاد محافظ حلب، عزّام الغريب، بأن الجهات المعنية في مدينة حلب تتابع أعمالها الميدانية على مدار الساعة لتثبيت الأمن وضمان عودة الحياة الطبيعية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ، داعيا الأهالي إلى الالتزام الكامل بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة.
"دعوة للاستسلام"
وكانت المدينة قد شهدت فترة هدوء وجيزة صباح الجمعة بعدما أعلنت وزارة الدفاع عن وقف إطلاق نار، ومنحت المقاتلين الأكراد مهلة لإخلائهما تمهيداً لنقلهم إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا، وقامت بإرسال حافلات لهذا الغرض.
تأتي السيطرة على حي الشيخ مقصود بعد أيام من اشتباكات عنيفة بين القوات الكردية والحكومية اوقعت قتلى وتبادل الطرفان الاتهامات بإشعالها.صورة من: Khalil Ashawi/REUTERS
لكن المقاتلين رفضوا وأكّدوا أنهم سيواصلون "الدفاع" عن مناطقهم. وقالت القوات الكردية إن "النداء الذي توجهه قوات حكومة دمشق المؤقتة إلى شعبنا وقواتنا الأمنية هو دعوة للاستسلام، إلا أن شعبنا في هذه الأحياء مصمم على البقاء في أحيائه والدفاع عنها".
وكان الجيش أفاد بمقتل ثلاثة من جنوده ليل الجمعة على يد القوات الكردية. وأعلنت من جهتها القوات الكردية مساء الجمعة عن "عمليات قصف واستهداف مباشر على الأحياء السكنية في حي الشيخ مقصود". وأكّدت أن قواتها تواصل "مقاومتها بكل ثبات وبسالة"، رغم "هذا العدوان الهمجي". وعلّقت السلطات الرحلات في مطار حلب حتى وقت متأخر من يوم السبت.
إعلان
مبعوث أمريكي في المنطقة
وفي سياق متصل، أجرى المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، مباحثات مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي آخر التطورات في سوريا.
وقال المسؤول الأمريكي في تغريدة على منصة أكس "بحثت التطورات في حلب وأكدت التزامناً بدعم جهود وقف إطلاق النار وضمان الانسحاب السلمي لقوات سوريا الديمقراطية." وشدد على "ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق 10 مارس/آذار 2025، الذي سبق أن التزمت به كل من الحكومة السورية و قوات سوريا الديمقراطية."
ويشير المسؤول الأمريكي إلى اتفاق الذي ينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية، لكن المفاوضات بين الجانبين تواجه عقبات.
وأثارت المعارك في حلب مخاوف من أن يتخذ الصراع بعداً إقليمياً، بعد تأكيد أنقرة استعدادها لمساندة دمشق في حال طلبت ذلك، بينما دانت إسرائيل "الهجمات على الأقلية الكردية".
تحرير: عماد حسن
تاريخ عريق وأهمية استراتيجية.. مدينة حلب تعود لواجهة الأحداث
تعد مدينة حلب، واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة دون انقطاع على مدى آلاف السنين. ولم تفقد حلب أهميتها على مر الزمن وفي مختلف العصور حتى يومنا هذا، وهي ذات أهمية استراتيجية وتعد العاصمة الاقتصادية لسوريا.
صورة من: Peter Heiske
ثاني أكبر مدن سوريا
تقع مدينة حلب في أقصى شمال غرب الهضبة السورية، يخترقها نهر قويق الذي ينبع من تركيا. وتقول بعض المصادر التاريخية إن حلب أقدم مدينة مأهولة في العالم، إذ يعود تاريخها إلى القرن العشرين قبل الميلاد.
صورة من: OMAR HAJ KADOUR/AFP
موقع استراتيجي
تتمتع حلب بموقع استراتيجي، حيث أنها تقع على مفترق طرق تجارية متعددة وكانت تمر منها طرق التجارة القديمة وخاصة طريق الحرير، وكانت نقطة وصل بين الشرق والغرب ومحطة مهمة للقوافل التجارية بين أوروبا وآسيا.
صورة من: picture-alliance/dpa/Sputnik
العصر الذهبي
عرفت حلب أبهى عصورها حين كانت مركزا لإمارة الحمدانيين في الفترة ما بين عامي 944 – 1003م تحت حكم أميرها سيف الدولة الحمداني. كما عاشت حلب عصرها الذهبي في ظل الدولة الأيوبية بين عامي 1183 و1259 ولا سيما في عهد الملك الظاهر غازي حيث أصبحت من أجمل مدن الشرق وأكثرها نشاطا وازدهارا.
صورة من: Reuters/K. Ashawi
تنوع ثقافي وإثني وديني
تعتبر مدينة حلب من أكثر المدن السورية تنوعا، ثقافيا ودينيا وإثنيا. حيث يعيش فيها المسلمون والمسيحيون بمختلف طوائفهم والإيزيديون واليهود سابقا. وحلب كانت دائما موطنا لخليط من الشعوب والإثنيات، وقبل الحرب كان فيها العرب والأكراد والأرمن والتركمان والسريان والآشوريون وغيرهم.
صورة من: Fine Art Images/Heritage Images/picture alliance
قطار الشرق السريع
في العهد العثماني أيضا كانت تتمتع حلب بأهمية كبيرة وحافظت على أهميتها التجارية واصبحت في بعض المراحل سوقا رئيسية للشرق كله. وفي بداية القرن العشرين وصل القطار إلى حلب حيث اتصلت بمدينتي حماه ودمشق بسكة حديدية عام 1906 وبإسطنبول وأوروبا عام 1912 عبر قطار الشرق السريع.
صورة من: United Archives/picture alliance
مركز صناعي هام
تشتهر حلب بصناعاتها التقليدية والحديثة على حد سواء، حيث تتركز فيها أهم الصناعات النسيجية والتحويلية والزراعية والعسكرية أيضا. وقبل اندلاع الأزمة والحرب في سوريا، كانت حلب معروفة بوجود العديد من المراكز والمناطق الصناعية والمصانع الكبيرة.
صورة من: Omar Al Diri/AA/picture alliance
ازدهار اقتصادي وصناعي
قبل بدء الأزمة السورية والحرب، شهدت حلب منذ تسعينيات القرن الماضي وخاصة بعد عام 2000 نموا وازدهارا اقتصاديا كبيرا، وتوسعا في القطاع الصناعي وبناء مدن ومناطق صناعية جديدة ومصانع حديثة وتوسيع وتطوير المطار الدولي. وكان عدد السكان يبلغ نحو 4,5 مليون نسمة، وفي عام 2006 تم اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية.
صورة من: SANA/dpa/picture alliance
معالم وأوابد أثرية
تضم حلب العديد من الأوابد والمعابد الأثرية، حتى داخل المدينة، وأهمها القلعة. تعد قلعة حلب واحدة من أكبر وأقدم القلاع القائمة في العالم وتحفة معمارية تعود إلى القرون الوسطى. وأغلب البناء الحالي يعود إلى عهد الدولة الأيوبية. والقلعة تعد رمزا لمدينة حلب حتى اليوم، وهي تتوسط المدينة القديمة.
صورة من: picture-alliance/dpa/S. Kremer
الجامع الكبير
جامع حلب الكبير أو الجامع الأموي أو جامع بني أمية هو أكبر وأحد أقدم المساجد في مدينة حلب السورية. أدرج عام 1986 على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. شيدت مئذنة المسجد في عام 1090 ودمرت في نيسان/ أبريل من العام 2013 نتيجة للمعارك التي اندلعت هناك بين القوات الحكومية ومقاتلي المعارضة.
صورة من: Imago/imagebroker
أطول سوق مسقوف في حلب
سوق حلب القديم من أبرز معالمها التاريخية ويسمى أيضا بـ "بازار حلب" ويضم العديد من الأسواق والخانات التاريخية. ويعتبر سوق حلب أطول سوق مسقوف في العالم، إذ يبلغ طول المحور الرئيسي من باب أنطاكيا إلى القلعة حوالي 1200 متر إضافة إلى نحو 40 سوقا تتفرع عنه ليتجاوز الطول الإجمالي للسوق 14 كيلومترا.
صورة من: Issam Hajjar
حسابات الحرب والتحالفات العسكرية
نظرا لأهمية حلب التجارية والصناعية والاقتصادية والتاريخية وموقعها الاستراتيجي المهم، كانت دائما تخضع لحسابات الحرب والتحالفات العسكرية على مر العصور، وحتى يومنا هذا.
صورة من: Rami Alsayed/NurPhoto/Imago
تحرك متأخر
حركة الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها سوريا عام 2011 والصراع المسلح والمعارك التي شهدت أجزاء من البلاد، لم تصل حلب إلا متأخرة في العام التالي. حيث دخلت المعارضة حلب واستولت على الجزء الشرقي من المدينة، في حين بقي الجزء الغربي تحت سيطرة قوات النظام.
صورة من: Reuters
معارك عنيفة ودمار هائل
شهدت حلب معارك عنيفة بين فصائل المعارضة المسلحة وقوات النظام التي استخدمت الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية. وبقيت المعارضة مسيطرة على جزء كبير من المدينة حتى عام 2016 حيث استعاد النظام السيطرة عليها. ونتيجة ذلك حل دمار هائل في حلب لم تشهده مدن سوريا الأخرى.
صورة من: Louai Beshar/AFP
عودة فصائل المعارضة
نظرا لأهمية حلب استراتيجيا ودورها وتأثيرها على الأزمة والصراع في سوريا، وثقلها الاجتماعي والاقتصادي، حاول النظام التمسك بها، في حين بقيت فصائل المعارضة تتحين الفرصة وتحضر نفسها للسيطرة عليها من جديد، وهذا ما تحقق لها بالهجوم الكبير المفاجئ الذي شنته هيئة تحرير الشام وحلفاؤها في آواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وسيطرت على مدينة حلب بكاملها بسهولة وسرعة مذهلة بعد انهيار وانسحاب قوات النظام.