نشرت الحكومة السورية جنودا لحراسة مقبرة جماعية كشفت عنها وكالة رويترز قبل نحو شهرين وتوجد في صحراء الضمير. وعلى ضوء ذلك فتحت دمشق تحقيقاً جنائياً حول عملية كان يهدف منها النظام السابق إخفاء جرائمه وقتله لآلاف السوريين.
صور نشرتها رويترز في الـ 25 من نوفمبر الماضي عن موقع المقبرة الجماعية في صحراء الضمير. صورة من: Khalil Ashawi/REUTERS
إعلان
فتحت الحكومة السورية تحقيقا وفرضت حراسة أمنية مشددة على مقبرة جماعية تعود إلى عهد نظام بشار الأسد. وانكشف أمر المقبرة عبر تحقيق استقصائي قامت به وكالة رويترز للأنباء. ونشرت تفاصيل ذلك في تقرير حول مؤامرة نفذها النظام الديكتاتوري السابق وأبقاها طيّ الكتمان لسنوات لإخفاء آلاف الجثث في موقع صحراوي ناءٍ.
وتفيد الوكالة، بأنها تحدثت إلى 13 شخصاً لديهم معرفة مباشرة بتلك العملية على مدى عامين وحللت أكثر من 500 صورة التقطتها الأقمار الصناعية لموقعين. وبإشراف خبراء في الجيولوجيا الجنائية، استخدمت الوكالة صوراً بطائرات مسيرة لإنشاء صور مركبة عالية الدقة ساهمت في تأكيد نقل الجثث بإظهار تغير لون التربة ونبشها حول خنادق وحفر دفن في موقع الضمير.
وأطلق على العملية التي خططت لها الدائرة المقربة من الديكتاتور اسم "عملية نقل الأتربة". واستناداً لشهادة ضابط سابق في الجيش السوري مطلع على العملية فإن الموقع يقع بصحراء الضمير شرق العاصمة دمشق. وفيه يوجد مستودع للأسلحة جرى في العام 2018، إخلاؤه من العاملين لضمان سرية المؤامرة التي تضمنت استخراج جثث الآلاف من ضحايا المدفونين في مقبرة جماعية ونقلها بالشاحنات لموقع آخر يبعد ساعة بالسيارة في صحراء الضمير ذاتها.
ونقلت شاحنات الجثث والأتربة والرفات من المقبرة الجماعية التي انكشف أمرها لموقع المنشأة العسكرية المهجورة في الصحراء وامتلأت فيها حفر وخنادق بالجثث والرفات بالتزامن مع الحفر في موقع القطيفة.
تحقيق جنائي يبحث عن مشتبه بهم داخل وخارج البلاد
بعد الإطاحة بنظام الأسد، نشرت الحكومة السورية الجديدة جنوداً مرة أخرى في هذا الموقع. وقال الضابط في الجيش الشيخ أبو عمر الطواق المسؤول الأمني في المنطقة، لرويترز، إن منشأة الضمير العسكرية عادت للعمل كثكنة عسكرية ومستودعاً للأسلحة في نوفمبر/ تشرين الثاني بعد هجرها سبع سنوات.
إعلان
كما قال المسؤول العسكري الذي لم تكشف رويترز عن اسمه، أن إعادة تشغيل القاعدة العسكرية جاء في إطار جهود لتأمين السيطرة على البلاد ومنع أي أطراف "معادية" من استغلال تلك المنطقة الاستراتيجية المفتوحة، خاصة وأنها تقع على الطريق الصحراوي الذي تستخدمه قوات تنظيم "الدولة الإسلامية" باتجاه دمشق.
وتقول رويترز إن موقع الضمير "لم يكن" خاضعاً لأية حراسة الصيف الماضي، عندما قام صحفيوها بزيارات متكررة بعد اكتشاف وجود مقبرة جماعية هناك. وقال جندي في الموقع تحدث إلى رويترز في منتصف ديسمبر/ كانون الأول إن الحكومة الجديدة أقامت نقطة تفتيش عند مدخل المنشأة العسكرية التي يوجد فيها الموقع بعد أسابيع من نشر تقرير رويترز في أكتوبر تشرين / الأول. ويحتاج من يرغب في زيارة الموقع الآن إلى تصاريح دخول من وزارة الدفاع. ونقلت رويترز عن جلال طبش رئيس مخفر شرطة الضمير في نوفمبر/ تشرين الثاني، أن الشرطة فتحت تحقيقاً في أمر المقبرة والتقطت صوراً للموقع وأجرت مسحاً للأراضي ومقابلات مع شهود.
وأحالت الشرطة تقريرها بشأن موقع الضمير إلى القاضي زمن العبدالله، النائب العام في منطقة عدرا. وقال العبدالله لرويترز إن عملية مراجعة وتدقيق لوثائق حصلت عليها الأجهزة الأمنية بعد سقوط الأسد في ديسمبر كانون/ الأول 2024، كشفت معلومات حول هوية مشتبه بهم في الضلوع في العملية متواجدين داخل وخارج سوريا. لكنه أحجم عن الكشف عن اسماء المشتبه بهم لـ "استمرار التحقيقات".
في المقابل، أعلنت رويترز أنها استناداً لوثائق عسكرية ومصادر مدنية وعسكرية، خلصت إلى أن العقيد السابق في قوات الأسد، مازن إسمندر كان المسؤول الرئيسي عن عملية "نقل الأتربة" لوجيستياً والتي "كانت تنفذ لأربع ليال أسبوعياً لمدة عامين تقريبا من 2019 وحتى 2021". وتضيف الوكالة بأنها حاولت الحصول على تعليق منه، وكان ذلك "دون جدوى".
لا تعليق رسمي
إلى ذلك، لم ترد وزارة الإعلام السورية بعد على طلبات للحصول على تعليق على إعادة تشغيل القاعدة العسكرية والتحقيق في أمر المقبرة الجماعية. بينما قالت الهيئة الوطنية للمفقودين، التي تأسست بعد الإطاحة بالأسد للتحقيق في مصير عشرات آلاف السوريين المختفين في عهده، لرويترز إنها تجري عمليات تدريب للأفراد وتؤسس مختبرات لتفي بالمعايير الدولية لنبش المقابر الجماعية. وأضافت الهيئة لرويترز أن عمليات نبش واستخراج الرفات من مواقع مقابر جماعية عدة من عهد الأسد مقررة للبدء في 2027.
وفي 2018، كان الأسد على وشك تحقيق النصر الكامل في الحرب الدائرة آنذاك. ونظراً للضغوطات التي تعرض لها دولياً بسبب الانتهاكات الجسيمة بحق أبناء شعبه، أصدر أمراً بنبش القطيفة وإخفاء الرفات والجثث في المنشأة العسكرية في صحراء الضمير.
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.