تغير المناخ يهدد السردين.. "الغذاء الخارق" للبحر الأدرياتيكي
١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
"أعداد السردين في البحر الأدرياتيكي آخذة في التناقص"، هكذا أفاد موقع إخباري من منطقة إستريا الكرواتية في مطلع العام. فقد توصل الباحثون إلى أن متوسط حجم السردين قد انخفض بمقدار ثلاثة إلى أربعة سنتيمترات خلال العقدين الماضيين.
أثارت هذه الأخبار ضجة كبيرة لأن هذه الأسماك تحظى بشعبية كبيرة كغذاء لدى الناس خارج السواحل ولكن بشكل خاص في هذه المنطقة. حتى أن هناك مهرجانات مخصصة لها. ومع ذلك فإن البشر هم المسؤولون عن هذا التقلص: فقد حدد الباحثون الصيد الجائر وتغير المناخكأسباب لذلك.
بعد صيف شهد موجة حر قياسية، ارتفعت خلالها درجات حرارة سطح البحر الأدرياتيكي إلى 30 درجة مئوية، بات مستقبل السردين في المنطقة أكثر غموضاً. ومعه يواجه قطاع صناعة الأسماك المعلبة المحلية، أحد أقدم القطاعات الصناعية على الساحل الكرواتي، تهديداً متزايداً. وتمثل هذه التطورات خسارة كبيرة للكثيرين، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً لما يحمله القطاع من قيمة رمزية؛ إذ إن تراجعه يعني اختفاء صناعة أخرى من كرواتيا. وكانت المناطق الساحلية المطلة على البحر الأدرياتيكي قد شهدت بالفعل منذ تسعينيات القرن الماضي موجة واسعة من إزالة التصنيع، ما خلّف شعوراً متنامياً بالإحباط بين السكان.
ارتفاع درجة حرارة البحر الأدرياتيكي بمعدل يفوق المتوسط
أصبح احتمال انتهاء فصل آخر قريبا أكثر ترجيحا الآن. بحر الأدرياتيكي الذي يُعد بمثابة ممر بحري مسدود ترتفع درجة حرارته بوتيرة أسرع بكثير مقارنة بمناطق أخرى في البحر الأبيض المتوسط. وقد توصل معهد أبحاث كرواتي إلى أن درجة حرارة المياه العميقة ارتفعت خلال العقد الماضي بمعدل أربعة أضعاف مقارنة بدرجات الحرارة خلال القرن الماضي. ولهذه التغييرات أيضا تأثيرات متعددة على الموائل الطبيعية. وبالنسبة للسردين الذي يحتاج إلى درجات حرارة معينة للتكاثر فإن الظروف تصبح غير ملائمة بشكل متزايد.
ومن دون السردين، لا وجود لعلب السردين المحفوظة بالزيت. ولا تزال شركة "ميرنا"، التي تتخذ من مدينة روفينج الساحلية الخلابة في منطقة إستريا مقرا لها، تروّج لمنتجاتها بوصفها "غذاءً خارقا من البحر الأدرياتيكي". وتفخر الشركة باستخدام السردين المصطاد من مياه الأدرياتيكي، إذ تعد "السمكة الزرقاء الصغيرة"، كما يطلق عليها في كرواتيا، من الأطعمة البحرية المفضلة في البلاد نظرا لمذاقها المميز. على الأقل، هذا ما تؤكده الحملات الترويجية.
ماضٍ يُفتخر به
كما يفخر السكان بتاريخهم العريق؛ إذ كانت صناعة الأسماك المعلبة من أوائل الصناعات التي وفّرت فرص العمل المأجور لسكان المناطق الساحلية الفقيرة سابقا في إستريا ودالماتيا. والأدق من ذلك أنها أتاحت هذه الفرص للنساء على وجه الخصوص، إذ كانت الغالبية الساحقة من العاملين في المصانع، وما تزال، من الإناث. ونادراً ما يُشاهد الرجال على خطوط الإنتاج، في حين يهيمنون إلى حد كبير على المناصب الإدارية.
تعود جذور هذه الصناعة في هذه المنطقة إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما استغلت الشركات الهابسبورغية والفرنسية ثروة السردين في البحر الأدرياتيكي للتصنيع. افتُتح أول مصنع لتعليب الأسماك في أراضي كرواتيا الحالية عام 1882 في روفينج. وكان كارل وارهانيك، المورد الملكي الإمبراطوري النمساوي المجري ورجل أعمال يدير بمفرده اثني عشر مصنعا لتعليب الأسماك امتدت من منطقة تريست في الشمال وصولا إلى جزر دالماتيا الجنوبية.
في معظم هذه المناطق، كانت مصانع تعليب الأسماك الشاهدَ الوحيد على الثورة الصناعية التي تجاوزت إلى حد كبير دالماتيا، التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية. وعلى مدى العقود اللاحقة، أُنشئت عشرات مصانع التعليب، حتى بلغ عددها نحو 35 مصنعاً موزعة بين إستريا ودالماتيا والجزر الكرواتية.
ولم تقتصر أهمية هذه المصانع على توفير الأجور للعاملين فيها. فما زالت العاملات السابقات يتحدثن بفخر عن عملهن، رغم ما كان ينطوي عليه من مشقة. وخلال الحقبة الاشتراكية اليوغوسلافية على وجه الخصوص، وفّرت مصانع تعليب الأغذية في المناطق المهمشة للنساء فرصة الحصول على دخل منتظم والتمتع بالعديد من المزايا الاجتماعية. كما أدت دوراً مهماً في تعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ روح الجماعة داخل المجتمعات المحلية.
السياحة مقابل صناعة معالجة الأسماك
اليوم لم يتبقَ سوى أربعة مصانع للأطعمة المعلبة في كرواتيا. يشير هذا التراجع إلى تحدٍ آخر تواجهه هذه الصناعة التي تمثل بذلك نموذجا للتحول الاقتصادي في كرواتيا: فلم يعد هناك مكان على الساحل للصناعة التحويلية إلى جانب السياحة بالمعنى الحرفي للكلمة لأن مصانع الأطعمة المعلبة تقع غالبا في أماكن يضعها مطورو الفنادق نصب أعينهم. وفي الوقت نفسه لا يبدي السياح حماسا كبيرا تجاه الروائح المنبعثة من معالجة الأسماك الصناعية.
في بانجولي على مقربة من بولا، أكبر مدينة في إستريا يوجد اليوم فندق كبير في المكان الذي كان يضم في الماضي مصنعا للسردين ولم يبقَ منه اليوم سوى نصب تذكاري. الأجور في هذا القطاع منخفضة حاليًّا ويواجه صعوبة في توظيف العمالة المحلية حيث يمكن كسب المزيد من المال على الساحل من خلال تأجير الغرف للسياح.
وعندما قامت شركة "ميرنا" في روفينج، قبل بضع سنوات، بتحديث منشآت الإنتاج وإضافة نوبة عمل ثانية، اضطرت إلى استقدام عمال من المناطق الأفقر في الداخل الكرواتي، فضلا عن البوسنة والهرسك. وفي بعض الحالات، انتقلت صناعة معالجة الأسماك بعيدا عن مصادر الصيد نفسها إلى المناطق التي تتوافر فيها العمالة الرخيصة؛ فقد نُقلت معدات مصنع لتعليب الأسماك في جزيرة فيس قبل نحو عشرين عاما إلى مدينة نيش في جنوب صربيا.
ويُعد انتقال الصناعات جزءاً طبيعياً من التحولات الاقتصادية. غير أن المجتمعات المحلية لا تنظر إليه باعتباره مجرد تغيير اقتصادي، بل تراه أيضا نهاية لتقاليد صناعية عريقة وخطوة إضافية نحو الاعتماد شبه الكامل على السياحة. فهذه الأخيرة لا توفر في الغالب سوى وظائف موسمية، وتضع البنية التحتية تحت ضغط شديد خلال أشهر الصيف، كما تسهم طفرة البناء في تشويه المشهد الساحلي وتحويل مراكز المدن التاريخية إلى مساحات تهيمن عليها متاجر التذكارات.
إلى جانب ذلك، تبقى التدفقات السياحية عرضة للتقلب وعدم اليقين، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى مخزونات السردين. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال جائحة كورونا، حين توقف السياح فجأة عن القدوم، ما كشف هشاشة الاعتماد المفرط على قطاع واحد في الاقتصاد المحلي.
وفي النهاية لا يهدد تغير المناخ السمكة الزرقاء الصغيرة فحسب، بل يهدد السياحة أيضا حيث سيصبح الجو حارا للغاية بالنسبة للزوار. أصبحت التوقعات المستقبلية على ساحل البحر الأدرياتيكي غير قابلة للتنبؤ ليس فقط بالنسبة للسردين الذي يعيش في المياه، بل أيضا بالنسبة للناس الذين يعيشون على ضفافها.
+ البروفيسور الدكتور أولف برونباور هو مؤرخ متخصص في تاريخ جنوب شرق أوروبا والمدير العلمي لمعهد لايبنتس لأبحاث أوروبا الشرقية وجنوب شرق أوروبا في ريغنسبورغ. ومن بين مجالات اهتماماته الصناعات البحرية وحركات الهجرة.
أعده للعربية: م.أ.م