يزداد انحدار السودان في هاوية الحرب والفوضى ويبقى ملايين الناس في حالة فرار، وقد دُمرت أو سُرقت مواقع سودانية عديدة -موجودة على قائمة التراث الثقافي العالمي- في وضع مأساوي لا يلوح فيه أمل لأي إنقاذ في الأفق السوداني.
إعلان
ببنادق كلاشينكوف على أهبة الاستعداد لضغط الزناد وبأصابع تشير إلى علامة "النصر أو الموت" يقف مسلحون من قوات الدعم السريع شبه العسكرية -في مقطع فيديو على فيسبوك- أمام آثار مدينة النقعة القديمة الواقعة في أقصى جنوب مملكة مروي العتيقة -التي كانت ذات يوم جزءاً من إمبراطورية كوش -بحرف الواو- علماً بأن "كاش" -بحرف الألِف- تعني منطقة النوبة باللغة مصرية القديمة.
مدينة النَّقعة تقع في شمال شرق الخرطوم-عاصمة جمهورية السودان- في البراري والسهول بعيداً عن نهر النيل، وربما هذا هو السبب وراء بقاء مدينة النقعة على حالها منذ ذروة ازدهارها قبل حوالي 2000 عام، وقد ظل علماء الآثار الألمان يبحثون فيها منذ عقود إلى أن أصبحت مدينة النقعة مشروع تنقيب تابع لمتحف الشؤون المصرية الواقع بمدينة ميونخ الألمانية، لكن أحوال مدينة النقعة سيئة للغاية"، كما يقول مدير متحف الشؤون المصرية أرنولف شلوتَر.
لا تتناسب سمات وجوه المسلحين شبه العسكريين على الإطلاق مع الوضع اليائس في السودان: فمنذ أبريل / نيسان 2023 تتقاتل القوات المتنافسة من أجل السلطة في بلاد السودان الغنية بالموارد والفقيرة للغاية. ويواجه الرئيس الفعلي عبد الفتاح البرهان -والجيش السوداني الذي يقوده- معارضة من قوات نائبه السابق محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة الرئيس المخلوع عمر البشير حتى الإطاحة به، ويعتقد أن البشير استغل ثروات هذه البلاد الغنية والتي انقسمت إلى شمال وجنوب منذ عام 2011.
يعود تاريخ الصراع الحالي في السودان إلى أكثر من 20 عاماً، وقد أمسى أكثر من عشرة ملايين شخص نازحين حالياً، ويعاني نصف السكان البالغ عددهم 50 مليون نسمة من الجوع، وتتحدث الأمم المتحدة عن "واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم"، ودعا الرئيس الأمريكي جو بايدن مرارا الأطراف المتصارعة إلى التفاوض على إنهاء الحرب الأهلية.
انتهاء حماية المواقع الأثرية
نجت ثلاثة معابد -عمرها آلاف السنين- في النقعة التي كانت ذات يوم مدينة رائعة، ولا يزال هناك خمسون مبنى من المعابد والقصور والمباني الإدارية مختبئة تحت أكوام كبيرة من الآثار، بالإضافة إلى أضرحة تضم مئات المقابر. وحتى مدير المتحف شلوتَر لا يعرف إنْ كان من شأن مشروع التنقيب -التابع لمتحف الشؤون المصرية في ميونخ- الاستمرار أم لا، "فقد هرب معظم عمال التنقيب واقتُحِم مبنى التنقيب وسُرقت إطارات المَركبات، والموقع الأثري لا يستطيع الدفاع عن نفسه بنفسه"، كما يقول.
ومن المرجح أيضاً أن يكون قد تم التخلي عن فكرة بناء متحف للنقوش العديدة والتماثيل والاكتشافات الصغيرة، وهو بناء كان قد رسم مخططه المهندس المعماري البريطاني ديفيد تشيبرفيلد. من جانبه يعبر شلوتر مدير متحف الشؤون المصرية في ميونخ عن قلقه الشديد بشأن الناس في تلك المناطق السودانية قائلاً: "لا نعرف كيف أحوالهم" والمعلومات الموثوقة عنهم ناقصة، لكن ما يبدو واضحاً هو أن إدارة الآثار السودانية -المسؤولة عن رعاية مواقع التراث العالمي- فقدت الكثير من الوثائق نتيجة الحرب، ونُهبت مكاتبها في الخرطوم، فقد كان يجري إنشاء سِجِلّ مركزي حين بدأت الحرب، وها هو "السودان يقصف نفسه بنفسه ويعود إلى حالة من الغموض"، وفق ما يقول مدير المتحف.
" علينا معاودة البدء من الصفر حتى لو عاد السلام على الفور"
تعرض المتحف السوداني الوطني للسرقة ولدمار هائل وتضررت البنية التحتية في أماكن عديدة وأصبحت الطرق والجسور غير صالحة لعبور الناس فيها وقُصف مطار الخرطوم، وفي المدن الكبرى قام مسلحون -بملابس عسكرية- بسرقة وتدمير المتاحف، مثلاً في جنوب دارفور وفي كردفان ومنطقة الجزيرة. وفي الخرطوم -وفق تأكيدات منظمة اليونسكو الثقافية التابعة للأمم المتحدة- نُهب المتحف الوطني السوداني بما فيه من آثار ومجموعات أثرية مهمة وقِطَع أثرية لها قيمة تاريخية ومادية كبيرة، ولذلك تحذر منظمة اليونسكو الجهات الفاعلة في سوق الفن من شراء الأصول الثقافية السودانية.
وتقول الخبيرة الألمانية أنغيليكا لوفاسَر -أستاذة علم الآثار ورئيسة "مركز أبحاث السودان القديم" بجامعة مونستر الألمانية: إن "أحوال مناطق الحرب في السودان مأساوية"، والكثير من معلومات هذه الباحثة حول السودان وآثاره راهنة وجديدة، وقد تلقت أخبارها من "المؤتمر الدولي لدراسات مملكة مروي"، وهو مؤتمر جمع معهدُ الباحثة أنغيليكا لوفاسَر للمشاركة فيه مؤخرا علماءَ الدراسات المصرية من جميع أنحاء العالم، وناقشوا فيه صوراً وتقارير حول الأضرار، وقالت أنغيليكا لوفاسَر إنه وفقا لنتائج المؤتمر فإن الأصول الثقافية للسودان "تتعرض حالياً للتهديد": زِدْ على ذلك احتراق السوق التاريخي المسقوف بالكامل في أم درمان على الضفة الأخرى من نهر النيل المقابلة للخرطوم.
تراث السودان في خطر .. فمن يحميه؟
معهد غوته الثقافي الألماني مغلق
وفي الوقت نفسه أصبح معهد غوته الألماني في السودان منذ أشهر كثيرة "يتيماً" بلا روَّاد ولا زوار ولا عاملين، فهو يتوسط منطقة القتال نظراً لقربه من القصر الرئاسي بالخرطوم، وقد أُخرِج الكثير من موظفيه إلى خارج السودان في بداية الأزمة العسكرية. وفي العاصمة المصرية القاهرة -إلى حيث فر العديد من العاملين في المجال الثقافي من السودان- أنشأ معهد غوته هناك ما يشبه "تجمُّعاً" لإقامة فعاليات ثقافية للسودانيين، بحسب ما أعلن مقر معهد غوته الرئيسي في برلين، بناءً على طلب معلومات منه.
كما غيَّر الصراع في السودان عالَم السياحة في السودان، فقد كانت وكالة منظِّم الرحلات السياحية فرانك غرافنشتاين تدير –نيابة عن الحكومة السودانية الرسمية- موقع "زوروا السودان" على الإنترنت وكانت تنظم رحلات في السودان للصحفيين ولمديري السياحة، ليستمتعوا بممارسة رياضة الغوص الشهيرة في البحر الأحمر وزيارة المناظر الطبيعية والثقافية الغنية هناك، ولا يزال هذا الموقع الإلكتروني متاحاً على الإنترنت لكن فرانك غرافنشتاين لم يعد لديه أي اتصالات مع الناس العاملين في السياحة في بلاد السودان التي مزقتها الحرب الأهلية، وأمسى يقول: "أنصح بعدم السفر إلى السودان".
أعده للعربية: علي المخلافي
في صور: دوامة الصراع على السلطة في السودان..أبرز القوى السياسية والعسكرية
منذ سقوط نظام البشير تتصارع قوى سياسية وعسكرية على السلطة في السودان. وتسبب الصراع في عدم استقرار الأحوال بالبلاد على مدى سنوات، إلى أن اندلع القتال الأخير بين الجيش وقوات الدعم السريع. فما هي أبرز تلك الجهات المتصارعة؟
صورة من: Ebrahim Hamid/AFP/Getty Images
قوى "إعلان الحرية والتغيير"
وهي تجمع لعدد من التيارات والمكونات السياسية الإئتلافات المدنية السودانية، منها "تجمّع المهنيين" و "الجبهة الثورية" و "تحالف قوى الإجماع الوطني" و "كتلة التجمع الاتحادي" و "كتلة قوى نداء السودان".
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
تأسيس "إعلان الحرية والتغيير"
تأسّست قوى الحرية في كانون الثاني/يناير 2019 خِلال الاحتجاجات التي اندلعت عام 2018 ضد حكم الرئيس السابق عمر البشير. قامت تلك القوى المعروفة اختصاراً باسم "قحت" بصياغة "إعلان الحرية والتغيير" و"ميثاق الحرية والتغيير" الذي دعا إلى إقالة البشير من السلطة وهو ما حدث في نيسان/أبريل عام 2019.
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
الجيش يطيح باتفاق تقاسم السلطة
استمرت "قحت" في نشاطها ونظمت احتجاجات في وجه المجلس العسكري الذي حكم البلاد "نظريًا" بعد سقوط نظام البشير ثمّ دخلت في مرحلة مفاوضات مع الجيش حتى توصلت معه في 17 تموز/يوليو 2019 إلى خطة لتقاسم السلطة لكنها لم تصمد كثيراً، حيث أطاح الجيش السلطة المدنية واتُهم بتنفيذ "انقلاب".
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
الجيش الحاكم الفعلي منذ استقلال السودان
الحاكم الفعلي للبلاد منذ إعلان الجمهورية عام 1956. يحتل المركز 75 عالمياً في قائمة أقوى جيوش العالم ويصل عدد أفراده إلى نحو 200 ألف جندي بين قوات عاملة واحتياط. لدى الجيش السوداني 191 طائرة حربية متنوعة بين مقاتلات وطائرات هجومية وطائرات شحن عسكري وطائرات تدريب ومروحيات هجومية. كما يمتلك 170 دبابة وآلاف المدرعات وأنواع مختلفة من المدافع وراجمات الصواريخ إلى جانب أسطول بحري صغير.
صورة من: Sovereignty Council of Sudan/AA/picture alliance
انقلاب الجيش على الحكومة المدنية
استولى الجيش في أكتوبر/تشرين الأول 2021 على السلطة وأعلن حالة الطوارئ، منهياً اتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين في خطوة وصفت بأنها انقلاب عسكري. تقول التيارات المدنية إن الجيش يرفض تسليم السلطة للمدنيين ما أدى لصدامات متعددة كان أبرزها ما سمى "بمجزرة القيادة العامة" في حزيران/يونيو 2019 وراح ضحيتها أكثر من 100 قتيلٍ في يومٍ واحد وتبرأ المجلس العسكري منها وأكد فتح تحقيقات بشأنها.
صورة من: Sudan Sovereignty Council Press Office/AA/picture alliance
الرجل القوي في الجيش السوداني
يقود الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان والذي برز اسمه في فبراير/شباط 2019، مع إعلان البشير ترقيته من رتبة فريق ركن إلى فريق أول. تولى العديد من المناصب داخل وخارج السودان. عقّدت الانقسامات بين قوات الدعم السريع والجيش جهود استعادة الحكم المدني. وسرعان ما دب الخلاف بين الرجلين القويين عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة ومحمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع ونائب البرهان.
صورة من: ASHRAF SHAZLY/AFP/Getty Images
قوات الدعم السريع..ميليشيات الجنجويد بالأمس
عمودها الأساسي ميليشيات الجنجويد وهي جماعات مسلحة كانت موالية للبشير، أثارت ذعراً شديداً منذ عام 2003 حين قامت بسحق تمرد في دارفور. اتهمت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. أضفى البشير الشرعية عليها لتتحول إلى "قوات الدعم السريع" وفق قانون أجازه المجلس الوطني في عام 2017". حصل قائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي" على رتبة عسكرية وكان له مطلق الحرية في السيطرة على مناجم الذهب في دارفور.
صورة من: Hussein Malla/AP/picture alliance
قوات الدعم السريع..الرجال والعتاد
يُقدر عدد أفراد قوات الدعم السريع بنحو 100 ألف فرد ينتشرون في جميع أنحاء البلاد. تمتلك عدداً كبيراً من الأسلحة الخفيفة مثل البنادق والرشاشات والأسلحة المضادة للدروع والصواريخ الموجهة والمتفجرات اليدوية والأسلحة الثقيلة مثل المدافع والدبابات وآلاف من سيارات الدفع الرباعي وغيرها.
صورة من: Hussein Malla/AP/picture alliance
من هو محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع؟
"حميدتي" اللواء محمد حمدان دقل، هو تاجر جمال سابق وحاصل على قدر من التعليم الأساسي ويعد الرجل الثاني في السودان وأحد أثرى الأشخاص في البلاد. أدى دوراً بارزاً في السياسة المضطربة في السودان على مدى سنوات وساعد في إطاحة الرئيس البشير عام 2019، والذي كانت تربطه به علاقة وثيقة ذات يوم. تولى عدداً من أهم الملفات في السودان بعد سقوط البشير، بما في ذلك الاقتصاد المنهار ومفاوضات السلام مع جماعات متمردة.
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
"حميدتي" ..رجل من؟
يتمتع حميدتي بعلاقات دولية قوية مع عدة دول أجنبية مثل روسيا وإثيوبيا، وأخرى عربية منها السعودية والإمارات خاصة بعد أن أرسل قواته لدعمهما ضد الحوثيين في الحرب الأهلية اليمنية. يقول مراقبون إنه منذ سقوط البشير وهو يسعى ليصبح الرجل الأول في السودان.
صورة من: Russian Foreign Ministry Press Service/AP/picture alliance
كيانات التيار الإسلامي
وهي تنظيمات وتيارات وكيانات إسلامية متنوعة المشارب والاتجاهات، منها "حركة الإصلاح الآن" بقيادة غازي صلاح الدين العتباني وهو مستشار سابق للبشير، وأيضاً "الحركة الإسلامية السودانية" بقيادة حسن عمر و"منبر السلام العادل" و "حزب دولة القانون والتنمية".
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
موقف كيانات التيار الإسلامي
تقول قوى سياسية سودانية إن التيار الإسلامي في أغلبه يضم رموزاً من العهد السابق وأن أغلب مكوناته تنتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين. من جهتها تقول تلك التيارات الإسلامية إنها تعمل على حفظ السيادة الوطنية وجعل قيم الدين هي الحاكمة لجميع أوجه الحياة إضافة لإصلاح الشأن السياسي. إعداد: عماد حسن.