العالم الرقمي الخفي: كيف تُفلت من رقابة الأنظمة الاستبدادية؟
مونو مارتن
٢ فبراير ٢٠٢٦
كيف يمكن استخدام الإنترنت في الصين أو روسيا أو إيران دون الكشف عن هويتك؟ هناك طريقة أخرى بخلاف استخدام شبكات VPN وخوادم البروكسي. وهي طريقة مبتكرة، ولكنها تتطلب معرفة تقنية متقدمة.
صورة رمزية، الخطر السيبرانيصورة من: Westend61/IMAGO
إعلان
الرقابة لها أوجه عديدة: الحكومات الاستبدادية لا تكتفي بحجب المواقع الإلكترونية. غالبا ما تساعد وسائل بسيطة مثل الوصول عبر بروكسي أو VPN في الوصول إلى هذه المواقع مرة أخرى. لكن مسؤولي الأنظمة في دول مثل الصين وروسيا وبيلاروسيا وإيران قد أدركوا هذه الثغرات منذ فترة طويلة.
لذلك فإنهم يعملون بشكل متزايد على بناء شبكة إنترنت خاصة بهم مع خدمات مصرفية عبر الإنترنت ومنصات تجارية ووسائل تواصل اجتماعي خاصة بهم وهو ما يُعرف باسم Splinternet والتي لم تعد لها أي صلة بالإنترنت العالمي. وللمشاركة في هذه الشبكة يتعين على المستخدمين الكشف عن هويتهم الحقيقية من خلال تقديم أرقام هواتفهم وعناوين IP ونسخ من وثائقهم الشخصية. بالإضافة إلى ذلك يطلب بعض مقدمي الخدمة أيضا مقاطع فيديو سيلفي حية وبيانات دقيقة عن الموقع الجغرافي.
المستخدم الشفاف
الهدف: جعل المشاركة المجهولة مستحيلة وتصعيب المشاركة من الخارج. "الرسالة واضحة: إذا لم تكن شفافا بالنسبة للدولة فلن تتمكن من المشاركة في الفضاء المعلوماتي الذي تسيطر عليه. لقد أدركت الانظمة الاستبدادية أنها لا تحتاج إلى نفس القنوات التي يستخدمها الجميع. يمكنهم بناء شبكاتهم الخاصة وتحديد من يمكنه الدخول إليها"، كما كتب الصحفي وخبير مكافحة الرقابة باتريك بولر في مقاله "الروابط بين الأنظمة الاستبدادية".
وقد ظهرت عواقب ذلك بالفعل خلال الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عام 2022. بمجرد أن أنشأ المتظاهرون حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تم التعرف عليهم في غضون ساعات قليلة. حدث شيء مماثل في الصين في نفس العام خلال الاحتجاجات ضد سياسة كوفيد الصارمة التي اتبعتها القيادة الشيوعية. من خلال بطاقات SIM المسجلة ومعرفات الأجهزة والإلزام باستخدام الأسماء الحقيقية، تمكنت السلطات من التعرف على المستخدمين الفرديين واعتقالهم بسهولة.
استغلال عدم ثقة أصحاب الرقابة
يمثل هذا الأمر عقبة كبيرة أمام النشطاء والصحفيين الذين يغطون أخبار البلدان التي تحكمها أنظمة استبدادية: فإما أن يكشفوا عن هويتهم الحقيقية ويعرضوا أنفسهم ومصادرهم للخطر أو يفقدوا إمكانية الوصول إلى قنوات الاتصال المهمة. أو كما يلخص أحد النشطاء: "السرية تنقذ الأرواح".
لكن بوهلر وزملاؤه وجدوا طريقة للتغلب على هذه الرقابة الشاملة. يعتمد مفهومهم على عدم ثقة السلطات المختلفة ببعضها البعض بما يكفي للتنسيق الفعال. بمعنى: عدم الثقة الذي يقوم عليه الحكم الاستبدادي يساعد معارضي هذا الحكم.
جواز سفر أجنبي كبطاقة دخول
عندما يتعين على منصة ما التحقق من صحة هوية شخص ما فإنها تقبل أيضا جوازات السفر الأجنبية أو بطاقات الهوية أو حتى أرقام الهواتف. لكل نظام طريقة عمل خاصة به. وهذا يؤدي حتما إلى ظهور ثغرات في النظام. تستغل الشركات الوهمية والشركات الخارجية المشبوهة أيضا هذه الثغرات التي يطلق عليها الخبراء اسم "تحكيم النظام".
على سبيل المثال من يمكنه الحصول على جواز سفر من دولة تعتبرها الأنظمة الاستبدادية صديقة لها يثير شكوكا أقل في أنظمة التحقق مقارنة بحامل جواز سفر أمريكي أو بريطاني. يمكن الحصول على جواز سفر من هذا النوع بسهولة على شبكة الإنترنت. وفي مرحلة التحقق اللاحقة لا يتم التساؤل عما إذا كان حامل هذا الجواز موجودا بالفعل. يمكن تجاوز العائقين الأولين باستخدام بطاقة SIM وجواز سفر. ولكن لا يزال هناك ثلاثة عوائق أخرى يجب تجاوزها.
إعلان
الخطوات الخمس في سلم التحقق
تستخدم العديد من المنصات ما يُعرف بـ "أنظمة التحقق التكيفية" التي تقيّم باستمرار المخاطر المحتملة للمستخدم. تبدأ "سلسلة التحقق" بأرقام هواتف بسيطة ورموز SMS (المرحلة 1) ثم ترتقي إلى طلب وثائق الهوية (المرحلة 2) والتعرف على الوجه (المرحلة 3) ومقاطع فيديو حية مع طلبات حركة محددة (المرحلة 4) وصولا إلى ضمان مستخدم تم التحقق منه بالفعل (المرحلة 5).
فشلت المحاولات الأولى لتجاوز المستويين التاليين. ذلك لأن تطبيق المنصة المعنية يتدخل بعمق في إعدادات الهاتف المحمول. وبالتالي يلاحظ على الفور إذا لم يتم تسجيل الفيديو بواسطة كاميرا الهاتف المحمول، بل تم تسجيله من مصدر آخر كنوع من التحايل.
لذلك يتم الآن استخدام استراتيجية متطورة تقنيا تسمى محاكاة الهوية. وهي تجمع بين تقنيتين: الخدمات السحابية وبرامج الكاميرا الافتراضية.
تنقل الخدمات السحابية الوظائف التي يتم إجراؤها عادة داخل جهاز نهائي واحد إلى خادم يمكن أن يكون موجودا في أي مكان في العالم. وبذلك يمكن تغيير البيانات الوصفية مثل الموقع بسهولة ولا يمكن تتبع هاتف محمول واحد.
للتحقق من المقاييس الحيوية يتم استخدام حلول برمجية يستخدمها العديد من مستخدمي البث المباشر. وهي تولد برنامج تشغيل كاميرا افتراضي على مستوى نظام التشغيل. وبهذه الطريقة يمكن إنشاء فيديو مباشر كامل من صورة ثابتة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وبذلك يتم تجاوز العقبة الرابعة.
الذكاء الاصطناعي من أجل الخداع (غير) المثالي
تكمن قوة إقناع الهويات المزيفة في التفاصيل. بدلا من استخدام برنامج Photoshop الذي يترك آثارا رقمية يتم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الشائعة. يقوم الباحثون ببرمجة عيوب متعمدة في الصور التي يتم إنشاؤها: مسام مرئية وعيوب بسيطة في البشرة وضبابية طفيفة وهي بالضبط الخصائص التي يتوقعها المراجعون من الصور الذاتية الحقيقية.
الرقابة الحكومية: لماذا لا يمكنك قراءة كل شيء على الإنترنت؟
12:34
This browser does not support the video element.
باستخدام هذه الطريقة يمكن التحايل حتى على أنظمة التعرف على الوجه الأكثر تقدما التابعة لوزارة الأمن العام الصينية على الأقل في الوقت الحالي. لأن المراقبين يبحثون أيضا عن طرق جديدة لسد الثغرات الموجودة في النظام.
مستقبل الثقة الرقمية
لكن هذه التطورات تثير أسئلة جوهرية حول مستقبل الهوية الرقمية. إذا كانت الهوية الوهمية المصممة بشكل مثالي والمدققة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا يمكن تمييزها عمليا عن الهوية الحقيقية، فماذا يعني ذلك بالنسبة لفهمنا للأصالة الرقمية؟
علاوة على ذلك فإن استخدام تقنيات إخفاء الهوية هذه يمثل مشكلة أخلاقية: "نفس الثغرات الأمنية التي تتيح للباحثين الوصول إلى المعلومات السرية تسمح للمجرمين بغسل الأموال"، كما يكتب بولر.
ومع ذلك فإنه يدعو إلى استخدامها: ففي عالم يتزايد فيه تجريم المجهولية هناك قيم أعلى على المحك: "الالتزام المشترك بتدفق المعلومات بحرية ودور الصحافة المهم وحق المواطنين في الحصول على معلومات عن تصرفات حكوماتهم.
في صور- الرقابة على السينما في أوروبا
مارست جهات الحكومية ودينية الرقابة على الأفلام منذ انطلاق السينما. ويتناول معرض "ممنوع! الرقابة على السينما في أوروبا" في في فيزبادن الألمانية هذا الموضوع. وبإمكان الزوار التعرف عن كثب على مظاهر الرقابة إلى مطلع مايو.
صورة من: Bernd Sobolla
من المحظورات: الجنس
يعد فيلم "النشوة" التشيكي من عام 1933 من أوائل الأفلام التي تعرضت للحجب، إذ تناول الفيلم قصة امرأة، لعبت دورها هيدي لامار، طلبت الطلاق من زوجها لأنه لم ينجح في تلبية شهواتها الجنسية لتبدأ علاقة جنسية مع رجل غريب عنها. وقد منع الفيلم في ألمانيا بسبب"تلميحات فادحة لغرائز هابطة".
صورة من: Národní Filmový Archiv, Prag
لمحة عن ماضي الرقابة
إلى جانب فيلم "النشوة" يعرض معرض "ممنوع! الرقابة على السينما في أوروبا" في دار السينما في مدينة فيزبادن الألماني حوالي أربعين فيلماً. وبإمكان الزوار أن يأخذوا خلال المعرض لمحة عن الرقابة السينمائية في القرن العشرين. وقد تم حظر أغلبية الأفلام لسببين: إما سياسي أو أخلاقي.
صورة من: Bernd Sobolla
القوة الهائلة للأفلام الصامتة
منذ بدايات السينما، أي منذ الأفلام الصامتة، والرقابة تعمل على حذف ما لا يروق لها أو حظر الفيلم بأسره. ومن بين الأفلام التي طالها مقص الرقابة هو الفليم السوفييتي "بارجة بوتمكين" التي عرض لأول مرة عام 1925 في مسرح بولشوي في موسكو ولاقى حينها إعجابا كبيرا. أما في الامبراطورية الألمانية آنذاك قفد تم حذف مشاهد تظهر كيف يقوم البحارة المتمردون برمي رؤسائهم من على متن البارجة الحربية إلى قاع البحر.
صورة من: Deutsches Filminstitut - DIF, Frankfurt
الرقابة النازية على الفن السابع
كانت الرقابة مسلطة بشكل كبير على الأعمال الفنية والسينمائية خلال الحكم النازي لألمانيا. وكانت مثلا هناك أفلام يسمح بإنتاجها وتصويرها ولكنها تتعرض للحظر فيما بعد، على غرار فيلم "اليوم الساحر" من عام 1943 للمخرج بيتر بيفاس. ويروي الفليم قصة شابة تعمل في كشك في محطة القطار و تقرر الانفصال عن خطيبها الثقيل الظل. ولكن الرقابة النازية قضت بحظر الفيلم بسبب الدور التحرري للمرأة فيه.
صورة من: Bernd Sobolla
انتهاك مزدوج
تدور أحداث فيلم "الحرية العظمى رقم 7" من إخراج هيلموت كويتنر حول بحار سابق، يلعب دوره هانز ألبرس، يحلم بالحرية و البحر. وقد قررت الرقابة النازية حظره لأنه يظهره البحرية من منظور ناقد. وقد عرض الفيلم في براغ، عاصمة التشيك، أمام جمهور مختار.
صورة من: Bernd Sobolla
فضيحة فيلم "الآثمة"
عام 1951 هز فيلم "الآثمة" ألمانيا، الذي يروي قصة المومس مارينا التي تقع في حب رجل مريض ومهدد بالموت في كل لحظة. وفي يوم من الأيام، لم تعد المومس تتحمل معاناة حبيبها، فقررت قتله قبل أن تتنتحر. وقد مُنع الفيلم تحت إلحاح شديد من الكنيسة المسيحية وعدد من رجال السياسية بحجة "أن يمجد الدعارة والقتل الرحيم والانتحار."
صورة من: Deutsche Kinemathek - Museum für Film und Fernsehen, Berlin
احتجاجات في الشارع وانتقادات من الكنيسة
ويعرض المعرض "ممنوع! الرقابة على السينما في أوروبا" أيضا ردود الفعل التي أثارها فيلم "الآثمة". وقد خرج حينها العديد للاحتجاج في الشوارع ضده. كما تم استخدام قنابل الرائحة والفئران البيضاء في قاعات السينما للحيلولة دون عرضه. وكاردينال كاتدرائية كولونيا وجه لصناع الفيلم شديد الانتقادات.
صورة من: Bernd Sobolla
تغيير مضمون الفيلم
يوثق المعرض أيضاُ تلاعب الرقابة بمضامين الأفلام، فعلي سبيل المثال تم في ألمانيا النازية آنذاك تحوير مضمون الفيلم الكلاسيكي "كازابلانكا" بشكل جعل من الفيلم المعادي للنازية فيلم مغامرة. وخوفاً على "مشاعر الألمان" قام النازيون بتحويل بطل الفيلم المعارض فيكتور لازلو من مقاوم للنازية إلى مخترع لـ "أشعة دلتا" الغامضة.
صورة من: Deutsche Kinemathek - Museum für Film und Fern-sehen, Berlin
عرض النسخة الأصلية عام 1975
عرضت النسخة المعدلة لفيلم "كازابلانكا" في دور السينما الألمانية عام 1952 بعد أن حذفت تقريباً كافة المشاهد الدالة على الحرب العالمية الثانية. واستمر الأمر على هذا الحال حتى عام 1975، حيث عرض التلفزيون الألماني الفيلم الأصلي لأول مرة.
صورة من: Bernd Sobolla
المثلية الجنسية
عام 1957 أثار فيلم "خلافاً لي ولك" من إخراج المخرج ذي الإيديولوجية النازية فيت هارلان فضيحة في ألمانيا، إذ تناول قصة مثليين جنسيين. وقد رفضت السلطات في البداية السماح بعرضه في دور السينما الألمانية. الأمر الذي دفع بالمخرج إلى إعادة تصوير بعض المشاهد وإعادة المونتاج. وقد سمح بعدها بعرض الفيلم المعدل لمن هم فوق 18 من العمر.
صورة من: Deutsche Kinemathek - Museum für Film und Fernsehen, Berlin
الرقابة في ألمانيا الشرقية
كثيرة هي الأفلام التي آل مصيرها إلى الأقبية قبل أن ترى النار في ألمانيا الشرقية وخاصة في الستينات. فمثلاً فيلم "كارلا" الممنوع في ألمانيا الشرقية آنذاك يروي قصة مدرسة تحفز تلاميذها على التفكير باستقلالية وطرح الأسئلة، لا الأخذ بالمسلمات وترديد الشعارات الحزبية فقط. وبالطبع أثار الفيلم استياء الرقابة.
صورة من: Deutsches Filminstitut - DIF, Frankfurt
الرقابة في أوروبا الشرقية
بعد "ربيع براغ" عام 1968 شددت السلطات في دول أوروبا الشرقية قبضتها على العديد ومن من الحريات الفنية، حيث حظرت الرقابة فيها الكثير من مشاريع الأفلام وهي بمرحلة كتابة السيناريو. ويعد فيلم " أنا أحب، أنت تحب" من إخراج دوسان هاناك أحد الأفلام التي حظرتها السلطات بعد إنتاجها. ويصور الفليم أناسا حياتها كئيبة والكحول ملاذها الوحيد، الأمر الذي كانت الاشتراكية المثالية آنذاك وصم نفسها به.
صورة من: Slovak Film Institute, Bratislava
حظر الأفلام بسبب العنف المفرط
يعتبر عرض مشاهد العنف المفرط السبب وراء حظر فيلم "برتقالة آلية" للمخرج ستانلي كوبريكس لمدة 25 عاماً في بريطانيا. فالفيلم المبني على رواية أنتوني برجس يروي قصة ترهيب رئيس عصابة من الشباب لمنطقة بأسرها. وفي الولايات المتحدة تم حذف بعض المسشاهد في الفيلم، أما في بريطانيا فبعد حظره لفترة قصيرة في دور السينما، تم حظر عرضه بالكامل.
صورة من: Deutsches Filminstitut - DIF, Frankfurt
المعرض حتى الرابع من أيار/ مايو
تم تنظيم المعرض في مدينة فيزبادن من قِبل مؤسسة فريدريش فيلهيلم مورناو ومركز هامبورغ للبحوث المختصة بالافلام (CineGraph). وقدمت مؤسسات أخرى ايضا الدعم، كمؤسسة "ديفا". ويمكن زيارة معرض "ممنوع! الرقابة على السينما في أوروبا " حتى الرابع من أيار/ مايو المقبل.