القمة العربية: لماذا ومن أجل من؟

60 عاما مضت على تأسيس الجامعة العربية و60 عاما انتظر المواطن العربي نتائج ملموسة لهذا الملتقى الذي لم يعد كونه أكثر من لقاء علاقات عامة يتم فيه التأكيد للمرة الألف على شعارات فارغة وخطابات التضامن والإصلاح التي لا يؤمن بها حتى اؤلئك الذين اطلقوها ويحاولون كل مرة تسويقها للشارع العربي على أنها السبيل لانقاذ المنطقه من خطر التشرذم والتفتت والصراعات. هؤلاء تناسوا بالطبع أن المواطنين العرب انفسهم لا يعانون من هذه الظاهرة، فهموهم وأحلامهم مشتركة ورغباتهم وتطلعاتهم متشابهة، لكن اؤلئك الذين يسعون لذلك هم عين المشكلة وليس الحل. نسمع تارة أن الملك الفلاني يفكر بمقاطعة القمة، والرئيس الآخر لديه أشغاله التي تمنعه من ذلك، والزعيم الآخر في رحلة علاقات عامة أو في رحلة صيد. زعيم آخر يجعل من أمر مشاركته لغزا ويقرر المشاركة في آخر لحظة، وكأن العالم كان في انتظار قراره، حتى يمنّ علينا باحدى خطاباته التضمانية التي لا تضر ولا تنفع. المواطن العربي لا يضع اية آمال تذكر على تجمع أولي الامر والنهي، بل على العكس من ذلك، فهو يضع يده على قلبه وينتظر المصائب التي يمكن أن تفضي اليها قرارات الزعماء الاشاوس. في قمة تونس الاخيرة استمتع العالم بعبارات "المجاملة الانيقة" التي تعبر عن احترام متبادل بين زعيمين عربيين كانا دائما السباقيين في تأكيد معاني الوحدة والتكاتف العربيين.
الديمقرطية حق للشعوب وليست هبة من أحد
أما المواضيع الجديدة التي منّ علينا "أصحاب الجلالة والفخامة والسمو" بالتحدث والتناقش حولها في قمة الجزائر وقبلها قمة تونس فكانت "الديمقراطية" و"الاصلاح". بعد 60 عاما على تأسيس الجامعة العربية، يتحدث الزعماء العرب عن "الديمقراطية". أحدهم يعلن عن التنازل عن حقه بأن يكون مرشحا وحيدا للرئاسة وذلك حفاظا على "حق الشعب في اختيار رئيسه بين أكثر من مرشح". أين كان هذا الحق منذ عشرين عاما؟ نسمع هنا وهناك أن الديمقراطية "لا يمكن أن تفرض من الخارج" وان "عمليات الاصلاح في الجامعة العربية والمجتمعات العربية هي ضرورة داخلية". هذا صحيح، الديمقراطيه لا يمكن أن يفرضها أحد على أحد وهي ليست هبة من أحد لاحد. الديمقراطية هي حق الشعوب في اختيار من يتحدث باسمها ويدافع عن حقها، الديمقراطية تعني أن يكون هذا الشعب مالكا لكامل حريته في اختياره لرئيسه وممثيله وفي تصحيح هذا الاختيار ان شعر أن هذا الرئيس أو غيره لم يحقق ما يرنو له الشعب. "الديمقراطية الغربية لا تناسبنا" و "المجتمعات العربية لها طابع مختلف وبالتالي يجب أن تكون ديمقراطيتها مختلفة عن الديمقراطية الغربية"، هذه هي بعض العبارات التي تتردد على لسان بعض الجهات الرسمية والصحافة التي تتحدث بلسانها. لو افترضنا جدلا أن هذا المنطق صحيح، فاين الديمقراطية في أن يحكم الرئيس شعبه الى الابد، أو ان يورث الرئيس ابنه في الحكم في دولة ذي حكم جمهوري، أو أن يغير الرئيس الدستور حتى يتسنى له البقاء في الحكم الى الابد؟ هل هذا هو الشكل الذي نريده لديمقراطيتنا حتى نرفض ديمقراطية الآخرين. أما فيما يتعلق باصلاح الجامعة العربية، فهذا أمر غير ممكن على الاطلاق لان "فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يغمر الفساد والطغيان بيته لا يحق له الحديث عن اصلاح بيت جاره. الحديث عن اصلاح الجامعة العربية هو كمن يضع العربة قبل الحصان، فحتى يحصل ذلك يجب تغيير هيكلية واساليب الحكم والتشريع والادارة في كل الدول العربية تقريبا.
الجامعة العربية والقمة الاوروبية
شاءت الصدفة أن يتزامن انعقاد القمة العربية في الجزائر مع القمة الاوروبية في بروكسل. ولعله من المضحك، بل من المحزن اجراء مقارنة بين الحدثين. القمة الاوروبية لم يتغيب عنها أي رئيس دولة أو رئيس حكومة لان الموعد محدد لها منذ فترة طويلة ومن البديهي أن يلتزم الجميع بهذا الموعد. بل تُلغى كافة المواعيد لصالح حضورالقمة، لان ذلك يكتسب أهمية قصوى في الدفاع عن مصالح البلاد، وإنْ تخلّفَ الرئيس عن المشاركة دون سبب كالمرض أو ما شابه ذلك، فلن تغفر له المعارضة والصحافة المحلية أبدا. أما في الشان العربي فقد تغيب العديد منهم، وهذا ان دل على شيء فانما يدل على مدى احترامهم لهذا الملتقى. حتى في فترة الحرب في العراق وانقسام الاوروبيين بين معارض ومؤيد لها لم يتغيب أحد عن اللقاءات الاوروبية. ان أحد أسباب تغيب بعض المسؤولين العرب عن قمة الجزائر هو السفر الى الخارج للقاء بعض الشخصيات والوفود المهمة، ولم يستطع بالطيع تغيير الموعد، ومن ثم يُطلب منا أن نقتنع بالتضامن والتكاتف العربي. نقطة أخرى تتمثل بتمويل الجامعة العربية: الدول الاوروبية تقتطع من ميزانيتها السنوية نسبة معينة لتمويل مؤسسات الاتحاد الاوروبي وهذه النسبة يتم تحويلها الى خزينة المفوضية الاوروبية دون أن تتأخر يوما، أما في الحالة العربية فنسمع انها شارفت على الافلاس حتى أن أمينها العام عمرو موسى هدد بالاستقالة ان لم توفي هذه الدول بمستحقاتها المالية.
نهاية، لا بد من الاشارة الى أن القمة العربية ستخرج بالتأكيد بقرارات تشير الى التضامن العربي والرغبة في الاصلاح وما الى ذلك. ولكن من يقرأ البيان الختامي لهذه القمة ويقارنه مع احدى بياناتها قبل عشرين عاما، لن يجد اختلافا كبيرا بين البيانين، مما يعني ان القرارات لا تعدو كونها حبرا على ورق. ويبقى الانتظار ومع الانتظار يبقى الامل بالتغيير. . .