مع اقتراب العام من نهايته، تتحرك الأطراف المعنية في سباق مع الزمن، خلف الأبواب المغلقة، بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، تحت ضغط أمريكي وتوترات تركية، لإنقاذ اتفاق دمج قوات "قسد" في الجيش قبل أن يسقط في اللحظة الأخيرة.
الرئيس السوري الإنتقالي أحمد الشرع وقائد القوات الكردية مظلوم عبدي يتصافحان، بعد أن توصلت سوريا إلى اتفاق لدمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة (دمشق: 10 مارس/ آذار 2025).صورة من: SANA/Handout/REUTERS
إعلان
قبل أيام من انتهاء المهلة المحددة بنهاية العام، تكثفت المحادثات بين مسؤولين سوريين وأكراد وأمريكيين في محاولة لإظهار تقدم في اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية. ورغم تسارع النقاشات، تشير مصادر متعددة إلى أن تحقيق انفراجة كبيرة يبدو غير مرجح، بحسب تحقيق لوكالة رويترز.
"حفظ ماء الوجه" أم اتفاق حقيقي؟
ورغم الأحاديث عن تقدم غير مسبوق، يخيّم شبح الفشل على المشهد، مهددًا بفتح الباب أمام مواجهة مسلحة جديدة قد تعيد إشعال نار الحرب في سوريا بعد 14 عامًا من الصراع.
وأكدت خمسة مصادر لرويترز أن الحكومة السورية الانتقالية أرسلت مقترحًا إلى قوات سوريا الديمقراطية، يتضمن إعادة تنظيم نحو 50 ألف مقاتل في ثلاث فرق رئيسية وألوية أصغر، مقابل تنازل الأكراد عن بعض سلاسل القيادة والسماح بدخول وحدات الجيش السوري إلى مناطقهم.
فيما قلل مسؤولون غربيون وأكراد من احتمالات التوصل إلى اتفاق شامل قبل نهاية العام، معتبرين أن أي إعلان مرتقب سيكون هدفه الأساسي تمديد المهلة وحفظ ماء الوجه، في ظل هشاشة الوضع السوري بعد عام من سقوط بشار الأسد.
إعلان
خلافات عميقة تهدد الاستقرار
وينص الاتفاق التاريخي الموقع في مارس/ آذار الماضي على اندماج كامل لقوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، لكن معظم المصادر تؤكد أن أي خطوة حالية لن ترقى إلى هذا المستوى. وقد يشعل الفشل في تحقيق ذلك مواجهة مسلحة جديدة، وربما يستدرج تركيا التي تلوّح بالتدخل ضد المقاتلين الأكراد.
موقف واشنطن وموقف أنقرة
وتلعب الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، دور الوسيط عبر نقل الرسائل بين الطرفين وحثهما على التوصل إلى اتفاق. وقالت عدة مصادر لرويترز إن الولايات المتحدة، التي تدعم الرئيس السوري أحمد الشرع وتحث على دعم عالمي لحكومته الانتقالية، نقلت رسائل بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق وسهلت المحادثات وحثت على التوصل إلى اتفاق. ولم تعلق وزارة الخارجية الأمريكية بعد على الجهود التي تُبذل في اللحظة الأخيرة للاتفاق على اقتراح قبل نهاية العام.
ومن جهته، حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن أنقرة لا تريد اللجوء إلى القوة العسكرية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا استمر الجمود، في وقت تتصاعد فيه المناوشات على خطوط التماس شمال سوريا. وقال إن الصبر على قوات سوريا الديمقراطية "ينفد".
وسيطرت قوات سوريا الديمقراطية على جزء كبير من شمال شرق سوريا حيث يوجد معظم إنتاج البلاد من النفط والقمح، وذلك بعد هزيمة مسلحي تنظيم "الدولة الإسلامية" "داعش" في 2019.
وقالت قوات سوريا الديمقراطية إنها تنهي عقودا من القمع ضد الأقلية الكردية، لكن الاستياء من حكمها تنامى بين السكان الذين يغلب عليهم العرب، بما في ذلك الاستياء من التجنيد الإجباري للشباب.
عقبات داخلية وتباين في المواقف
ويُصِرّ الأكراد على الحفاظ على الحكم الذاتي، الذي انتزعوه بعد الحرب ضد "داعش"، بينما تطالب دمشق، من جانبها، بخطوات لا رجعة فيها قبل تمديد المهلة. ويرى مسؤولون أكراد أن معالجة جميع النقاط قد تستغرق حتى منتصف 2026، ما يعكس عمق الخلافات اللوجستية والإدارية.
لكن مسؤولا سوريا قال إن الموعد النهائي للاندماج في نهاية العام ثابت ولا يمكن تمديده إلا "بخطوات لا رجعة فيها" من قوات سوريا الديمقراطية.
وقلل المسؤولون الأكراد من أهمية المهلة وقالوا إنهم ملتزمون بالمحادثات من أجل تحقيق الاندماج العادل. وقال سيهانوك ديبو وهو مسؤول في "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" إن "الضمانة الأكثر موثوقية لاستمرار صلاحية الاتفاق تكمن في مضمونه، لا في الإطار الزمني"، مشيرا إلى أن الأمر قد يستغرق حتى منتصف 2026 لمعالجة جميع النقاط الواردة في الاتفاق.
إعادة الهيكلة.. هل تكفي لتقليص الهوة بين دمشق والأكراد؟
وكانت قوات سوريا الديمقراطية طرحت في أكتوبر/ تشرين الأول فكرة إعادة تنظيم نفسها في ثلاث فرق جغرافية بالإضافة إلى الألوية. ومن غير الواضح ما إذا كان هذا التنازل، الوارد في الاقتراح الذي قدمته دمشق في الأيام القليلة الماضية، سيكون كافيا لإقناعها بالتخلي عن السيطرة على الأراضي.
وقال عبد الكريم عمر، ممثل "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي يقودها الأكراد في دمشق، إن الاقتراح الذي لم يُعلن عنه يتضمن "تفاصيل لوجستية وإدارية قد تسبب خلافا وتؤدي إلى تأخير".
وقال مسؤول سوري كبير لرويترز إن الرد السوري "يتسم بالمرونة لتسهيل التوصل إلى توافق من أجل تنفيذ اتفاق مارس".
ويخلص تحقيق رويترز إلى أن المحادثات الجارية تبدو أقرب إلى محاولة لتجنب الانفجار أكثر من كونها خطوة نحو اندماج حقيقي. ومع اقتراب نهاية العام، يبقى السؤال: هل ستنجح الأطراف في تجميد الأزمة أم أن سوريا على موعد مع فصل جديد من الصراع؟
تحرير: عارف جابو
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.