إعلان مفاجئ من الرياض بحل المجلس الانتقالي الجنوبي بكافة هيئاته يقابله رفض قاطع من جناح الزبيدي في أبوظبي، فيما يدعو الأخير لمليونية حاشدة ويواجه الزبيدي اتهامات بالخيانة العظمى وإسقاط عضويته من مجلس القيادة الرئاسي.
أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض، عن حل المجلس وإلغاء كافة هيئاته القيادية والتنفيذية ومكاتبه في الداخل والخارج صورة من: AP Photo/picture alliance
إعلان
شهدت الساحة اليمنية تطورات دراماتيكية متسارعة، عقب إعلان مفاجئ عن حلّ "المجلس الانتقالي الجنوبي" بكافة هيئاته وأجهزته.
القرار، الذي وُصف بـ "التاريخي" من قبل مؤيدين وبـ "المؤامرة" من قبل معارضين، فجّر موجة من الأنباء المتضاربة بين قيادات المجلس المقيمة في الرياض وتلك المتواجدة في أبوظبي.
إعلان الحل من الرياض
ففي خطوة غير متوقعة، أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة المحرمي)، من العاصمة السعودية الرياض، عن حل المجلس وإلغاء كافة هيئاته القيادية والتنفيذية ومكاتبه في الداخل والخارج.
وجاء في نص الإعلان الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والذي صدر عن الهيئة القيادية العليا أن هذا القرار يأتي استجابة لعدم تحقيق المجلس للأهداف المرجوة، وتمهيداً للانخراط في "مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل" الذي من المقرر أن ينطلق برعاية سعودية.
وشدد البيان على أن الهدف الأساسي هو توحيد الصف الجنوبي بعيداً عن الإقصاء أو الانفراد بالقرار، خاصة بعد التداعيات العسكرية الأخيرة في محافظتي حضرموت والمهرة.
وأشادت الهيئة بـ "مواقف السعودية والتزاماتها الواضحة تجاه قضية الجنوب، وبحرصها على التواصل إلى حلول تلبي تطلعات وإرادة ابناء الجنوب، داعية مختلف القيادات والشخصيات الجنوبية إلى الانخراط في مسار الحوار من أجل التوصل إلى رؤية مشتركة وتشكيل إطار جنوبي جامع".
شدد البيان على أن الهدف الأساسي هو توحيد الصف الجنوبي بعيداً عن الإقصاء أو الاستفراد بالقرارصورة من: AP Photo/picture alliance
"قرار شجاع يحمي القضية الجنوبية"
من جانبه، سارع وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، إلى الترحيب بهذه الخطوة، واصفاً قرار حل المجلس الانتقالي بأنه "قرار شجاع وحكيم" يضع حجر الأساس لحل شامل وعادل يلبي تطلعات أبناء الجنوب.
وأشار الأمير خالد، في سلسلة تغريدات عبر منصة "إكس"، إلى أن المملكة ستواصل رعاية هذا المسار لضمان حقوق أبناء الجنوب وتعزيز وحدة الصف الوطني في مواجهة التحديات الإقليمية، مؤكداً أن مستقبل الجنوب يبنى على الحوار والاتفاق السياسي بعيداً عن الصراعات الداخلية.
واستُدعي وفد الانفصاليين إلى الرياض بعد خسارة عسكرية واضحة للمجلس الانتقالي الجنوبي على الأرض. وكانت قوات المجلس سيطرت في مطلع كانون الأول/ديسمبر على مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، قبل أن تصدّ هذا التقدّم طائرات حربية سعودية وقوات حكومية موالية لها على الأرض، وتجبرها على الانسحاب.
جناح الزبيدي يرفض .. ودعوات للتظاهر
في المقابل، سادت حالة من الرفض القاطع في أروقة المجلس المتواجدة في أبوظبي؛ حيث نفى المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي، أنور التميمي، صحة أنباء الحل، واصفاً إياها بـ "الأخبار المثيرة للسخرية".
ووصل الصبيحي مع وفد يضمّ أكثر من خمسين عضواً من المجلس الانتقالي إلى الرياض الأربعاء للمشاركة في حوار حول مستقبل جنوب اليمن بعد مواجهات دامية بين فريقه المدعوم من الإمارات والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض.
وزعم التميمي أن قيادة المجلس في الإمارات فقدت الاتصال بوفدها المفاوض في الرياض منذ وصوله، ملمحاً إلى تعرضهم لضغوط أو "احتجاز تعسفي". وأضاف التميمي، في ردّ على سؤال لوكالة فرانس برس، أن هذا الحلّ "ليس حقيقياً"، مضيفاً: "فقدنا الاتصال بوفدنا المفاوض في الرياض منذ وصوله إليها".
سادت حالة من الرفض القاطع في أروقة المجلس المتواجدة في أبوظبي بعد إعلان قرار الحلصورة من: Fawaz Salman/REUTERS
ورداً على هذه التطورات، دعا "جناح الزبيدي" الموالي لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي إلى تظاهرات حاشدة غداً السبت في مدينتي عدن والمكلا تحت شعار "مليونية الوفاء والصمود"، للتعبير عن رفض ما أسموه "الحلول المنقوصة" وتجديد الولاء للزبيدي الذي غادر إلى الإمارات مؤخراً.
إعلان
إسقاط عضوية الزبيدي وتهم بـ "الخيانة العظمى"
وعلى صعيد السلطة الشرعية، أصدر مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي قرارات حاسمة تزامنت مع هذه الأحداث، شملت إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من المجلس الرئاسي وإحالته للتحقيق بتهمة "الخيانة العظمى".
كما شملت القرارات إقالة عدد من الوزراء والمسؤولين المتهمين بدعم تحركات المجلس الانتقالي العسكرية التي استهدفت تقويض استقرار المحافظات الجنوبية، في خطوة تعكس استعادة المجلس الرئاسي لزمام المبادرة بدعم مباشر من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.
شملت القرارات إقالة عدد من الوزراء والمسؤولين المتهمين بدعم تحركات المجلس الانتقالي العسكرية التي استهدفت تقويض استقرار المحافظات الجنوبيةصورة من: Fawaz Salman/REUTERS
مستقبل غامض وترقب شعبي
وبين إعلان الحل في الرياض ونفيه في أبوظبي، يترقب الشارع الجنوبي بحذر ما ستسفر عنه الساعات القادمة. فبينما يرى تيار واسع في قرار الحل فرصة لإنهاء الانقسامات والبدء بصفحة جديدة تحت مظلة الحوار الوطني، يخشى آخرون من أن يؤدي هذا التضارب إلى صدامات ميدانية بين القوى المتصارعة على الأرض، خاصة مع إصرار "جناح الزبيدي" على التصعيد الشعبي والعسكري لاستعادة نفوذه الذي انحسر بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
تحرير: وفاق بنكيران
شهد تاريخ اليمن الحديث الكثير من التحولات والحروب والتحالفات وحتى العداوات دفعت هذا البلد الفقير إلى الانزلاق إلى دوامة العنف. وأمام التدهور المتزايد للوضع الإنساني، تعالت الأصوات مؤخرا بضرورة وقف الحرب في اليمن.
صورة من: AP Photo/picture alliance
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش توصل طرفي النزاع إلى اتفاق لإطلاق النار في الحديدة باليمن. وقبل محادثات السويد بشهر كان غوتيريش قد دعا منذ شهر لوقف فوري "لأعمال العنف" في اليمن والدفع باتّجاه محادثات سلام تضع حداً للحرب، مؤكدا أنه في غياب تحرّك، يمكن أن يواجه ما يصل إلى 14 مليون شخص، أي نصف عدد سكان اليمن، خطر المجاعة في الأشهر المقبلة، مقارنة بتسعة ملايين يواجهون المجاعة حالياً.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/K. Senosi
مدينة الحديدة التي تم التوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار فيها، تعتبر مدينة استراتيجية في اليمن. وتقع على ساحل البحر الأحمر على مسافة 226 كيلومترا من العاصمة صنعاء، ويشكل ميناؤها شريان الحياة لملايين اليمنيين في المدينة والمناطق القريبة منها. وشهدت في الأشهر الأخيرة معارك طاحنة بين قوات الحوثيين المتمردة وقوات الحكومة الشرعية مدعومة بقوات التحالف العربي.
صورة من: picture-alliance/afk-images/H. Chapollion
وجاء تحرك الأمم المتحدة الجديد في الأسابيع الأخيرة في ضوء تغير ملحوظ في موقف الولايات المتحدة من الأزمة في اليمن، حيث أظهرت واشنطن إشارات ضغط على حليفتها السعودية لإنهاء الحرب وإجراء محادثات سلام. فقد دعا وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أطراف الصراع في اليمن إلى الانضمام إلى "طاولة مفاوضات على أساس وقف لإطلاق النار".
صورة من: Getty Images/AFP
بعد عقود من تقسيمه إلى جنوب وشمال واعتناق إيديولوجيتين مختلفتين تماماً، جاء توحيد شطري اليمن عام 1990 إثر انهيار دول المعسكر الاشتراكي، حيث قامت دولة واحدة تحت قيادة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح.
صورة من: picture-alliance/dpa
لكن بعد نحو أربعة أعوام اندلعت حرب أهلية، ففي أبريل/ نيسان 1994 وقع تبادل لإطلاق النار في معسكر تابع لليمن الجنوبي قرب صنعاء، وسرعان ما تطورت لحرب كاملة في 20 مايو/ أيار وقامت حرب 1994 الأهلية في اليمن بعد ثلاثة أسابيع من تساقط صواريخ سكود على صنعاء، وأعلن علي سالم البيض نفسه رئيساً على دولة جديدة سماها جمهورية اليمن الديمقراطية من عدن.
صورة من: picture-alliance/dpa
ولم يعترف أحد بالدولة الجديدة التي أعلنها البيض، لكن السعودية، اللاعب الإقليمي الرئيس في الساحة اليمنية، عملت على إخراج اعتراف من مجلس التعاون الخليجي بالدولة الجديدة، لكن صالح أفشل الجهود السعودية وحال دون انفصال الجنوب عن الشمال مجدداً.
صورة من: AFP/Getty Images/F. Nureldine
بعد سلام لسنوات قليلة، سرعان ما عادت الحرب إلى ربوع اليمن، حين احتج الحوثيون على تهميشهم، وخاضوا من عام 2003 حتى 2009 ست حروب مع قوات صالح ومن ثم حرباً مع السعودية.
صورة من: AFP/Getty Images
في خضم احتجاجات ما يُسمى بـ"الربيع العربي" عام 2011 ضعف حكم الرئيس صالح، لكنها قادت إلى انقسامات في الجيش، ما سمح لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بالسيطرة على مساحات كبيرة في شرق البلاد.
صورة من: picture-alliance/dpa
بعد عام من الاحتجاجات والاعتصامات والكثير من الضحايا تنحى الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 2012 في إطار خطة للانتقال السياسي تدعمها دول خليجية. وضمن الاتفاق أيضاً أصبح عبد ربه منصور هادي رئيساً مؤقتاً ليشرف على "حوار وطني" لوضع دستور شامل على أساس اتحادي.
صورة من: AFP/Getty Images/M. Huwais
في خضم ذلك ومحاولات الرئيس صالح وحلفائه تقويض عملية الانتقال السياسي في البلاد وفق المبادرة الخليجية، ازداد انتشار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2013، رغم الهجمات العسكرية عليه والضربات بطائرات دون طيار، وبات يشن هجمات في مختلف أنحاء البلاد.
صورة من: Reuters
ولم يمض عام حتى تقدم الحوثيون بسرعة انطلاقاً من معقلهم في صعدة وسيطروا على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014 بمساعدة صالح والقوات المتحالفة معه، وطالبوا بالمشاركة في السلطة.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/Hani Mohammed
عام 2015 حاول هادي إعلان دستور اتحادي جديد يعارضه الحوثيون وصالح، ورغم أنه فشل في ذلك لكنه نجح في الهروب من مطاردة الحوثيين له ولجأ إلى السعودية. وبدء التدخل السعودي العسكري في مارس/ آذار بتحالف عسكري عربي تم تجميعه على عجل. بعد شهور يدفع التحالف الحوثيين والموالين لصالح إلى الخروج من عدن في جنوب اليمن وفي مأرب إلى الشمال الشرقي من صنعاء لكن الخطوط الأمامية تستقر لتبدأ فترة جمود.
صورة من: picture-alliance/dpa/AP Photo//Yemen's Defense Ministry
عام 2016 استغل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الفوضى من جديد وأعلن عن إقامة دويلة حول المكلا في شرق اليمن الأمر الذي أثار مخاوف من أن الحرب ستؤدي إلى تصاعد نشاط المتشددين من جديد. الإمارات عملت على مساندة القوات المحلية في معركة لوضع نهاية لوجود التنظيم هناك.
صورة من: AFP/Getty Images
لكن هذه الحروب تركت آثارها على اليمن، فقد انتشر الجوع مع فرض التحالف السعودي حصاراً جزئياً على اليمن واتهامه إيران بتهريب الصواريخ للحوثيين عن طريق ميناء الحديدة مع الواردات الغذائية. وإيران تنفي هذا الاتهام.
كما تسببت الغارات جوية التي شنها التحالف في مقتل مئات المدنيين، ما دفع منظمات حقوقية إلى إطلاق تحذيرات، غير أن الدعم الغربي للسعودية وحلفائها لم ينقطع.
صورة من: Getty Images/AFP/A. Hyder
عام 2017 يمكن تسميته بعام حرب الصواريخ، فقد بات الحوثيون يطلقون عدداً متزايداً من الصواريخ على عمق الأراضي السعودية بما في ذلك الرياض.
صورة من: Reuters/Houthi Military Media Unit
وفي خضم هذه التطورات المستعرة ظهرت خلافات بين صالح وحلفائه الحوثيين، فرأى صالح فرصة لاستعادة أسرته للسلطة من خلال الانقلاب على حلفائه الحوثيين لكنهم قتلوه أثناء محاولة الهرب منهم نحو عدو الأمس السعودية.
صورة من: picture-alliance/dpa/Yahya Arhab
أطلقت القوات التي يدعمها التحالف السعودي بما فيها بعض القوات التي ترفع علم الانفصاليين في الجنوب عملية على ساحل البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين بهدف انتزاع السيطرة على ميناء الحديدة آخر نقاط الإمداد الرئيسية لشمال اليمن، حيث تدور معارك شرسة.