عبد الصمد اليزيدي رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا كان على الأرجح آخر ألماني يلتقي البابا فرنسيس في جلسة مطوّلة. وفي مقابلة DW يستعيد ذكرياته عن لقاءٍ عميق ومؤثّر، مثل لقاءاته السابقة مع البابا فرنسيس.
فبراير/ شباط 2025: المسلمون ضيوف عند البابا المريض بشدة - من بينهم رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، عبد الصمد اليزيدي (الثالث من اليمين).
صورة من: Privat
وينشط اليزيدي في مجال الحوار بين الأديان داخل ألمانيا وعلى المستوى الدولي، وقد سبق أن التقى رأس الكنيسة الكاثوليكية في البحرين في (تشرين الثاني/ نوفمبر 2022)، وكذلك عدة مرات في الفاتيكان. وفي حديثه مع DW استعرض اليزيدي ذكرياته عن آخر لقاء جمعه بالبابا.
DW: سيد اليزيدي، يُحتمل أن تكون آخر ألماني التقى بالبابا فرنسيس في العاشر من شباط، وأمضى معه بعض الوقت. كيف تمّ ذلك؟
عبد الصمد اليزيدي: اللقاء الذي استغرق نحو خمس وعشرين دقيقة جرى في إطار وفد تابع لـ "أمال" (AMMALE)، وهو ائتلاف يضم منظمات وشخصيات مسلمة على المستوى الأوروبي، وأنا نائب رئيسه والمكلف بالحوار بين الأديان. كان حوارًا عميقًا وغنيًّا بالمضامين مع البابا فرنسيس. تحدّثنا عن ضرورة تعميق الحوار الإسلاميّ المسيحيّ على المستوى المؤسّسي. وفي هذا السياق، طُرحت أيضًا فكرة تنظيم مؤتمر حواريّ سنويّ بالتعاون بين الفاتيكان والمنظّمات الإسلاميّة في أوروبا.
في ذلك اليوم، كان البابا فرنسيس متوعّكًا. هل شعرتم بذلك؟
نعم، فقد كانت حالته الجسدية الضعيفة واضحة للعيان. بدا عليه الإرهاق الشديد، وكان يتنفس بصعوبة ويتحدث بصوت خافت – لكنّه كان حاضر الذهن بالكامل. وعندما شكرتُه على قبوله اللقاء رغم وضعه الصحيّ المتدهور، أجابني مبتسمًا: "الأعشاب الضارّة لا تموت".
ثم طلب مني بجدّية بالغة: "ادعُ لي". هذه الكلمات انغرست عميقًا في قلبي. لم يخطر ببالي في تلك اللحظة أنّها ستكون آخر مرّة ألتقي فيها بهذه الشخصية العظيمة. لقد كان لقاءً مفعمًا بالدفء وبالروح الفكاهية وبالعمق الروحي.
في الحوار مع العالم الإسلامي: البابا فرنسيس لدى وصوله إلى البحرين (الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2022).صورة من: Vatican Media/IMAGO
لقد التقيتم بالبابا أربع أو خمس مرات. كيف كنتم تتحدثون مع البابا؟ وكيف كان يتحدث هو إليكم؟
كان البابا فرنسيس في كل لقاء إنسانًا بكل ما للكلمة من معنى. كان ودودًا ولم يكن يومًا متحفّظًا أو متباعدًا. خلال لقاءاته بالناس كان يتعامل معهم على قدم المساواة – بغض النظر عن ديانتهم أو أصلهم. كانت محادثاتنا منفتحة وخصوصية وتحمل دومًا رسالةً مشتركة قوامها الاحترام المتبادل والتعايش السلمي.
كان يذكّر في أحاديثه كثيرًا بمسؤوليتنا الخاصة وبالدور النموذجي الذي ينبغي أن يؤديه رجال الدين. لن أنسى أبدًا تواضعه وقوّته الداخلية.
هل هو انطباع خاطئ؟ أم أنّ البابا فرنسيس التقى وفودًا مسلمة بشكل أكثر مما كان يُعلَن عنه علنًا؟
لا، الانطباع ليس خاطئًا. في الواقع، كان يلتقي بانتظام بوفود مسلمة، وغالبًا بعيدًا عن الأضواء. بالنسبة له، لم يكن الحوار بين الأديان مجرّد إيماءة رمزية، بل كان تعبيرًا عن إيمانه العميق بالمسؤولية المشتركة للأديان في سبيل السلام. كثير من هذه اللقاءات جرت بعيدًا عن الاهتمام الإعلامي – وكان في ذلك مصدر صدقها وأصالتها.
كيف تقيّمون تطوّر الحوار الإسلاميّ الكاثوليكي خلال سنوات بابوية البابا فرنسيس؟
لقد تعمّق بشكل مستدام. فالبابا فرنسيس بنى جسورًا، حيث كانت هناك فجوات في السابق. وكان التوقيع عام 2019 على "الوثيقة المشتركة للأخوّة الإنسانية" مع شيخ الأزهر نقطة تحوّل في تاريخ الحوار بين الأديان – ليس فقط من الناحية الرمزية، بل على المستوى المؤسسي أيضًا.
عبدالصمد اليزيدي ولقاء مع المطران الكاثوليكي برترام ماير في أبوظبي عام 2023.صورة من: Privat
وفي شباط/ فبراير من عام 2022، في ذكرى توقيع هذه الوثيقة التاريخية، خصّصنا – وكنت آنذاك المتحدث باسم المجلس التنسيقي للمسلمين في ألمانيا – لقاءنا الرئيسي مع مؤتمر الأساقفة الألمان، برئاسة المطران برترام ماير، بالكامل لهذا النص. بعد عام، سافر المطران ماير وأنا إلى أبو ظبي في ذكرى توقيع الوثيقة. وقد ترأس المطران ماير، من بين أمور أخرى، قدّاسًا كاثوليكيًا في هذه المدينة العربية الكبرى، حضره أكثر من ثلاثة آلاف مؤمن.
عبد الصمد اليزيدي هو رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا (ZMD) منذ شباط/ فبراير 2025. وكان قبل ذلك لعدّة سنوات الأمين العام للمجلس. ينشط اليزيدي منذ سنوات طويلة في مجال الحوار بين الأديان. وهو من مواليد ولاية هيسن، ويؤكّد دائمًا على تجذّر المسلمين في المجتمع الألماني.
أجرى المقابلة: كريستوف شتراك
أعده للعربية: عباس الخشالي/ تحرير: صلاح شرارة
"بابا الشعب والمهمشين" - مسيرة غير تقليدية للبابا الراحل فرنسيس
البابا فرنسيس يسوعي أرجنتيني، محب للكرة والتانغو، معروف بالعفوية والحيوية، "حالم" و"يغفو أحيانا أثناء الصلاة"، سعى بلا كلل إلى تحقيق هدفه الرئيسي وهو إصلاح الكنيسة الكاثوليكية لجعلها أكثر اهتماما بالفقراء والمهمشين.
صورة من: Domenico Stinellis/AP/ picture alliance
أول بابا من أمريكا اللاتينية
انتخب البابا فرنسيس خليفة للبابا السابق بندكيت السادس عشر، الألماني الذي قدم استقالته من منصبه. وهو أول بابا من الرهبنة اليسوعية ومن أمريكا اللاتينية. وأول بابا للكنيسة الكاثوليكية من خارج أوروبا منذ البابا غريغوري الثالث في القرن الثامن الميلادي. وبعد مسيرة غير تقليدية أعلن الفاتيكان وفاته الاثنين 21 أبريل/ نيسان 2025 عن 88 عاما.
صورة من: Reuters
رئيس أساقفة بوينس آيريس
ولد البابا فرنسيس في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيريس باسم خورخي ماريو بيرغوليو في 17 ديسمبر/ كانون الأول عام 1936. وتخصص في مجال الكيمياء قبل أن يصبح رئيس أساقفة بوينيس آيريس. وكان والده محاسبًا مهاجرًا من إيطاليا، أمّا والدته فقد ولدت في بيونس آيرس في الأرجنتين لكنها من أصول إيطالية أيضًا.
صورة من: L'Osservatore Romano/AP Photo/picture alliance
داعية سلام
طالب أكثر من مرة بإيقاف الحرب في أوكرانيا وغزة والسودان، والتقى لاجئين أوكران في روما، تركوا ديارهم بسبب الحرب التي شنتها روسيا على بلادهم. ودعا البابا المعارض بشدّة لتجارة الأسلحة إلى السلام في أوكرانيا والشرق الأوسط.
صورة من: GUGLIELMO MANGIAPANE/REUTERS
في الموصل القديمة
زار العراق بعد جائحة كورونا، وهو أول بابا يزور العراق. حضر صلاةً من أجل ضحايا الحرب في "ساحة الكنيسة" (حوش البيعة) في البلدة القديمة بمدينة الموصل، بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش الإرهابي، الذي قام بسبي وتهجير مئات الآلاف من الأقليات الدينية أبرزها الإيزيديين والمسيحيين.
صورة من: Vatican Media/REUTERS
لقاء مع السيستاني
خلال زيارته العراق توجه البابا فرنسيس لزيارة آية الله العظمى السيد علي السيستاني، وهو من أكبر المرجعيات الدينية الشيعية بالعراق والعالم في منزله المتواضع في مدينة النجف. كان البابا الأرجنتيني يؤمن بالحوار مع الأديان الأخرى خصوصا الإسلام.
صورة من: Balkis Press/ABACA/picture alliance
زيارة مصر
خلال زيارته مصر في الثامن والعشرين من نيسان/ أبريل 2017 التقى أيضا بشيخ الأزهر، الشيخ أحمد الطيب. وقد برز البابا فرنسيس بدفاعه إلى أقصى حدّ عن كنيسة "منفتحة على الجميع"، لدرجة أن معارضيه المحافظين ذهبوا إلى حدّ اتهامه بـ"الهرطقة" لانفتاحه على الأشخاص الذين تزوّجوا مجددا بعد طلاقهم والسماح لهم بتناول القربان المقدس.
صورة من: Reuters/M. Abd El-Ghany
مع اللاجئين في ليسبوس
زار اللاجئين في جزيرة ليسبوس اليونانية. شجب البابا استمرار كل أشكال العنف، من الاتجار بالبشر إلى كوارث الهجرة، مرورا بالاستغلال الاقتصادي. ودافع عن اللاجئين وحقوقهم. واصطحب 12 لاجئا إلى إيطاليا على طائرته وطلب من مؤسسات كنسية العمل على وقف تهريب البشر وأنماط الاسترقاق الحديثة.
صورة من: Andreas Solaro/AFP/Getty Images
الهجوم عليه
هاجم الكاثوليك المحسوبون على اليمين المتطرف البابا الأرجنتيني بسبب دعواته إلى استقبال المهاجرين، إذ رأوا في ذلك خطرا على هوية أوروبا المسيحية. لكن البابا، القادم من شوارع بيونس آيريس لم يتوقف عن الدفاع عن حقوق المهاجرين. ووجّه بانتظام توبيخات قوية للزعماء الأوروبيين، الذين يعارضون وصول المهاجرين وانتقد القادة الشعبويين.
صورة من: Reuters/A. Bianchi
في زلزال إيطاليا
البابا فرنسيس يُصلّي أمام الأنقاض في بلدة أماتريتشي، إيطاليا، في الرابع من شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016، عند وصوله للقاء الأشخاص الذين نجوا من الزلزال الذي ضرب بلدة أماتريتشي.
صورة من: picture-alliance/dpa/L´Osservatore Romano
فيزيائي ورجل دين
البابا فرنسيس يستقبل ستيفن هوكينغ عالم الفيزياء النظرية الراحل، خلال اجتماع مع الأكاديمية البابوية للعلوم في الفاتيكان، في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.
صورة من: REUTERS
يزور السجناء
زار مرات عدة السجون في إيطاليا وفي دول أخرى. الصورة خلال زيارته إلى مركز كُوران فرومهولد للإصلاح والتأهيل في السابع والعشرين من شهر سبتمبر/ أيلول عام 2015 في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا. عرف البابا فرنسيس بأسلوبه القريب من الناس، ما أكسبه شعبية كبيرة.
صورة من: Getty Images/D. Maialetti
عاشق كرة القدم
كان البابا فرنسيس، هاويا للموسيقى وكرة القدم، وكان لا يستسيغ العطلات، وجدول أعماله يحفل غالبا بنحو عشرة مواعيد في اليوم. كان مشجعا للكرة. وحينما كان في بوينس آيريس كان يشاهد المباريات مع عامة الناس في المقاهي. في الصورة خلال استقباله المنتخب الألماني لكرة القدم في القصر الرسولي في الفاتيكان 14/11/ 2016.
صورة من: picture-alliance/Catholic Press Photo/IPA
السلام في الأراضي المقدسة
قضية السلام في الأراضي المقدسة كانت مما يشغل باله كثيرا. في الصورة مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. دعا الى وقف الحرب في قطاع غزة، وأظهر تعاطفا مع الضحايا المدنيين. وفي ظهوره الأخير في عيد الفصح، ندّد في كلمة تلاها أحد مساعديه بـ"وضع مأساوي مخجل" في قطاع غزة، محذّرا في الوقت ذاته من "تنامي جو معاداة السامية الذي ينتشر في جميع أنحاء العالم".
صورة من: picture-alliance/dpa/G. Lami/ANSA
بابا متواضع
في روما، نظر البعض إلى الأسلوب غير المألوف لفرنسيس على أنه ثورة أو تمرد، معتبرين أنه أعطى الموقع طابعا أقلّ رسمية. فقد فضّل السكن في شقة صغيرة في دار الضيافة في الفاتيكان على القصر الرسولي، وكان يدعو بانتظام مشردين وسجناء إلى طاولته. كان البابا فرنسيس يعبّر عن مشاعره لمن يلتقيهم ... وحتى أثناء جائحة كوفيد أو أثناء جلوسه على كرسيه المتحرك، لم يرفض المصافحة قط.
صورة من: Reuters/S. Rellandini
ترامب والبابا
في 11 فبراير/ شباط 2025، كرّر إدانته عمليات الطرد الجماعي للمهاجرين التي يعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما أثار غضب البيت الأبيض. في الصورة ترامب وزوجته وابنته خلال زيارة إلى الفاتيكان في عام 2017. فرنسيس كان من أشدّ منتقدي الليبرالية الجديدة وقد ركّز رسالته على الدعوة الى العدالة الاجتماعية والبيئة والدفاع عن المهاجرين الهاربين من الحروب والفقر. تحرير: صلاح شرارة