1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

تحليل: العجز المائي المصري وضعف السياسة إزاء الحلول

٢٠ يونيو ٢٠٢١

تعاني مصر من نقص المياه قبل سد النهضة. ومع وصول المفاوضات بشأنه إلى طريق مسدود تقف القاهرة أمام تحديات حياتية تهدد بمزيد من النقص. ما الذي ينبغي عمله لمواجهة ذلك؟ وهل من سبيل للتوصل إلى اتفاق بعيدا عن قرع طبول الحرب؟

Staudamm in Äthiopien
صورة من: Yirga Mengistu/Adwa Pictures/dpa/picture alliance

تواجه مصر منذ سنوات مشكلة نقص المياه في أوقات عدة من السنة حتى قبل البدء بملء سد النهضة الإثيوبي. ويزيد من النقص الطلب المتزايد على المياه بشكل أسرع من تعزيز مصادر توفيرها. ويقف وراء هذا الطلب عوامل من أبرزها الزراعة ومشاريع توسيع رقعة الأراضي الزراعية، وزيادة عدد السكان وبناء مدن جديدة الأمر الذي يعني الحاجة للمزيد من مياه الشرب والاستهلاك المنزلي. ويزيد الطين بلة تراجع كميات المياه المتوفرة في مواسم الجفاف بسبب قلة الأمطار. واليوم ومقابل هذا الوضع تصر أديس أبابا بشكل منفرد على ملء السد قبل الاتفاق مع القاهرة والخرطوم على جدول زمني ينظم القيام بذلك دون إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصادين المصري والسوداني. ومع هذا الإصرار الإثيوبي تزداد الخشية من عجز مائي متزايد في السنوات القليلة المقبلة مع ما يجره من عجوزات كثيرة أخطرها العجز الغذائي. وحسب مصادر المؤسسة الألمانية للتجارة والاستثمار تريد أديس أبابا تقليص حصة مصر السنوية من 55.5 إلى 35 مليار متر مكعب من مياه النيل. ويتضح حجم المشكلة من واقع اعتماد المصريين هذه المياه بنسبة تزيد على 90 بالمائة. غير أن الأخطر من ذلك حقيقة أن مياه النيل الأزرق التي بُني عليه سد النهضةالإثيوبي تشكل 70 بالمائة منها. وهكذا فإن التحكم بمياه النهر بشكل يؤدي إلى حجزها يشكل خطرا وجوديا على مصر التي تدين بوجودها له منذ الأزل.

خطط طموحة، لكن أين المشكلة؟

وصلت المفاوضات المتعلقة بالخلاف حول سد النهضة بين القاهرة والخرطوم من جهة وأديس أبابا من جهة أخرى إلى طريق مسدود في الوقت الحاضر. ومع التصعيد الكلامي وتهديد مصر بحل عسكري ودخول أطراف دولية وعربية جديدة إلى حلبة التفاوض تتعقد المشكلة ويضيع المزيد من الوقت قبل التوصل إلى حل. ويدعم هذه الخشية أن إثيوبيا ليس في صالحها إيجاد اتفاق. كما أن بعض جهات الوساطة ليس لها مصلحة فيه، لاسيما تلك التي ساهمت في تمويل السد واشترت أراضي واسعة في إثيوبيا بهدف استثماراها ومن بينها جهات عربية. في هذه الأثناء تعمل القاهرة على تنفيذ خطط تساعد على الحد من مشكلة نقص المياه المتزايدة. وحسب وزارة الموارد المائية والري المصري تقضي هذه الخطط باستثمار حوالي 50 مليار دولار بين عامي 2019 و2037 في مشاريع تركز على إعادة تدوير مياه الصرف الصحي وصيانة أقنية الري وشبكات الأنابيب المتهالكة لتقليل الفاقد من المياه. غير أن المشكلة تكمن في صعوبة توفير مصادر تمويل مثل هذا المبلغ.

وبهدف الاعتماد على مصادر بديلة وأكثر استدامة تجهد الحكومة المصرية كخطوة أولى لإشراك الأهالي والقطاع الخاص في تمويل وإدارة مشاريع بقيمة 500 مليون دولار في أكثر من منطقة. بالتوازي مع الخطط الطموحة تم البدء بتجربة زراعات تحتاج إلى كميات أقل من المياه.  ومن بينها على سبيل المثال زراعة الأرز الجاف الذي طورت مصر عدة أصناف منه مثل "جيزة 178" و "جيزة 179" وجربتها في محافظة الوادي الجديد. وقد أظهرت التجربة نجاحا تمثل في تقليص استهلاك المياه بنسبة 50 بالمائة مقارنة بزراعة الأرز المائي دون تأثير كبير على مستوى الإنتاجية.

تجربة ناجحة، لكن ماذا بعد؟

يشكل نجاح تجربة الأرز الجاف رغم محدودية الأراضي التي شملتها علامة فارقة كونه يفسح المجال ويعزز فرص تحويل مجمل القطاع الزراعي إلى زراعات توفر المياه وتستخدم طرق الري الحديثة الموفرة للمياه. ويكتسب هذه الأمر أهمية خاصة إذا عرفنا أن القطاع الزراعي المصري يستهلك لوحده نحو 80 بالمائة مجمل استهلاك مصر السنوي من المياه حاليا، حسب منظمة الأغذية والزراعة العالمية/ الفاو. غير أن النجاح في تعميم الزراعات الموفرة للمياه واستثمار أموال كبيرة في مشاريع مائية جديدة لن يوفر البديل عن الفقدان السنوي لقسم كبير من مياه النيل، لاسيما وأن شبكات المياه لا تغطي سوى 35 بالمائة من الريف المصري حتى الآن. وما يزال استهلاك الفرد المصري من المياه دون المعدلات العالمية الضرورية. كما أن التوسع العمراني والنمو الاقتصادي يتطلب كميات إضافية من المياه لا يمكن لمشاريع إعادة التدوير والمياه الجوفية سدها على المدى الطويل. وهنا يبقى السؤال الأهم ألا وهو، ما العمل لدفع مفاوضات سد النهضة المتوقفة إلى الأمام؟

ابراهيم محمد: الاتفاق على تقاسم مياه النيل يتطلب الاعتماد على مرجعية القانون الدولي والاتفاقيات الأوروبية بخصوص تقاسم مياه الأنهار العابرة للحدودصورة من: DW/P.Henriksen

لا للحرب، بل لمبادى القانون الدولي

من المؤكد أن التهديد بحلول عسكرية على غرار ما تفعله مصر سوف يعقد المشكلة. ومن المؤكد أن الحرب في حال وقعت لن تأتي بمنتصر وسوف تكون تكلفتها على مصر وإثيوبيا والسودان أعلى بكثر من تكلفة التوصل إلى اتفاق يضمن مصالح الأطراف الثلاثة قدر الإمكان. ومن هنا فإن المخرج الوحيد لمواجهة نقص المياه يكمن في حشد المزيد من الجهود على أساس إيجاد حوافز وإغراءات تدفع نحو اتفاق واقعي ومستدام. ويقوم اتفاق كهذا على اعتراف الأطراف المعنية بحق كل منها في الحصول على حصة شبه عادلة من مياه لتوفير مياه الشرب والاستهلاك المنزلي وتنمية زراعته واقتصاده. وهنا ينبغي أخذ ضمان استمرار وتطوير مشاريع مصر والسودان الحيوية التي تمت إقامتها قبل بناء سد النهضة بعين الاعتبار. ومن حق إثيوبيا كواحدة من أفقر بلدان العالم أخذ الحصة التي تساعدها في القضاء على الفقر والمجاعة وتنمية بنيتها التحتية. وفي تفاصيل البحث عن اتفاق يمكن للأطراف المتنازعة الاعتماد على اتفاقات دولية عديدة تنظم استخدام مياه الانهار العابرة للحدود مثل الاتفاقيات المتعلقة باستخدام مياه نهري الدانوب والراين في أوروبا. وتضمن هذه الاتفاقيات استغلال المياه على أساس التنسيق بين مختلف الأطراف بعيدا عن النزاعات العسكرية. وينبغي أن تشكل مرجعيات القانون الدولي أساسا لأي اتفاق مستقبلي، لاسيما وأن العشرات من بلدان العالم اعتمدت عليها في اتفاقيات مائية ناجحة. ومن أحدث هذه المرجعيات "اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية" التي أقرتها الأمم المتحدة ودخلت حيز التنفيذ عام 2014 بعد تصديق 35 دولة عليها.

ابراهيم محمد

 

تخطي إلى الجزء التالي موضوع DW الرئيسي

موضوع DW الرئيسي

تخطي إلى الجزء التالي المزيد من الموضوعات من DW

المزيد من الموضوعات من DW