أثار قرار السلطات السورية بحظر ثلاث منصات إعلامية موجة نقاش حاد وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الخطوة "تنظيما" للمشهد الإعلامي أو محاولة "لإقصاء الأصوات الناقدة".
تعرض الصحافيون في سوريا لمختلف أشكال القمع والانتهاكات خلال حكم عائلة الأسد. صورة من: Izettin Kasim/Anadolu/picture alliance
إعلان
أثار قرار وزارة الإعلام في الحكومة السورية المؤقتة موجة واسعة من الجدل، بعدما قضى بمنع ثلاث منصات إعلامية من العمل داخل الأراضي السورية. ويُعد القرار أول إجراء من نوعه منذ تولي السلطات الجديدة مهامها في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وبحسب نص التعميم، فقد شمل الحظر منصات "جسور نيوز" و "هاشتاغ" و "الدليل" بسبب عدم حصولها على "التراخيص القانونية" مع التأكيد على أن أي جهة أو فرد يتعاون معها سيكون "عرضة للمساءلة والملاحقة القضائية".
وعلل معاون وزير الإعلام عبد الله الموسى القرار معلنا أن الوزارة تتابع منصات تمارس "التضليل الإعلامي وتنشر الأخبار المزيفة، وبعضها حاصل على تراخيص ويتجاوب مع ملاحظات التضليل و الأخبار الزائفة"، نافيا أن يكون للقرار "علاقة بحرية العمل الإعلامي".
"قرار صادم"
وعلى وقع القرار، نشرت المنصات الثلاث بيانات انتقدت فيها القرار، الذي وصفه موقع "هاشتاغ"بأنه "تعسفي ويفتقر إلى أي أساس قانوني سليم".
من جانبها، اعتبرت رئيسة تحرير "جسور نيوز"، الصحفية هديل عويس، عبر صفحتها على فيسبوك، أن ما جاء في بيان وزارة الإعلام "غير صحيح"، مضيفة أن القرار "بهذه الصيغة يعد تشهيرا بوسيلة إعلامية تعمل بشكل قانوني، ويُعرض جسور نيوز ومراسليها لمشاكل ومخاطر ميدانية".
لكن عويس نشرت لاحقا منشورا قالت فيه إن الوزارة أكدت أن "المسألة إجرائية وسيتم حلّها خلال يوم غد، مع استكمال منح الترخيص الرسمي، خاصة أن جميع الأوراق المطلوبة متوفرة ولدى الطرفين رضا وقبول بمبدأ الترخيص".
تضييق متزايد على الفضاء الإعلامي
وبشكل عام، فجر القرار جدلا واسعا، خاصة وأنه ويأتي عقب سلسلة قرارات صدرت في الأشهر الماضية، كان آخرها تقييد بيع المشروبات الكحولية ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي الليلية.
وتعقيبا على ذلك، تقول الناشطة السياسية راقيا الشاعر ، المقيمة في مدينة السويداء جنوب سوريا، أنه رغم تبرير القرار بذرائع تتعلق بعدم الترخيص أو ممارسة خطاب تحريضي، إلا أنّ الإجراء "لا يمكن فصله عن المسار العام الذي تنتهجه السلطة منذ تولّيها إدارة شؤون البلاد" وذلك "نحو إعادة تشكيل المشهد الإعلامي بما يتماشى مع خطابها، وإقصاء الأصوات الناقدة أو المخالفة". وأضافت في مقابلة مع DW عربية أن المنصات الثلاث "دأبت على انتقاد أداء السلطة في دمشق وتسليط الضوء على ما تصفه بانتهاكات تتعلق بالقمع والتضييق وكشف ملفات فساد تتعلق بمسؤولين جدد".
وتصر راقيا الشاعر بأن الحكومة الحالية شرعت "باتخاذ سلسلة من قرارات يُنظر إليها على أنها تضييق ممنهج على الحريات العامة والفردية، لتتطور نحو تضييق متزايد على الفضاء الإعلامي وحرية الصحافة".
قالت الناشطة السياسية راقيا الشاعر إن المنصات الإعلامية التي جرى حظر "دأبت على انتقاد أداء السلطة".صورة من: Rami Alsayed/NurPhoto/picture alliance
"فراغ قانوني مقلق"
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، حض المجتمع الدولي مرارا السلطات الجديدة على احترام الحريات كافة وحماية الأقليات وإشراك مختلف المكوّنات في إدارة المرحلة الانتقالية.
إعلان
ويرى كريستوف ليونهارت، الخبير البارز في مركز أبحاث "ميدل إيست مايندز" في برلين، أن استناد الحكومة إلى عدم حصول هذه المنصات على "تراخيص رسمية" يُظهر "وجود فراغ قانوني مقلق".
وأضاف في مقابلة مع DW عربية أن "غياب تشريعات واضحة وموثوقة يتيح للحكومة الجديدة ممارسة الضغط على وسائل الإعلام المستقلة خاصة الناقدة منها، من خلال إجراءات ترخيص تقييدية".
من جانبها، كشفت رابطة الصحفيين السوريين عن بدء وزارة الإعلام "اتخاذ خطوات لتصحيح أوضاع ترخيص عدد من المنصات الإعلامية، وذلك في إطار متابعة تنفيذ التعميم الأخير".
وطالبت الرابطةباعتماد "معايير شفافة وإجراءات قانونية واضحة تصون حقوق المؤسسات وسمعتها، بعيدا عن الإجراءات الإدارية التعميمية".
قال كريستوف ليونهارت إن قرار الحكومة بحظر منصات إعلامية "يتناقض" في وعود بتحقيق "بحرية الصحافة" في سوريا ما بعد الأسد.صورة من: Izz Aldien Alqasem/Anadolu Agency/imago images
حرية الصحافة المنشودة في سوريا
على مدى عقود من حكم الأسد، عاش المشهد الإعلامي في سوريا تحت قبضة أمنية خانقة، حيث خضعت الصحافة لرقابة شبه مطلقة وباتت مجرد صدى لخطاب السلطة. وبعد سقوطه، تعهدت السلطات الانتقالية بضمان حرية الصحافة في سوريا.
في ذات الوقت أعادت السلطات الانتقالية إطلاق عدد من الوسائل الإعلامية بحلة جديدة، بينها وكالة سانا والتلفزيون الرسمي. توازيا مع ظهور منصات جديدة وعودة منصات معروفة بمعارضتها للحكم السابق.
رغم ذلك، يعتقد كريستوف ليونهارت أن القرار الأخير "يندرج ضمن سلسلة إجراءات تعكس تحولا ملحوظا في طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام، من هامش نقدي محدود إلى بيئة أكثر انغلاقا".
وأضاف في حديثه إلى DW عربية أن هذه الإجراءات "التقييدية بحق الإعلام المحلي خاصة الإعلام السوري المستقل، تتناقض في نهاية المطاف مع وعود الحكومة الجديدة بتحقيق حرية الصحافة في سوريا".
تحرير: وفاق بنكيران
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.