توتر مع واشنطن .. تعهد أوروبي بالوحدة قبيل قمة الناتو
علاء جمعة رويترز
٢٤ يونيو ٢٠٢٦
قبل قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، تعهد قادة أوروبيون في برلين بتعزيز الدور الدفاعي لأوروبا داخل الحلف، في ظل خلافات مع إدارة ترامب وتباينات بين العواصم الأوروبية بشأن الأمن وأوكرانيا.
وتأتي هذه التحركات في وقت يحاول فيه الأوروبيون الاستعداد لقمة الناتو في أنقرة وسط مخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروباصورة من: Ludovic Marin/AFP
إعلان
أكد قادة أوروبيون، اليوم الأربعاء 24 يونيو/ حزيران، التزامهم بتعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي داخل حلف شمال الأطلسي، وذلك خلال اجتماع استضافه المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين قبل قمة الناتو المقررة في أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو.
وشارك في الاجتماع قادة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا، في لقاء أرادت برلين من خلاله إظهار قدر أكبر من الوحدة الأوروبية، بعد أسابيع من التوترات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخلافات داخلية بين شركاء أوروبيين رئيسيين في ملفات الدفاع وأوكرانيا.
وقال ميرتس في تصريحات مقتضبة قبل عشاء العمل، بحسب وكالة رويترز: "نريد تجديد الحلف. ونعمل على تعزيز ركيزته الأوروبية”. وأضاف أن قمة الناتو المقبلة ستكون مناسبة لإظهار استعداد الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع المشترك.
تعزيز الركيزة الأوروبية في الناتو
وأكد القادة في بيان مشترك "التزامهم الثابت بالأمن الأوروبي الأطلسي والروابط عبر الأطلسي”، في رسالة بدت موجهة إلى واشنطن بقدر ما هي موجهة إلى الداخل الأوروبي، خصوصا بعد انتقادات ترامب للحلف وتهديده بسحب قوات أمريكية من أوروبا.
ويأتي اجتماع برلين في توقيت حساس بالنسبة لأوروبا. فالعلاقات بين برلين وباريس تعرضت لضغط إضافي بعد تعثر مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة إف سي إيه إس، وهو أحد أبرز مشاريع الدفاع الأوروبية، بسبب خلافات استراتيجية وصناعية. كما برزت تباينات بين دول أوروبية بشأن آليات التشاور حول أوكرانيا، بعدما انتقدت روما ووارسو ما اعتبرتاه استئثارا من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ببعض المحادثات المتعلقة بالحرب.
خلافات أوروبية
ولم يتطرق ميرتس بشكل مباشر إلى هذه الخلافات، لكنه شدد على ضرورة التحرك المشترك. وقال إن "السير بشكل منفرد على مستوى الدول” في السياسة الدفاعية سيكون خطأ، مؤكدا أن أوروبا بحاجة إلى نهج موحد، وإلى شراكة قوية في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يحاول فيه الأوروبيون الاستعداد لقمة الناتو في أنقرة وسط مخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا. وذكرت رويترز أن الأمين العام للحلف مارك روته يسعى بدوره إلى تهدئة التوترات مع ترامب قبل القمة، في ظل نقاشات حول زيادة الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء داخل الحلف.
إعلان
وداع سياسي لستارمر
وشهد اللقاء أيضا وداعا سياسيا لرئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته كير ستارمر، الذي أعلن هذا الأسبوع تنحيه وسط ضغوط داخل حزبه. وأشاد القادة بدوره في تحسين العلاقات مع أوروبا بعد سنوات من خروج بريطانيا منالاتحاد الأوروبي.
وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، بحسب رويترز، إن جهود ستارمر جعلت الأوروبيين ينسون "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لبعض الوقت”.
اختبار لقدرة أوروبا الدفاعية
ومن المقرر أن يطلع ميرتس كلا من ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وشركاء آخرين على نتائج مشاورات برلين، في محاولة لصياغة موقف أوروبي أكثر تماسكا قبل قمة أنقرة.
وبين ضغوط ترامب، والحرب في أوكرانيا، والحاجة إلى رفع القدرات الدفاعية، يحاول الأوروبيون تقديم صورة موحدة. غير أن اجتماع برلين أظهر أيضا أن الوحدة الأوروبية في مجال الأمن لم تعد خيارا سياسيا فقط، بل أصبحت اختبارا عمليا لقدرة أوروبا على حماية مصالحها داخل الناتو ومع الولايات المتحدة
بعد الحرب العالمية الثانية عملت أمريكا على تقديم مساعدات لأوروبا والحد من التوسع السوفيتي فوق أراضيها. لكن المتتبع للعلاقات عبر الأطلسي يجد أن الدول الأوروبية بدأت تنأى بمواقفها عن مواقف حليفتها واشنطن في ملفات كثيرة.
صورة من: picture alliance/C.Ohde
مشروع مارشال
لم تخرج أمريكا من الحرب العالمية الثانية بخسائر على عكس نظيرتها أوروبا التي فقدت الكثير على كل المستويات، ولهذا جاءت خطة مارشال بهدف إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي عن طريق تقديم المساعدات. ويعود اسم المشروع إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج مارشال الذي أطلق المشروع في حزيران/ يونيو 1947، أمام طلاب جامعة هارفرد. مشروع مارشال عُلقت عليه آمال مهمة، كتعزيز الاستقرار السياسي والسلام في العالم.
صورة من: picture-alliance/dpa
تعاون يورو- أمريكي
شكل حلف الأطلسي خطوة مهمة في تاريخ العلاقات بين الجانبين الأوروبي والأمريكي. وقد اجتمعت القوتان في 1949 وأنشأت المنظمة تحت اسم "منظمة حلف شمال الأطلسي"، اختصارا "الناتو". وكان الهدف من المنظمة هو التصدي لخطر الاتحاد السوفيتي حينها. يشكل الناتو نظاماً للدفاع الجماعي، إذ تتفق فيه الدول الأعضاء على الدفاع المتبادل رداً على أي هجوم من قبل أطراف خارجية.
صورة من: picture-alliance/akg-images
فرنسا تنسحب..
في 1966 انسحبت فرنسا من قيادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" ما شكل زلزالاً هز وحدة حلف الناتو في وقت مبكر من تاريخ قيامه، وذلك بسبب أزمة وقعت خلال فترة رئاسة شارل ديغول لفرنسا. وأحتج ديغول على الدور القوي الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنظمة، وهو ما اعتبره علاقة خاصة بينها وبين المملكة المتحدة، قائلاً إن فرنسا تريد انتهاج خط مستقل عن الحلف وسياسة واشنطن.
صورة من: AFP/Getty Images
خطوة إلى الأمام
من بين المحاولات المهمة التي قامت بها دول الاتحاد الأوربي لتبتعد عن "وصاية" واشنطن، الشراكة الأورومتوسطية. إذ بدأت عام 1995 من خلال مؤتمر برشلونة الأورومتوسطي الذي اقترحته إسبانيا وقام الاتحاد الأوروبي بتنظيمه لتعزيز علاقاته مع البلدان المطلة على المتوسط في شمال أفريقيا وغرب آسيا. الشراكة لم تستمر طويلاً، إلا أنها وضعت أسس لعلاقات إقليمية جديدة، وشكلت نقطة تحول في العلاقات الأورومتوسطية.
صورة من: AP
رفض ومعارضة
في 2003، أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر معارضتهما الشديدة لقرار أمريكا وحلفائها باحتلال العراق. شكل هذا الموقف لحظة قوية عبرت فيها الدولتان الأوربيتان الكبيرتان عن رفضهما سياسة "العم سام" في الشرق الأوسط. وقادتا الاتحاد الأوربي في هذا الاتجاه، حيث أعلن الاتحاد الأوربي معارضته مبدئياً للجوء للقوة، واشترط أن تتم أي عملية عسكرية بتفويض من مجلس الأمن.
صورة من: HECTOR MATA/AFP/Getty Images
اتفاقية "بيسكو"
في 2017، وقع 23 عضوا في الاتحاد الأوروبي على اتفاقية "بيسكو" الرامية لتعزيز التعاون بمجال الدفاع. وشكل توقيع هذه الاتفاقية أبرز خطوة أقدمت عليها دول الاتحاد في اتجاه تشكيل ذراع عسكري تتخلص بفضله من التبعية العسكرية للولايات المتحدة، وتعتمد عليه في تنفيذ سياستها وخصوصاً في منطقة حوض البحر المتوسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وغيرها من مناطق الجوار الأوروبي.
صورة من: Reuters
الانسحاب من الاتفاق النووي
انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني لاقى رفضاً من قبل الدول الأوروبية الثلاث الكبرى. ويشير هذا الرفض إلى سياسة الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لنهج استراتيجية مستقلة عن واشنطن، خاصة وأن الاتفاق النووي واحد من أكثر الملفات الحساسة ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما في العالم بأسره.
صورة من: Imago/Ralph Peters
السفارة الأمريكية في القدس
رفضت دول من الاتحاد الأوروبي فتح السفارة الأمريكية في القدس. وكان هذا الرفض دليلاً على تزايد الاختلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ما يدفعهم للسعي نحو الخروج من دارة "التبعية" لأمريكا. وكان عدد من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد وصفوا نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس بـ "الخطوة غير الحكيمة التي قد تؤدي إلى تصعيد حدة التوتر".
صورة من: picture-alliance/dpa/I. Yefimovich
ملفات أخرى...
ملف الشرق الأوسط ليس الجانب الوحيد الذي تبرز فيها رغبة أوروبا في فك من ارتباطها بأمريكا. ويمكن الوقوف عند آخر نقطة في الملف، حيث رفعت أمريكا الرسوم الجمركية على الحديد والألمنيوم. وتشكل هذه الرسوم الجمركية تحدياً كبيراً وضعه ترامب في طريق الأوروبيين. وكانت دول أوروبية قد طالبت بضرورة الحصول على إعفاء دائم من هذه الرسوم، إلا أن الأمر ما يزال عالقاً. إعداد: مريم مرغيش.