بعد تسع سنوات على تدميره على يد تنظيم داعش، يعود جامع النوري الكبير في الموصل ليصبح رمزاً حياً لتعافي المدينة وهويتها التاريخية، واستعادة الحياة الدينية والثقافية إلى أحيائها وأسواقها.
العراق، الموصل، 2026، مسجد النوري، المصلون يتبادلون التهاني بعد صلاة عيد الفطرصورة من: Ismael Adnan
إعلان
في المدينة القديمة بالموصل شمال العراق، لا يبدو جامع النوري الكبير مجرد مبنى أُعيد ترميمه بعد سنوات الحرب، بل أشبه بقطعة من ذاكرة المدينة عادت لتستقر في مكانها الطبيعي.
على مدى قرون، ارتبط اسم الجامع ومنارته الحدباء بصورة المدينة وهويتها، ويعتبر أهالي الموصل إعادة إعمار الجامع أكثر من مجرد مشروع ترميم؛ إنها استعادة لرمز ظل حاضراً في وجدانهم حتى في سنوات الغياب والدمار.
في يوليو/تموز 2017، فجّر تنظيم داعش الجامع ومنارته الحدباء خلال المعارك، قبل أن تطلق اليونسكو في فبراير/شباط 2018 مبادرة "إحياء روح الموصل” لإعادة الحياة إلى المدينة القديمة. ومع استكمال الأعمال التمهيدية من إزالة الأنقاض وتأمين الموقع، دخل المشروع في 2020 مرحلة جديدة، وتبع ذلك إطلاق مسابقة دولية لإعادة تصميم المجمع، بعد مشاورات واسعة مع أهالي المدينة لضمان الحفاظ على هويته التاريخية.
تُظهر الصورة مصلين في مسجد النوري ببلدة الموصل القديمة مع المئذنة المائلة في الخلفية أثناء صلاة عيد الفطر التي أُقيمت للمرة الأولى منذ حوالي تسع سنوات بعد تدمير المسجد وإعادة افتتاحه قبل بضعة أشهر.صورة من: Ismael Adnan
يعود تاريخ الجامع إلى القرن الثاني عشر وبناه نور الدين زنكي، وتُعرف منارته الحدباء بارتفاعها وميلها الشهير، ما جعلها أيقونة تاريخية للموصل على مدى مئات السنين.
بالنسبة لصفوت الطائي، 34 سنة، وهو من أبناء الموصل، فإن جامع النوري "تاريخنا وتاريخ أجدادنا، ورمز وهوية الموصل التراثية والأثرية”.
ويقول "إن الجامع ليس مجرد مكان للصلاة، بل أحد عوالم الموصل العريقة”. هذا المعنى يتكرر في حديث كثير من الموصليين الذين يرون في الجامع علامة على الانتماء ومرآةً لذاكرة المدينة.
يستعيد صفوت لحظة سماعه خبر تدمير الجامع وهو نازح خارج الموصل بسبب احتلال المدينة، ويصفها بأنها "صدمة لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة”.
أما اليوم، فيقول "إن رؤية الجامع يعود من جديد، ورؤية المنارة تعانق السماء، كانت لحظة تعيد الأمل إلى القلب".
هذا البعد العاطفي يظهر أيضاً في شهادة سعد الله طه، أحد سكان المدينة القديمة، الذي يقول "كنت شاهداً على تفجير المنارة والجامع، وبكيت يومها من شدّة الألم".
العراق، الموصل، 2026 ، مسجد النوري من الجو بعد صلاة عيد الفطرصورة من: Ismael Adnan
ويضيف "فرحتي اليوم لا يمكن وصفها بعودة الصلاة إلى الجامع الذي كبرت وترعرعت قربه".
بالنسبة لسعد الله، كما بالنسبة لكثيرين، فإن عودة الجامع تمثل دليلاً على أن الموصل، رغم حجم الخراب الذي أصابها، استطاعت أن تتمسك بإرادة الحياة.
وليس الجامع في نظر الموصليين مجرد رمز ديني، بل معلم تاريخي ضارب في القدم، فالمجمع يعود إلى القرن الثاني عشر، ويُعد من أبرز معالم الموصل التاريخية، بينما تُعرف منارته الحدباء بارتفاعها وميلها الشهير الذي جعلها إحدى أيقونات المدينة عبر مئات السنين.
أسامة مصطفى، وهو موظف في متحف خاص قرب الجامع ومهتم بتاريخ المدينة، يلاحظ التغيير الذي طرأ على محيط الجامع بعد انطلاق أعمال الإعمار، يقول "إن المنطقة القريبة من الجامع كانت منسية بالكامل، لكنها تحولت تدريجياً إلى نقطة جذب للزوار والمهتمين بالأماكن التاريخية".
ويشير إلى "أن كثيرين من الناس بدأوا يشترون محلات أو يستأجرون بيوتاً بالقرب من الجامع بسبب القيمة التراثية للمكان".
بالنسبة إليه، فإن عودة الجامع لم تكن معمارية فقط، بل "عودة للروح” و”عودة للثقة” أيضاً، إذ شعر الناس أن مدينتهم قادرة على النهوض من جديد.
ويؤكد سكان آخرون أن أثر عودة الجامع يتجاوز رمزيته الدينية إلى تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في المدينة، ويقول مصطفى حسين "إن الجامع يمثل أحد أبرز الرموز الدينية في الموصل، وإن عودته، بالتزامن مع تزايد زيارات العرب والأجانب، تعزز حضور المدينة من جديد."
فيما يرى ماجد حازم "أن ما كشفته أعمال التنقيب من قاعة الصلاة ومحلات الوضوء القديمة للجامع أضاف إلى الموقع الحالي قيمة أثرية وثقافية وسياحية أكبر"
تُظهر الصورة مصليين في مسجد النوري بمدينة الموصل القديمة أثناء صلاة عيد الفطر التي أُقيمت للمرة الأولى منذ حوالي تسع سنوات بعد تدمير المسجد وإعادة افتتاحه قبل بضعة أشهر.صورة من: Ismael Adnan
ومن داخل الجامع نفسه، يصف إمامه وخطيبه الشيخ ذاكر حساوي عودة النشاط إلى المكان بأنها عودة للحياة فيقول " عودة الحياة إلى الجامع الكبير النوري، هي عودة الحياة إلى أنفسنا التي فقدناها في زمن من الأزمنة”.
ويقول إن الجامع يشكل في وجدان الموصليين "أثراً عظيماً لأنه يحكي أيامهم وذكرياتهم وسنوات مضيئة من تاريخ المدينة".
ويرى حساوي "أن حضور العوائل إلى الجامع اليوم لا يقتصر على العبادة، بل يمتد أيضاً إلى التقاط الصور مع آثاره ومعالمه التاريخية، في مشهد يختصر العلاقة الخاصة بين المكان وأهالي نينوى."
وتشير اليونسكو إلى أن مبادرة "إحياء روح الموصل” لم تقتصر على جامع النوري وحده، بل شملت أيضًا إعادة تأهيل منازل تراثية ومدارس ومعالم دينية أخرى، وأسهمت في خلق آلاف فرص العمل وتدريب حرفيين محليين، في محاولة لربط إعادة الإعمار العمراني بالتعافي الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمدينة.
في 1 سبتمبر/أيلول 2025، افتُتح جامع النوري الكبير رسمياً أمام الأهالي بعد اكتمال أعمال الإعمار، بما في ذلك ترميم المنارة الحدباء، في حدث شكّل لحظة رمزية للموصل تعكس استعادة جزء أساسي من هويتها التاريخية وعودة الحياة الدينية والثقافية إلى قلب المدينة.
ومؤخراً، شهد الجامع أول صلاة عيد الفطر بعد تسع سنوات من توقف النشاط الديني، إذ أُقيمت الصلاة في 20 آذار/مارس 2026، لتجسد هذه اللحظة استعادة الروح الدينية والارتباط الروحي العميق لسكان المدينة بالجامع ومكانته في ذاكرة الموصل.
العراق، الموصل، 2026، مسجد النوري | المصلون أثناء صلاة عيد الفطر صورة من: Ismael Adnan
هكذا، لا يختصر جامع النوري قصة حجر أعيد تركيبه فوق حجر، بل يروي حكاية مدينة تصر على أن تستعيد ذاكرتها. وبين المصلين والزوار والعوائل التي تعود إلى المكان، يبدو الجامع اليوم علامة واضحة على أن الموصل لا تكتفي بتجاوز دمارها، بل تعيد تعريف نفسها من خلال رموزها الأعمق: التاريخ، والهوية، والقدرة على البدء من جديد.
نهر دجلة.. شريان العراق الحيوي ضحية للتغير المناخي وسدود تركيا
بعد أن كان ينساب لآلاف السنين مارا بجنة عدن وسومر وبابل، بات نهر دجلة عرضة للتغير المناخي والجفاف والنشاط البشري الجائر مهدداً وجود شريان الحياة هذا. وضاعف بناء السدود التركية عند منبع النهر من تراجع منسوب المياة.
صورة من: Ayman Henna/AFP
روى نهر جنة عدن وسومر وبابل عبر التاريخ، لكنه بات اليوم يصارع الموت. إذ يهدّد النشاط البشري الجائر والتغيّر المناخي بمحو شريان حياة عمره آلاف السنوات في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 42 مليونا، ويعتبر مصدرا للحضارة وللزراعة، الكوارث الطبيعية لا تعد ولا تحصى.
صورة من: Murtadha Ahmed
باتت ظاهرة التغير المناخي ماثلة للعيان فبدءا من نيسان/ أبريل، تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وتتتالى العواصف الرملية مغطية البشر والحيوانات والآلات بغشاء برتقالي. ثم يحل فصل الصيف، موسم الجحيم بالنسبة إلى العراقيين، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية وتنقطع الكهرباء بسبب زيادة الضغط على الشبكة.
صورة من: Mohammed Falah Ibrahim/AA/picture alliance
أصبح العراق اليوم واحدا من أكثر خمسة بلدان في العالم عرضة لعواقب تغيّر المناخ، بحسب الأمم المتحدة، مع الجفاف وانخفاض نسبة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والتصحّر المتسارع. وتأثّر بذلك نهر دجلة مع تراجع الأمطار، وكذلك بسبب السدود المبنية في تركيا حيث ينبع النهر.
صورة من: Ayman Henna/AFP
تبدأ الرحلة العراقية لنهر دجلة في جبال كردستان العراق عند تقاطع العراق وسوريا وتركيا. هنا، يكسب السكان لقمة عيشهم من خلال زراعة البطاطا وتربية الأغنام.
صورة من: Ismael Adnan/AFP
تتهم السلطات العراقية والمزارعون الأكراد في العراق تركيا بقطع المياه عن طريق احتجازها في السدود التي أنشأتها على المجرى قبل وصوله الى العراق. وتؤكد الإحصاءات الرسمية ذلك: فمستوى نهر دجلة لدى وصوله من تركيا هذا العام لا يتجاوز 35 في المئة من متوسط الكمية التي تدفقت على العراق خلال المئة عام الماضية.
صورة من: Getty Images/B. Kara
كلما ازداد احتجاز المياه، قلّ تدفق النهر الذي يمتدّ على 1500 كيلومتر يجتازها نهر دجلة قبل أن يندمج مع توأمه نهر الفرات ويلتقيا في شط العرب الذي يصب في الخليج. ويشكّل هذا الملف مصدرا للتوتر الدائم في العلاقات بين تركيا والعراق.
صورة من: Ismael Adnan/AFP
تطلب بغداد بانتظام من أنقرة الإفراج عن كميات أكبر من المياه. وردا على ذلك، دعا السفير التركي لدى العراق علي رضا غوني في تموز/ يوليو الماضي العراقيين إلى "استخدام المياه المتاحة بفعالية أكبر". وأضاف في تغريدة "المياه مهدورة على نطاق واسع في العراق".
صورة من: Ayman Henna/AFP
الخبراء بدورهم يتحدّثون عن أساليب ريّ طائشة: كما في زمن السومريين، يستمر المزارعون العراقيون في إغراق حقولهم لريّها ما يؤدي إلى هدر هائل في المياه.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/A. Khalil
في بعض الأماكن، يبدو النهر مثل برك ناتجة عن مياه الأمطار. فالتجمعات الصغيرة للمياه في مجرى نهر ديالى هي كل ما تبقى من رافد نهر دجلة في وسط العراق الذي بدونه، لا يمكن زراعة أي شيء في المحافظة. وبسبب الجفاف، خفضت السلطات هذا العام المساحات المزروعة في كل أنحاء البلاد إلى النصف. ونظرا إلى أن لا مياه كافية في ديالى، فلن يكون هناك حصاد.
صورة من: ddp images/AP Photo/Hadi Mizban
بحلول 2050، "سيؤدي ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة وانخفاض المتساقطات بنسبة 10 بالمائة، إلى انخفاض بنسبة 20 بالمائة في المياه العذبة المتاحة" في العراق، وفق ما حذّر البنك الدولي نهاية عام 2021.
صورة من: Ahmad Al-Rubaye/AFP
بدورها حذّرت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية في حزيران/ يونيو الماضي من أن ندرة المياه والتحديات التي تواجه الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، هي من "الدوافع الرئيسية للهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية" في العراق. ووفقا لمنظمة الهجرة الدولية نزحت بحلول نهاية آذار/ مارس 2022 أكثر من 3300 أسرة بسبب "العوامل المناخية" في عشر مقاطعات من وسط البلاد وجنوبها.
صورة من: Ahmad Al-Rubaye/AFP
هذا الصيف، كان منسوب دجلة منخفضا في بغداد. وتقول وزارة الموارد المائية ذلك الى "الرواسب الرملية". ونظرا للرواسب لم تعد تنصرف باتجاه الجنوب بسبب نقص تدفّق المياه، تراكمت في قاع النهر واختلطت بالمياه المبتذلة، ما أدى إلى صعوبة تدفق مياه النهر.
صورة من: Hadi Mizban/AP Photo/picture alliance
حتى وقت قريب، كانت الحكومة ترسل آلات لشفط الرمال الراكدة في قاع النهر، لكن بسبب نقص الموارد، توقّفت غالبية المضخات عن العمل. ومع انخفاض منسوب المياه العذبة، بدأت مياه البحر تغزو شط العرب. وتشير الأمم المتحدة والمزارعون بأصابع الاتهام إلى أثر تملّح المياه على التربة وانعكاساته على الزراعة والمحاصيل.
صورة من: Andrew Parsons/EPA/dpaweb/picture-alliance
بلغ مستوى الملوحة في شط العرب في شمال البصرة 6800 جزء في المليون، وفق ما أفادت السلطات المحلية مطلع آب/ أغسطس 2022. من حيث المبدأ، لا تتجاوز نسبة الملوحة في المياه العذبة ألف جزء في المليون، وفقا لمعايير المعهد الأمريكي للجيوفيزياء الذي يحدّد مستوى المياه "المتوسطة الملوحة" بين ثلاثة و10 آلاف جزء في المليون.
صورة من: Nabil al-Jurani/AP Photo/picture alliance
وأدى ذلك إلى هجرة أنواع معينة من أسماك المياه العذبة التي تحظى بشعبية كبيرة لدى الصيادين من شط العرب، ما يتسبب في ظهور أنواع أخرى تعيش عادة في أعالي البحار.
صورة من: Ismael Adnan/ZUMAPRESS.com/picture alliance