بين إغراءات العودة الطوعية وحسم موضوع الترحيل، تضع ألمانيا والنمسا ملف اللاجئين السوريين على طاولة التنفيذ الفعلي. وتبرز تساؤلات معقدة حول مدى واقعية خطط إعادة مئات الآلاف، والجهة التي ستتحمل كلفة تأمين هذه العودة.
قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت إن العودة الطوعية ينبغي أن تشهد مزيدا من الزخم، إلى جانب الترحيل القسري، وإتاحة فرص البقاء للسوريين الذين اندمجوا بصورة جيدة في المجتمع (أرشيف)صورة من: Michael Kappeler/dpa/picture alliance
إعلان
تسعى ألمانيا والنمسا إلى تشجيع العودة بشكل طوعي لطالبي اللجوء واللاجئين السوريين.
وعقب لقائه نظيره النمساوي جيرهارد كارنر، قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت في برلين، اليوم الأربعاء (15 يوليو/ تموز 2026)، إن العودة الطوعية ينبغي أن تشهد مزيدا من الزخم، إلى جانب الترحيل القسري، وإتاحة فرص البقاء للسوريين الذين اندمجوا بصورة جيدة في المجتمع.
وأوضح كارنر أن بلاده أطلقت برنامجا مؤقتا يتضمن حوافز مالية إضافية للسوريين الذين لا تزال طلبات لجوئهم قيد النظر، بهدف تشجيعهم على العودة. وأشاد بدور دوبرينت على المستوى الأوروبي، واصفا إياه بأنه "قوة دافعة" في جهود الحد من الهجرة غير النظامية.
من الحظر إلى الترحيل الحذر
وكانت عمليات الترحيل من ألمانيا إلى سوريا توقفت منذ عام 2012 بسبب خطورة الأوضاع خلال الحرب الأهلية.
وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، قامت السلطات الألمانية لأول مرة بترحيل سوري مُدان قضائيا من ولاية شمال الراين- ويستفاليا إلى دمشق على متن رحلة جوية تجارية، ليرتفع إجمالي عمليات ترحيل المدانين السوريين إلى بلدهم إلى أربع حالات حتى الآن.
وفي سياق متصل، قامت النمسا في 3 يوليو/تموز من العام الماضي بترحيل مواطن سوري إلى بلاده، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ 15 عاما. واستندت عمليات الترحيل النمساوية إلى الزيارة المشتركة التي قام بها وزير الداخلية النمساوي جيرهارد كارنر، المنتمي إلى حزب الشعب النمساوي، مع وزيرة الداخلية الألمانية السابقة نانسي فيزر، المنتمية إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى سوريا في أبريل/نيسان 2025.
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد دعا الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى زيارة ألمانيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بهدف مناقشة قضايا من بينها ملف الترحيل أيضا. ووعد ميرتس بتقديم الدعم الألماني لتحقيق الاستقرار في سوريا، معربًا عن أمله في أن يعود عدد كبير من السوريين طوعًا إلى وطنهم.
ورحب عدد من وزراء داخلية الولايات الألمانية بإعادة وزارة الداخلية الاتحادية السماح بترحيل بعض المدانين السوريين إلى بلادهم، إلا أن بعضهم بدأ يُبدي قدرا من عدم الصبر، إذ لم تُنفذ أي عمليات ترحيل إلى سوريا منذ يناير/كانون الثاني الماضي.
إعلان
معضلة الأرقام وشروط إعادة الإعمار
وفي المقابل، يستوفي حاليا العديد من السوريين، الذين قدموا إلى ألمانيا كلاجئين بين عامي 2013 و2017، شروط الحصول على الجنسية الألمانية، والتي يأتي من بينها إتقان اللغة الألمانية والقدرة على كسب العيش لتغطية نفقات المعيشة بشكل مستقل. ووفقاً لبيانات الحكومة الاتحادية، حصل 65 ألف و574 سورياً على الجنسية الألمانية خلال العام الماضي.
وكان الرئيس الشرع التقى المستشار ميرتس في برلين أواخر مارس/آذار الماضي. وخلال مؤتمر صحفي مشترك، أعلن ميرتس أنه يستهدف إعادة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا والذين يتجاوز عددهم 900 ألف شخص، إلى وطنهم خلال السنوات الثلاث المقبلة.
لكنه أوضح لاحقًا أن "الرئيس السوري هو من طرح رقم الـ 80% من العائدين خلال ثلاث سنوات، وقد أخذنا علمًا بهذا الرقم، لكننا ندرك حجم المهمة".
وفي المقابل، نسب الرئيس السوري الشرع هذا الهدف إلى ميرتس، وقال: "الذي ذكر ذلك هو السيد المستشار، وقد جاء هذا الرقم خلال حديث بيننا. أما أنا فقلت إن عودة اللاجئين ترتبط بشكل مباشر بإعادة إعمار سوريا".
في خريف عام 2015، فتحت ألمانيا أبوابها للآلاف من اللاجئين. وكان تفهم الألمان لمآسي هؤلاء ملفتا جداً. إلا أن أحداثاً عديدة قلبت ثقافة الترحيب إلى مطالب بالترحيل. بالصور: محطات من السياسة الألمانية تجاه اللاجئين.
صورة من: picture-alliance/dpa/G. Fischer
بداية الموجة
في 25 آب/ أغسطس 2015، علقت ألمانيا تنفيذ اتفاق دبلن تجاه اللاجئين السوريين. وينص الاتفاق على إعادة اللاجئين إلى بلد دخلوه في الاتحاد الأوروبي. وبعدها بأيام قالت المستشارة ميركل إن التغلب على موجة اللجوء؛ "مهمة وطنية كبيرة"، كما أصرت على أن "ألمانيا ستنجح في هذه المهمة". وخشيةً من مأساة تحل بآلاف اللاجئين، قررت ميركل إلى جانب النمسا استقبال اللاجئين، وكان ذلك في الخامس من أيلول/ سبتمبر 2015.
صورة من: Reuters/H. Hanschke
استقبال وترحيب
مثلت ""ثقافة الترحيب" عنصراً مهماً في استقبال اللاجئين في خريف 2015. وقد حظي اللاجئون عند وصولهم إلى عدد من المدن الألمانية بترحيب منقطع النظير من جانب المتطوعين من المواطنين الألمان والأجانب المقيمين في ألمانيا. وبادر هؤلاء المتطوعون إلى تقديم المساعدة المعنوية والمادية للعديد منهم. ففي ميونيخ مثلاً، تم إنشاء مطاعم مؤقتة للاجئين المنتظرين تسجيل أسماءهم لدى الشرطة، ونقلهم إلى مراكز الإيواء.
صورة من: picture alliance/dpa/J. Carstensen
أزمة السكن
عدد كبير من اللاجئين قصد ألمانيا بعد قرار ميركل عام 2015. الأرقام المتزايدة للاجئين شكلت تحديا كبيراً للألمان. وبدأت مدن ألمانية باستعمال المباني الخالية أو المهجورة كمراكز إيواء للاجئين، فيما استدعت السلطات الحكومية المختصة الموظفين المتقاعدين للعمل من جديد في مراكز اللاجئين. ويعتبر هذا المعطى واحداً من المؤشرات الأخرى التي فرضت على ألمانيا دخول تحدٍ جديدٍ، بسبب اللاجئين.
صورة من: picture-alliance/dpa/I. Fassbender
بداية أحداث قلبت الموازين
كانت أحداث كولونيا، التي وقعت في ليلة رأس السنة الجديدة 2016/2015 بداية فاصلة لتغير مزاج الألمان تجاه اللاجئين. حيث شهدت تلك الليلة عملية تحرش جماعي كبرى لم تشهدها ألمانيا من قبل. تلقت الشرطة مئات البلاغات من نساء تعرضن للتحرش والسرقة وفتحت الشرطة أكثر من 1500 تحقيق لكن السلطات لم تنجح في التعرف إلا على عدد قليل من المشتبه بهم، الذين كانت ملامحهم شرق أوسطية وشمال إفريقية، طبقا لشهود.
صورة من: picture-alliance/dpa/M. Böhm
مطالب بالترحيل
أعمال التحرش الجنسي في كولونيا، ليلة رأس السنة، تسببت في موجة استياء واسعة في ألمانيا بداية من عام 2016، وقد دفعت كثيرين للمطالبة بتشديد القوانين لترحيل الجناة وجعلت آخرين يطالبون بتفادي تجريم فئة معينة في المجتمع. وكانت حركة "بغيدا" أهم الأطراف، التي دعت إلى وقف تدفق اللاجئين على ألمانيا. وتعارض هذه الحركة الشعبوية بوجه خاص إيواء لاجئين من دول إسلامية بدعوى أن ثقافتهم لا تنسجم مع القيم الغربية.
صورة من: picture-alliance/dpa/M. Kappeler
تحديد سقف لعدد اللاجئين
على خلفية اعتداءات كولونيا ليلة رأس السنة، وجد زعيم الحزب الاجتماعي المسيحي المحافظ آنذاك هورست زيهوفر في الواقعة فرصة للتأكيد على طلبه الرئيسي المتمثل في تحديد سقف أعلى لعدد اللاجئين المسموح لهم بدخول ألمانيا. لكن ميركل كانت قد رفضت الأمر في مؤتمر حزب "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" (البافاري) في ميونيخ.
صورة من: picture-alliance/dpa/D. Karmann
هجمات متفرقة ينفذها لاجئون
وقام بعض اللاجئين بأعمال عنف و"إرهاب" جعلت مؤيدين كُثراً يسحبون دعمهم لسياسة الترحيب. ومن أبرز هذه الاعتداءات، ما حصل بمدينة أنسباخ جنوبي ألمانيا. فقد فجَّر طالب لجوء سوري عبوة ناسفة من صنعه وهو ما أدى إلى مقتله وإصابة 12 شخصاً. كما أصاب طالب لجوء آخر (2016) خمسة أشخاص بجروح بفأس وسكين على متن قطار في فورتسبورغ.
صورة من: Reuters/M. Rehle
هجمات معادية للاجئين
وفي المقابل قام أشخاص بالاعتداء على مجموعة من مراكز إيواء اللاجئين مثل إضرام الحريق في مركز فيرتهايم. كما شهدت بعض المدن الألمانية مظاهرات معادية لاستقبالهم. هذه التصرفات دفعت المستشارة ميركل للقول إنه لا تسامح مع اليمينيين المتطرفين الذين يقومون بهجمات ضد اللاجئين.
صورة من: picture-alliance/dpa/R. Engmann
عملية دهس وراءها داعش!
في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2016 اهتزت برلين لفاجعة الدهس بشاحنة، التي أدت لمقتل 12 شخصاً وإصابة 48 آخرين. هذا العمل الإرهابي قام به لاجئ في ألمانيا، فقد وُجهت التهمة لأنيس العامري، وهو تونسي الجنسية، كان يبلغ حينها 24 عاماً، باختطاف شاحنة بولندية ضخمة، ودهس بها تجمعاً بشرياً بأحد أسواق أعياد الميلاد في قلب برلين، قبل أن تقتله الشرطة الإيطالية. وقد أعلنت "داعش" فيما بعد تبنيها للاعتداء.
صورة من: picture-alliance/dpa/M. Kappeler
سياسة ميركل في مرمى الانتقادات
تصاعد الأزمات، وتفاقم المشاكل جعل شعبية المستشارة ميركل تقل، فقد اتهمها منتقدوها بأن سياسة "الباب المفتوح" التي اتبعتها فاقمت الأوضاع من خلال تشجيع المزيد من اللاجئين على الدخول في رحلاتهم الخطرة نحو أوروبا. وفي سبتمبر 2016 بدأت ألمانيا أيضا بعمليات مراقبة مؤقتة على حدودها مع النمسا.
صورة من: Getty Images/J. Simon
هل ستستقبل ألمانيا لاجئين جدد؟
أعلنت المفوضية الأوروبية لشؤون اللاجئين موافقة الحكومة الألمانية على استقبال 10 آلاف لاجئ ضمن برنامج "إعادة التوطين" التابع للاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي يحاول وزير الداخلية الألمانية الإسراع بفتح مراكز جديدة للاجئين تتولى استقبال اللاجئ والبت في قراره ثم ترحيله في حالة رفض طلبه. بالإضافة إلى توجهه نحو التشدد حيال لمّ شمل عائلات اللاجئين الحاصلين على الحماية الثانوية. إعداد: مريم مرغيش