تفجر الخلاف الحدودي بين العراق والكويت من جديد بعدما تسببت خرائط عراقية أودعت لدى الأمم المتحدة في إشعال توتر بين البلدين. وأعادت الخطوة إحياء النزاع على خور عبد الله رغم عقود من الاتفاقات ومساعي التهدئة.
تتركز الخلافات البحرية بين العراق والكويت حول منطقة خور عبد الله، الواقعة بين شبه جزيرة الفاو العراقية وجزيرتي بوبيان ووربة التابعتين لدولة الكويت.صورة من: Gustavo Ferrari/AP Photo/picture alliance
إعلان
عاد الخلاف الحدودي بين العراق والكويت إلى الواجهة مرة أخرى بعد أن قدم العراق مؤخرا خريطة وإحداثيات جغرافية إلى الأمم المتحدة لتحديد ما يقول إنها مناطق عراقية في مياه الخليج، وهي مناطق تقول الكويت إنها تمثل تعديا على أراضيها.
وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين البلدين منذ الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2003، الذي غزا الكويت عام 1990، فإن حدودهما البحرية، خاصة في منطقة خور عبد الله، ما زالت تمثل سببا دائما للتوتر بين الجارتين.
تُعدّ أزمة خور عبد الله من أعقد الملفات بين العراق والكويت، لما تحمله من تشابكات قانونية وسيادية واقتصادية ما يجعلها أحد أكثر النقاط حساسية في علاقات البلدين.صورة من: HUSSEIN FALEH/AFP
خور عبد الله.. محور مهم للعراق والكويت
تتركز الخلافات البحرية بين العراق والكويت حول منطقة خور عبد الله، الواقعة بين شبه جزيرة الفاو العراقية وجزيرتي بوبيان ووربة التابعتين لدولة الكويت.
إعلان
ولا يمكن النظر إلى خور عبد الله باعتباره منطقة عادية، بل يمثل ممرا بحريا محوريا من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية لكل من العراق والكويت، بسبب دوره الحيوي في حركة الملاحة البحرية.
بالنسبة للعراق، يمثل خور عبد الله المنفذ البحري الأساسي للسفن المتجهة إلى ميناء أم قصر. وفي ضوء ذلك، يمنح خور عبد الله العراق أهمية قصوى بالنظر إلى محدودية منافذه البحرية على الخليج، خاصة مع اعتماد بغداد بصورة كبيرة على هذا الممر لضمان استمرارية النشاط التجاري ودخول الواردات الحيوية.
أما بالنسبة للكويت، فيشكل خور عبد الله ممر العبور الرئيسي للسفن المتجهة إلى ميناء مبارك الكبير، الذي شرعت الكويت في إنشائه عام 2011. وترى الكويت أن الحفاظ على حرية وانسيابية الملاحة في هذا الممر يمثل عنصرا أساسيا في خططها التنموية ومشاريعها الاستراتيجية في شمال البلاد.
وفي تقرير موسع، قال المجلس الأطلسيإن الخلاف بشأن منطقة خور عبد الله يؤثر على مشاريع التنمية الإقليمية، خصوصا ميناء الفاو الكبير ومشروع طريق التنمية في العراق، اللذين يهدفان إلى جعل العراق مركزا لوجستيا يربط الخليج بأوروبا.
وأضاف التقرير أن العراقيين يرون أن ميناء مبارك الكبير الكويتي، وهو جزء من رؤية الكويت 2035 ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية، يقيد الوصول البحري ويهدد جدوى مشاريعهم. لكن في المقابل، يؤكد المسؤولون الكويتيون أنه يكمل ولا يعرقل جهود تعزيز الترابط التجاري الإقليمي.
توصلت الكويت والعراق عام 2012 إلى اتفاقية تحمل اسم "اتفاقية خور عبد الله"، تهدف إلى تنظيم الملاحة البحرية وضمان مصالح الطرفين.صورة من: Murtadha Sudani/Anadolu Agency/picture alliance
خور عبد الله.. خلاف يعود إلى الدولة العثمانية
يعود الجدل حول منطقة خور عبد الله إلى بدايات القرن العشرين، حين كانت الكويت خاضعة للحماية البريطانية بموجب اتفاقية عام 1899. وفي تلك الفترة، بدأت محاولات رسم الحدود بين الكويت والمناطق التي كانت تحت الإدارة العثمانية، بما في ذلك العراق.
وفي عام 1913، توصلت كل من بريطانيا والدولة العثمانية إلى اتفاق عُرف باسم الاتفاقية العثمانية البريطانية أو ما تُعرف بـ "المعاهدة الأنجلو-العثمانية"، تضمن خطوطا أولية لترسيم الحدود بين العراق والكويت، بحسب كتاب نشرته جامعة كامبريدغ.
لكن هذا الاتفاق لم يُنفذ عمليا بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، ما أبقى بعض المناطق ومنها خور عبد الله دون حسم نهائي. وفي عام 1922، جاءت اتفاقية العقير لتضع إطارا جديدا للحدود البرية بين الطرفين، لكنها لم تُنه الإشكالات المتعلقة بالممر البحري، بحسب موسوعة "بريتانيكا".
ومع حلول عام 1932، قام رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري السعيد بتحديد الحدود مع الكويت في مراسلات رسمية مع المندوب السامي البريطاني، بحسب صحف ارشيفية غربية.
وفي عام 1963، اعترف العراق رسميا بهذه الحدود، ليصبح ذلك الأساس القانوني الذي استندت إليه العلاقات الحدودية بين البلدين لاحقا. ومع ذلك، ظل الخلاف حول خور عبد الله قائماً مثلما كان في الاتفاقيات السابقة.
ما بعد الغزو العراقي
بعد غزو العراق للكويت، أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 773 عام 1992، الذي أيد تشكيل لجنة مختصة بترسيم الحدود بين البلدين.
وبعد عام واحد، اعتمد مجلس الأمن القرار 833، الذي ثبّت الحدود وفقا لتوصيات تلك اللجنة. ومع ذلك، لم تُحسم بعض الترتيبات التنفيذية والإدارية المتعلقة بتنظيم حركة الملاحة في خور عبد الله.
وفي عام 2003، استأنف العراق والكويت علاقاتهما الدبلوماسية بعد سقوط نظام صدام حسين. ولاحقا، وقع البلدان في عام 2012 اتفاقية لتنظيم الملاحة في خور عبد الله، صادق عليها العراق عام 2013، ثم أُودعت لدى الأمم المتحدة.
وفي أبريل/نيسان 2012، توصلت الكويت والعراق إلى اتفاقية تحمل اسم "اتفاقية خور عبد الله"، تهدف إلى تنظيم الملاحة البحرية وضمان مصالح الطرفين، وجرى التصديق عليها في بغداد في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2013.
لكن بعد نحو عشر سنوات، وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2023، قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله، مشيرة إلى أن عملية المصادقة لم تتم وفقا للدستور العراقي الذي يفرض موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على المعاهدات الدولية في حين حصلت الاتفاقية حينها على الأغلبية البسيطة فقط.
تعرّض رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لانتقادات بعد تسريب وثائق تتهمه بمحاولة إعادة تفعيل اتفاقية خور عبد الله البحرية سرا مع الكويت، رغم بطلانها قضائيا عام 2023.صورة من: Nabil Al-Jurani/AP Photo/picture alliance
ما الحل الممكن؟
ويرى تقرير المجلس الأطلسي أنه إذا رفض البرلمان العراقي التصديق على الاتفاقية، فلا بد من إيجاد حل دائم وقابل للتنفيذ. المفتر وأضاف أن هذا الحل يجب أن يقوم على إعادة الانخراط بين الطرفين، ويرتكز على العدالة والمصالح الاقتصادية المشتركة واحترام القانون الدولي والدستور.
وأشار التقرير إلى أنه إذا قرر العراق و الكويت حل نزاعهما عبر محكمة العدل الدولية ، فإن قضية ترسيم الحدود البحرية بين قطر والبحرين تشكل سابقة مهمة للغاية لحل النزاعات البحرية في الخليج بالطرق السلمية.
ويخلص التقرير إلى أن نزاع خور عبد الله يتجاوز كونه خلافا تقنيا حول الحدود البحرية، إذ يمكن للعراق والكويت تحويل هذا النزاع الشائك إلى نموذج للدبلوماسية الإقليمية واحترام النظام القانوني الدولي، مع إظهار التزام واضح بالقانون والهيئات القضائية الدولية.
تحرير: عبده جميل المخلافي
نهر دجلة.. شريان العراق الحيوي ضحية للتغير المناخي وسدود تركيا
بعد أن كان ينساب لآلاف السنين مارا بجنة عدن وسومر وبابل، بات نهر دجلة عرضة للتغير المناخي والجفاف والنشاط البشري الجائر مهدداً وجود شريان الحياة هذا. وضاعف بناء السدود التركية عند منبع النهر من تراجع منسوب المياة.
صورة من: Ayman Henna/AFP
روى نهر جنة عدن وسومر وبابل عبر التاريخ، لكنه بات اليوم يصارع الموت. إذ يهدّد النشاط البشري الجائر والتغيّر المناخي بمحو شريان حياة عمره آلاف السنوات في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 42 مليونا، ويعتبر مصدرا للحضارة وللزراعة، الكوارث الطبيعية لا تعد ولا تحصى.
صورة من: Murtadha Ahmed
باتت ظاهرة التغير المناخي ماثلة للعيان فبدءا من نيسان/ أبريل، تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وتتتالى العواصف الرملية مغطية البشر والحيوانات والآلات بغشاء برتقالي. ثم يحل فصل الصيف، موسم الجحيم بالنسبة إلى العراقيين، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية وتنقطع الكهرباء بسبب زيادة الضغط على الشبكة.
صورة من: Mohammed Falah Ibrahim/AA/picture alliance
أصبح العراق اليوم واحدا من أكثر خمسة بلدان في العالم عرضة لعواقب تغيّر المناخ، بحسب الأمم المتحدة، مع الجفاف وانخفاض نسبة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والتصحّر المتسارع. وتأثّر بذلك نهر دجلة مع تراجع الأمطار، وكذلك بسبب السدود المبنية في تركيا حيث ينبع النهر.
صورة من: Ayman Henna/AFP
تبدأ الرحلة العراقية لنهر دجلة في جبال كردستان العراق عند تقاطع العراق وسوريا وتركيا. هنا، يكسب السكان لقمة عيشهم من خلال زراعة البطاطا وتربية الأغنام.
صورة من: Ismael Adnan/AFP
تتهم السلطات العراقية والمزارعون الأكراد في العراق تركيا بقطع المياه عن طريق احتجازها في السدود التي أنشأتها على المجرى قبل وصوله الى العراق. وتؤكد الإحصاءات الرسمية ذلك: فمستوى نهر دجلة لدى وصوله من تركيا هذا العام لا يتجاوز 35 في المئة من متوسط الكمية التي تدفقت على العراق خلال المئة عام الماضية.
صورة من: Getty Images/B. Kara
كلما ازداد احتجاز المياه، قلّ تدفق النهر الذي يمتدّ على 1500 كيلومتر يجتازها نهر دجلة قبل أن يندمج مع توأمه نهر الفرات ويلتقيا في شط العرب الذي يصب في الخليج. ويشكّل هذا الملف مصدرا للتوتر الدائم في العلاقات بين تركيا والعراق.
صورة من: Ismael Adnan/AFP
تطلب بغداد بانتظام من أنقرة الإفراج عن كميات أكبر من المياه. وردا على ذلك، دعا السفير التركي لدى العراق علي رضا غوني في تموز/ يوليو الماضي العراقيين إلى "استخدام المياه المتاحة بفعالية أكبر". وأضاف في تغريدة "المياه مهدورة على نطاق واسع في العراق".
صورة من: Ayman Henna/AFP
الخبراء بدورهم يتحدّثون عن أساليب ريّ طائشة: كما في زمن السومريين، يستمر المزارعون العراقيون في إغراق حقولهم لريّها ما يؤدي إلى هدر هائل في المياه.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/A. Khalil
في بعض الأماكن، يبدو النهر مثل برك ناتجة عن مياه الأمطار. فالتجمعات الصغيرة للمياه في مجرى نهر ديالى هي كل ما تبقى من رافد نهر دجلة في وسط العراق الذي بدونه، لا يمكن زراعة أي شيء في المحافظة. وبسبب الجفاف، خفضت السلطات هذا العام المساحات المزروعة في كل أنحاء البلاد إلى النصف. ونظرا إلى أن لا مياه كافية في ديالى، فلن يكون هناك حصاد.
صورة من: ddp images/AP Photo/Hadi Mizban
بحلول 2050، "سيؤدي ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة وانخفاض المتساقطات بنسبة 10 بالمائة، إلى انخفاض بنسبة 20 بالمائة في المياه العذبة المتاحة" في العراق، وفق ما حذّر البنك الدولي نهاية عام 2021.
صورة من: Ahmad Al-Rubaye/AFP
بدورها حذّرت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية في حزيران/ يونيو الماضي من أن ندرة المياه والتحديات التي تواجه الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، هي من "الدوافع الرئيسية للهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية" في العراق. ووفقا لمنظمة الهجرة الدولية نزحت بحلول نهاية آذار/ مارس 2022 أكثر من 3300 أسرة بسبب "العوامل المناخية" في عشر مقاطعات من وسط البلاد وجنوبها.
صورة من: Ahmad Al-Rubaye/AFP
هذا الصيف، كان منسوب دجلة منخفضا في بغداد. وتقول وزارة الموارد المائية ذلك الى "الرواسب الرملية". ونظرا للرواسب لم تعد تنصرف باتجاه الجنوب بسبب نقص تدفّق المياه، تراكمت في قاع النهر واختلطت بالمياه المبتذلة، ما أدى إلى صعوبة تدفق مياه النهر.
صورة من: Hadi Mizban/AP Photo/picture alliance
حتى وقت قريب، كانت الحكومة ترسل آلات لشفط الرمال الراكدة في قاع النهر، لكن بسبب نقص الموارد، توقّفت غالبية المضخات عن العمل. ومع انخفاض منسوب المياه العذبة، بدأت مياه البحر تغزو شط العرب. وتشير الأمم المتحدة والمزارعون بأصابع الاتهام إلى أثر تملّح المياه على التربة وانعكاساته على الزراعة والمحاصيل.
صورة من: Andrew Parsons/EPA/dpaweb/picture-alliance
بلغ مستوى الملوحة في شط العرب في شمال البصرة 6800 جزء في المليون، وفق ما أفادت السلطات المحلية مطلع آب/ أغسطس 2022. من حيث المبدأ، لا تتجاوز نسبة الملوحة في المياه العذبة ألف جزء في المليون، وفقا لمعايير المعهد الأمريكي للجيوفيزياء الذي يحدّد مستوى المياه "المتوسطة الملوحة" بين ثلاثة و10 آلاف جزء في المليون.
صورة من: Nabil al-Jurani/AP Photo/picture alliance
وأدى ذلك إلى هجرة أنواع معينة من أسماك المياه العذبة التي تحظى بشعبية كبيرة لدى الصيادين من شط العرب، ما يتسبب في ظهور أنواع أخرى تعيش عادة في أعالي البحار.
صورة من: Ismael Adnan/ZUMAPRESS.com/picture alliance