بكين وحرب إيران.. استراتيجية تأثير أم استعراض دبلوماسي؟
عادل الشروعات
٤ أبريل ٢٠٢٦
في خضم تصاعد الحرب مع إيران، تتحرك الصين دبلوماسيا لفرض حضورها الدولي عبر مبادرة سياسية جديدة، وسط تشكيك أمريكي في جدواها، ومخاوف متزايدة من تداعيات الصراع على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
تكثف الصين تحركاتها الدبلوماسية بشأن حرب إيران، ساعية لتعزيز دورها الدولي وسط شكوك أمريكيةصورة من: mehrnews
إعلان
تكثف الصين تحركاتها الدبلوماسية على وقع الحرب في إيران، في محاولة لإبراز حضورها كلاعب دولي مؤثر، عبر طرح مبادرة مشتركة من خمس نقاط مع باكستان، وحشد دعم دول الخليج، إلى جانب معارضتها لمقترح أممي يجيز استخدام القوة لفتح مضيق هرمز.
ويعكس هذا الحراك طموح بكين لتعزيز دورها في إدارة الأزمات العالمية، إلا أن مراقبين يرون أن هذه الجهود قد تبقى في إطار الخطاب السياسي أكثر من كونها مساعٍ عملية، خاصة في ظل فتور الاستجابة الأمريكية.
وترى سون يون، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون بواشنطن، أن الحرب تمثل "فرصة لا يمكن أن تفوّتها الصين لإظهار قيادتها ومبادرتها الدبلوماسية"، مؤكدة أن تداعياتها تتجاوز حدود المنطقة لتشمل العالم بأسره. بينما في المقابل، يشكك دبلوماسيون أمريكيون سابقون في جدوى هذا التحرك، كما تنقل وكالة أسوشيتد برس.
إذ وصف داني روسل المبادرة الصينية بأنها "أقرب إلى الاستعراض"، مشبّها إياها بخطة بكين السابقة بشأن أوكرانيا، التي اعتبرها "مليئة بالعموميات دون خطوات تنفيذية واضحة".
فتور أمريكي وتحفظات سياسية
وأضاف أن الصين تسعى لترسيخ سردية تقدم نفسها فيها كقوة مسؤولة تدعو للسلام، مقابل تصوير واشنطن كطرف متهور، فيما تؤكد بكين، من جانبها، أنها تعمل "بلا كلل" لدفع جهود السلام، بحسب المتحدث باسم سفارتها في واشنطن.
إعلان
ولا تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متحمسة لفكرة الوساطة الصينية، إذ تشير تقديرات مسؤولين أمريكيين إلى غياب الرغبة في منح بكين فرصة لتعزيز نفوذها الدولي أو تسجيل اختراق دبلوماسي في الشرق الأوسط.
ويصف مسؤولون الموقف الأمريكي بأنه "محايد حذر"، مع احتمال تغيّره تبعًا لمواقف ترامب، خاصة قبيل لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، كما أن استمرار الحرب قد يؤثر على جدول الزيارة، التي تم تأجيلها في السابق.
حسابات اقتصادية ودبلوماسية نشطة
رغم الاضطرابات في مضيق هرمز، تبدو الصين أقل تأثرًا مقارنة بغيرها من الدول، بفضل تنويع مصادر الطاقة وامتلاكها احتياطات استراتيجية. كما أن اعتمادها على النفط الإيراني لا يتجاوز نحو 13% من وارداتها، بحسب وكالة أسوشيتد برس.
ومع ذلك، تحذر تقديرات من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات، ما يجعله عرضة لتقلبات أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد.
وفي إطار تحركها المكثف، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة واسعة من الاتصالات مع نظرائه في عدد من الدول، شملت قوى إقليمية ودولية، داعيا إلى وقف العمليات العسكرية والانخراط في مسار سياسي.
كما استضافت بكين اجتماعا مع الجانب الباكستاني لبلورة المبادرة المشتركة، التي تركز على وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق، إلى جانب إرسال مبعوثين وإجراء عشرات الاتصالات لتعزيز التهدئة.
وسعت الصين كذلك إلى كسب دعم أوروبي، حيث ناقش وانغ الخطة مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، معتبرا أنها تعكس توافقا دوليا واسعا.
مبادرة بلا صدى واضح
في المقابل، عارضت بكين مقترحا تقدمت به البحرين في الأمم المتحدة يسمح باستخدام القوة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، معتبرة أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد بدل احتواء الأزمة. وبينما خفّفت البحرين من صيغة المقترح لتفادي اعتراضات دولية، تأجل التصويت عليه إلى وقت لاحق، في ظل استمرار الانقسام داخل مجلس الأمن.
ورغم هذا النشاط، لم تلقَ المبادرة الصينية الباكستانية تفاعلًا يُذكر من جانب الولايات المتحدة، التي ترى أنها تفتقر إلى آليات تنفيذية واضحة، وتقتصر على دعوات عامة لاحترام القانون الدولي وتعزيز دور الدبلوماسية. وفي ظل هذا المشهد، يبقى الدور الصيني محل اختبار: هل سيتحول إلى تأثير فعلي على مجريات الأزمة، أم سيظل في إطار الرسائل السياسية والسعي لكسب النفوذ الدولي؟
تحرير: ف.ي
يشهد مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي تمر عبره نحو خمس تجارتي النفط والغاز في العالم، توترات وحوادث مستمرة. ودأبت طهران على التلويح بإغلاق المضيق. ومع حرب إيران الحالية عاد هذا الممر الحيوي إلى صدارة الأخبار.
صورة من: AFP/A.Kenare
ممر استراتيجي عرضة للمخاطر
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان ويربط مياه الخليج بخليج عُمان، ويُعد من أكثر الممرات البحرية عرضة للمخاطر، نظراً لضيق عرضه البالغ نحو 50 كيلومترا وعمقه الذي لا يتجاوز 60 متراً. تنتشر في المضيق جزر صحراوية وجزر ذات كثافة سكانية منخفضة، لكنها ذات أهمية استراتيجية كبيرة، بينها جزر هرمز وقشم ولارك الإيرانية.
صورة من: NASA/The Visible Earth/dpa/picture alliance
على الساحل العُماني، تقع شبه جزيرة مسندم قبالة إيران، وتفصلها عن بقية السلطنة أراض تابعة للإمارات. وقبالة سواحل الإمارات، تشكل الجزر الثلاث طُنب الكبرى وطُنب الصغرى وأبو موسى نقطة تطل على سواحل الخليج. وتسيطر إيران على الجزر الثلاث منذ عام 1971، بينما تطالب بها الإمارات.
صورة من: idehshot
احتجاز سفن
تعود السيطرة الإيرانية في المضيق إلى القوات البحرية للحرس الثوري. واتّهمت واشنطن في 2023 طهران باحتجاز نحو 20 سفينة ترفع أعلاماً دولية في المنطقة خلال العامين السابقين. وتندّد إيران بوجود قوات أجنبية في المنطقة، أبرزها الأسطول الخامس الأمريكي ومقره في البحرين. وسبق لمسؤولين إيرانيين التلويح بإغلاق هرمز كورقة للضغط.
صورة من: Iranian Army/Anadolu Agency/IMAGO
هجمات غامضة
إلى جانب التهديدات والتوترات، يشهد مضيق هرمز حوادث بحرية من حين لآخر. وتزايدت الحوادث في الممر عقب انسحاب الولايات المتحدة في العام 2018 من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرضها عقوبات على الجمهورية الإسلامية. وفي العام 2019، أثارت هجمات غامضة على سفن في منطقة الخليج، وإسقاط طائرة مسيرة واحتجاز ناقلات نفط، مخاوف من تصعيد بين طهران وواشنطن.
صورة من: Iranian Army Office/ZUMA/IMAGO
"حرب الناقلات"
تعود أبرز الاضطرابات في مجال نقل النفط إلى العام 1984، في خضم الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) خلال "حرب الناقلات"، حين تم تدمير أو إلحاق ضرر بأكثر من 500 سفينة. وكانت طهران زرعت ألغاماً في مناطق من المضيق لعرقلة الملاحة البحرية، فيما تعهّدت واشنطن حينها بضمان بقاء الممر مفتوحا. وفي نيسان/أبريل 1988، اصطدمت فرقاطة "يو إس إس صامويل بي. روبرتس" بلغم بحري وكادت أن تغرق.
صورة من: Sepahnews/ZUMA/IMAGO
شريان استراتيجي للنفط والغاز
مضيق هرمز هو طريق الشحن الرئيسي الذي يربط الدول الغنية بالنفط في الشرق الأوسط بأسواق آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. وفي 2024، عبَر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يوميا، ما يمثّل نحو 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي من النفط. ومرَ عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، القادم أساساً من قطر. وفي حال تعطّلت حركة الملاحة في المضيق، تمتلك السعودية والإمارات بنية تحتية بديلة.
صورة من: Hamad I Mohammed/REUTERS
استفزازات إيرانية
في مطلع شباط/فبراير الجاري، اقتربت زوارق حربية إيرانية من ناقلة نفط أمريكية وأمرتها بالتوقف أثناء عبورها مضيق هرمز، لكنها واصلت الابحار بمواكبة سفينة حربية أمريكية. وأفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية أنّ السفينة دخلت "بطريقة غير مشروعة" في مضيق هرمز، وأنها "تلقت إنذاراً وغادرت المياه الإيرانية على الفور".
صورة من: Planet Labs PBC/AP/picture alliance
مهاجمة سفينة "مرتبطة بإسرائيل"
في 29 تموز/يوليو 2021، أدى هجوم في بحر عُمان على ناقلة نفط تشغلها شركة يملكها رجل أعمال إسرائيلي إلى مقتل شخصين، بريطاني وروماني. واتهمت إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا ورومانيا طهران التي نفت ضلوعها. واحتجزت إيران في نيسان/أبريل 2024 سفينة حاويات ترفع العلم البرتغالي قرب مضيق هرمز قالت إنها "مرتبطة بإسرائيل".
صورة من: IRNA Agency
اساقط طائرة مدنية إيرانية
في تموز/يوليو من العام نفسه، أُسقطت طائرة إيرباص A-300 تابعة للخطوط الجوية الإيرانية، كانت تحلق بين بندر عباس ودبي، بصاروخين أطلقتهما فرقاطة أمريكية كانت تقوم بدورية في المضيق، ما أسفر عن مقتل 290 شخصاً. وادعى طاقم الفرقاطة "يو إس إس فينسينس" أنهم ظنوا خطأً أن الطائرة مقاتلة إيرانية تشكل تهديداًً.