في رأي خبراء أوكرانيين، لم تكن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى سوريا مجرد وسيلة لتعزيز العلاقات، بل جاءت أيضًا بسبب حسابات استراتيجية ضد روسيا، فهي تفتح لأوكرانيا العديد من مجالات التعاون.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماعهما يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026 في دمشقصورة من: Izz Aldien Alqasem/Anadolu/picture alliance
إعلان
يصف خبراء أوكرانيون زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى سوريا بأنَّها زيارة "تاريخية". ففي نهاية زيارته إلى الشرق الأوسط، قام رئيس أوكرانيا التي دمرتها الحرب، بزيارة لدولة عربية كانت حتى وقت قريب حليفة وثيقة لروسيا. وتعبر إقامته في دمشق ومحادثاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع في 5 نيسان/أبريل عن استئناف الجهود الدبلوماسية الأوكرانية وتعزيزها في المنطقة.
وحول زيارته سوريا قال الرئيس الأوكراني: "اتفقنا على العمل معًا لتوفير المزيد من فرص الأمن والتنمية لمجتمعينا. وناقشنا الوضع في المنطقة وآفاق تحسينه. وتحدثنا أيضًا حول الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وأنا ممتن للدعم. ويوجد اهتمام كبير بتبادل الخبرات العسكرية والأمنية".
وأشار زيلينسكي إلى أنَّ أوكرانيا، وهي منتج رئيسي للحبوب، تريد المساهمة في تعزيز الأمن الغذائي في الشرق الأوسط، وأكد على أنَّ كييف مورّد موثوق، وأنَّ بلاده تدرك جيدًا التحديات التي تواجه سوريا في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.
إعلان
"ضربة واضحة للكرملين"
"كانت سوريا لعقود طويلة دولة مؤيدة جدًا لروسيا، مع دعاية سياسية مناسبة ورؤية للعالم تتمحور حول موسكو بين النخب وعامة الشعب. ولكنها تشهد الآن هذه القطيعة الجيوسياسية مع موسكو"، في نظر سيرغي دانيلوف من مركز كييف لدراسات الشرق الأوسط في حوار مع DW.
صورة لفلاديمير بوتين وأخرى لبشار الأسد على لافتة في سوريا عام 2017صورة من: Kyodo News/imago
التقى الرئيسان أحمد الشرع وفولوديمير زيلينسكي أول مرة في أيلول/سبتمبر العام الماضي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وفي ذلك الوقت، وقّع وزيرا خارجية البلدين إعلانًا لاستئناف العلاقات الدبلوماسية، التي انقطعت في حزيران/يونيو 2022 بعد اعتراف نظام بشار الأسد بما يسمى "جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين"، اللتين أسسهما في شرق أوكرانيا انفصاليون موالون لروسيا. وخلال زيارة زيلينسكي الحالية إلى سوريا، تم الاتفاق أيضًا على فتح ممثليات دبلوماسية قريبًا في كييف ودمشق.
ويرى دميترو ليفوس، من مركز "ميريديان الأوكراني" للأبحاث الاجتماعية، أنَّ زيارة زيلينسكي إلى سوريا تسلط الضوء على "انهيار الطموحات الروسية". ويضيف أنَّ سوريا كانت تعتبر لفترة طويلة حصنًا منيعًا للنفوذ الروسي، ولكن اليوم الوضع مختلف تمامًا: "أوكرانيا دخلت ساحة جيوسياسية كانت تعتبرها روسيا ساحتها الخاصة، التي تخضع لنفوذها الاحتكاري. وهذا يمثل بكل وضوح ضربة للكرملين"، كما يؤكد ليفوس لـDW.
زيلينسكي في دمشق.. أسلحة وغذاء وأشياء أخرى
30:02
This browser does not support the video element.
الحبوب كأداة سياسية
من الممكن أن يشكل الأمن الغذائي نقطة انطلاق لبداية جديدة في العلاقات بين أوكرانيا وسوريا. ويقول سيرغي دانيلوف: "سوريا كانت تستهلك في عهد بشار الأسد حبوبًا أوكرانية سرقتها روسيا من المناطق المحتلة في خيرسون وزابوروجيا وشبه جزيرة القرم. وهكذا اعتبر الروس هذه الحبوب قانونية".
ولكن الوضع يتغير الآن، بحسب تعبير دانيلوف. فأوكرانيا مستمرة في مطالبة دول المنطقة بالتوقف عن شراء المواد الغذائية المسروقة، حتى تتمكن من تزويد هذه الدول بمواد غذائية قانونية. فقد تم الاتفاق مثلًا بين كييف والقاهرة على أن توقف مصر مثل هذه المشتريات. والآن سوريا في المرحلة التالية.
فولوديمير زيلينسكي وأحمد الشرع - محادثات أوكرانية سورية في دمشقصورة من: Ukrainian Presidency/Handout/Anadolu/picture alliance
ويرى دانيلوف أنَّ المواد الغذائية لا تعد أداة تجارية فقط، بل هي أيضًا أداة سياسية. ويقول إنَّ "أسواق المواد الغذائية هي جزء من أعمال الضغط الحكومي. وتوجد أمثلة على هذا النوع من الضغط السياسي لصالح أوكرانيا على مستوى حكومي".
وبحسب رأيه من الممكن أن تساعد إمدادات المواد الغذائية الأوكرانية في الحد من مخاوف تكرار "الربيع العربي". فبسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأسباب أخرى، اندلعت في عام 2011 احتجاجات جماهيرية وثورات ونزاعات عسكرية داخلية في العديد من الدول العربية. ويقول دانيلوف: "يؤدي التضخم وارتفاع أسعار الوقود اليوم إلى زيادة تكاليف المعيشة في سوريا والأردن وبشكل خاص في مصر". ويضيف أنَّ الدول العربية الفقيرة "قلقة جدًا على الاستقرارها الاجتماعي" وتريد على أية حال تجنب تكرار الأحداث التي وقعت قبل 15 عامًا.
المسيّرات وإزالة الألغام والطاقة
ويرى الخبير ميخايلو هونشار، من مركز الدراسات العالمية "استراتيجية 21"، أنَّ التقنيات العسكرية تمثل مجالًا مهمًا للتعاون بين أوكرانيا وسوريا. ويقول إنَّ أوكرانيا اكتسبت خلال الحرب العدوانية الروسية خبرات قتالية فريدة وتطورات تكنولوجية، تشمل المسيّرات بعيدة المدى والمسيّرات الاعتراضية، وهي مطلوبة في سوريا أيضًا.
"لكن هذا موضوع حساس بالنسبة لإسرائيل، لأنَّها لا تثق بالحكومة السورية الحالية"، كما يقول هونشار. ويضيف أنَّ هذا يجب ألا يكون سببًا يجعل أوكرانيا تفرض قيودًا على نفسها: "يجب علينا العمل انطلاقًا من مصالحنا الوطنية، وهناك آمال في توسيع نطاق التعاون"، كما قال هونشار في حوار مع DW.
وكذلك يشير الخبراء إلى أنَّ سوريا لا تزال لديها أسلحة ومعدات عسكرية سوفيتية تحتاج إلى الإصلاح والصيانة، وبإمكان أوكرانيا القيام بهذه الأعمال.
وبإمكان كييف أيضًا المساعدة في إزالة الألغام وكذلك في إعادة بناء البنية التحتية الخاصة بالطاقة في سوريا، والتي تعاني من مشاكل كبيرة في إمدادات الطاقة. والأوكرانيون لديهم خبرات واسعة في كلا المجالين. "نظرًا إلى آفاق السوق السورية يمكن أن توجد هناك العديد من مجالات التعاون بالنسبة لأوكرانيا - ليس اليوم ولكن على المدى المتوسط"، كما يقول دانيلوف.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عبده جميل المخلافي
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.