تركيا تبدو وكأنَّها انتصرت سياسيًا من الحرب السورية. حيث يراهن الاقتصاد التركي الآن على تعاون متزايد وصفقات مربحة في إعادة إعمار سوريا، بعدما دمرتها الحرب الأهلية.
أدت الحرب الأهلية في سوريا إلى دمار هائل وتضاعف الفقر لأكثر من خمسة أضعاف.صورة من: DW
إعلان
استقبلت تركيا منذ بداية الحرب الأهلية السورية أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري. وهذا العدد بلغ ذروته في عام 2021 بنحو 3.8 مليون لاجئ سوري. وحاليًا يوجد نحو 2.9 مليون لاجئ سوري مسجلين في تركيا. وبحسب معلومات وزير الداخلية التركي علي يرليقايا فإنَّ نحو 730 ألف سوري عادوا إلى وطنهم بين عامي 2016 و2024.
ومنذ بداية الاحتجاجات ضد نظام الأسد في عام 2011، وقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بوضوح إلى جانب المعارضة السورية ، التي استطاعت الاستمرار في عملها من منفاها في تركيا. واستفاد الاقتصاد التركي من اللاجئين السوريين كيد عاملة رخيصة، وكذلك تابع الطلاب السوريون دراستهم في الجامعات التركية.
وزير الخارجية السوري الجديد أسعد حسن الشيباني، الذي درس في تركيا أيضًا، سافر في منتصف كانون الثاني/يناير في زيارة رسمية إلى تركيا، واستقبله الرئيس التركي إردوغان.صورة من: ANKA
وعلى الرغم من الأزمات السياسية والاقتصادية العديدة في تركيا، إلا أنَّ أنقرة حافظت على دعمها للمعارضة السورية، وحتى عندما تغير المزاج العام في البلاد وتزايد الرفض تجاه اللاجئين السوريين. وحكومة حزب العدالة والتنمية التركية تريد الآن - بعد 14 عامًا - أن تجني ثمار جهودها.
صادرات تركية رغم الحرب
وقبل الحرب الأهلية السورية، بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا 1.5 مليار دولار أميركي، وكان الهدف هو زيادته إلى خمسة مليارات. غير أنَّ هذا الهدف أصبح بعيد المنال بعد انحياز إردوغان إلى جانب المعارضة وانقطاع العلاقات بينه وبين نظام الأسد.
ولكن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تنقطع تمامًا. وعلى الرغم من زيادة التوترات بين أنقرة ودمشق فقد تجاوز حجم الصادرات التركية إلى سوريا ملياري دولار كل عام في الفترة من 2021 حتى 2023. وفي العام الماضي، كان معظم الصادرت التركية إلى سوريا من الحبوب والمنتجات الكيميائية والإلكترونيات والحديد الصلب والمأكولات البحرية.
بحسب معلومات وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا فقد عاد نحو 53 ألف سوري إلى وطنهم خلال الأسابيع الأربعة الأولى بعد سقوط نظام الأسد.صورة من: Khalil Hamra/AP Photo/picture alliance
والأتراك واثقون من أنَّ علاقاتهم الاقتصادية مع سوريا ستشهد ازدهارًا قويًا بعد تشكيل حكومة مستقرة في سوريا. وكذلك ترى صناعة الصلب التركية إمكانات كبيرة في سوريا. إذ يقدِّر الأمين العام لاتحاد مصنعي الصلب الأتراك، فيصل يايان، حاجة سوريا من الحديد الصلب في إعادة الإعمار بنحو مليوني إلى وثلاثة ملايين طن. ويقول إنَّ الحديد الصلب ضروري للبنية التحتية بشكل خاص، وإنَّ قرب صناعة الصلب التركية جغرافيًا يقدِّم مزايا لوجستية ويوفِّر في التكاليف، لا سيما وأنَّ أكبر مصنع للحديد الصلب يقع في الإسكندرون على بعد 400 كيلومتر فقط من سوريا.
إعلان
آمال تركية بربيع اقتصادي في سوريا
وعلى الرغم من أنَّ الشركات التركية ترى في سوريا إمكانيات كبيرة، لكن ما يزال يسود لديها بعض التحفظ حاليًا. فالشركات التركية تخطط في الربيع فقط لنشاطات جديدة، إذا استطاعت حتى ذلك الحين الحكومة المؤقتة تحقيق قدر معين من الاستقرار. والشركات التركية تريد في المرحلة الأولى التركيز على التعاون مع شركاء محليين، وخاصة مع شركاء لديهم علاقات جيدة مع النظام الجديد. وهؤلاء الشركاء يجب أن يعملوا كبناء جسور ويقللوا من المخاطر بالنسبة للمستثمرين الأتراك.
يبلغ حاليًا بحسب الأرقام الرسمية عدد السوريين المسجلين في تركيا 2.9 مليون. في الصور لاجئون سوريون يعيشون في مخيمات للاجئين بمدينة غازي عنتاب.صورة من: OZAN KOSE/AFP
ويرى مراد أكيوز، وهو رئيس اتحاد مصدري المنتجات الكيميائية في إسطنبول، أنَّ العائدين السوريين شركاء مهمون للشركات التركية. ويقول إنَّهم يعرفون السوق التركية والسوق السورية ويمكنهم العمل بالتالي كحلقة وصل بين البلدين.
هذا وقد أعربت الحكومة التركية عن اهتمامها الكبير في إحياء العلاقات الاقتصادية سريعًا بين البلدين. وضمن هذا السياق سيسافر قريبًا إلى دمشق وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار مع وفد مرافق لبحث إمكانيات الشراكات في مجال الطاقة. كما أرسل يوم الخميس وزير التجارة التركي عمر بولات نائبه مصطفى توزجو مع وفد مرافق إلى دمشق، من أجل البدء في مفاوضات حول زيادة التعاون. وبحسب مصادر حكومية فقد أسفرت هذه المفاوضات عن التوصل للعديد من الاتفاقات، التي تهدف إلى تسهيل التجارة والاستثمار بين البلدين.
تحتاج إعادة إعمار سوريا - بحسب تقديرات اتحاد مصنعي الصلب الأتراك - ما بين مليونين وثلاثة ملايين طن من الحديد الصلب.صورة من: Anas Alkharboutli/dpa/picture alliance
بيد أنَّ الإجراءات الجمركية الأخيرة، التي اتخذتها الحكومة السورية المؤقتة، تلقي بظلالها على آفاق المصدرين الأتراك. فقد ارتفعت الرسوم الجمركية على السلع التركية بنسبة تصل حتى 500 بالمائة، وذلك بسبب توحيد الإجراءات الجمركية على كافة الحدود السورية. وهذا يحد كثيرًا من قدرة المنتجات التركية على المنافسة داخل السوق السورية.
أعده للعربية: رائد الباش
تاريخ عريق وأهمية استراتيجية.. مدينة حلب تعود لواجهة الأحداث
تعد مدينة حلب، واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة دون انقطاع على مدى آلاف السنين. ولم تفقد حلب أهميتها على مر الزمن وفي مختلف العصور حتى يومنا هذا، وهي ذات أهمية استراتيجية وتعد العاصمة الاقتصادية لسوريا.
صورة من: Peter Heiske
ثاني أكبر مدن سوريا
تقع مدينة حلب في أقصى شمال غرب الهضبة السورية، يخترقها نهر قويق الذي ينبع من تركيا. وتقول بعض المصادر التاريخية إن حلب أقدم مدينة مأهولة في العالم، إذ يعود تاريخها إلى القرن العشرين قبل الميلاد.
صورة من: OMAR HAJ KADOUR/AFP
موقع استراتيجي
تتمتع حلب بموقع استراتيجي، حيث أنها تقع على مفترق طرق تجارية متعددة وكانت تمر منها طرق التجارة القديمة وخاصة طريق الحرير، وكانت نقطة وصل بين الشرق والغرب ومحطة مهمة للقوافل التجارية بين أوروبا وآسيا.
صورة من: picture-alliance/dpa/Sputnik
العصر الذهبي
عرفت حلب أبهى عصورها حين كانت مركزا لإمارة الحمدانيين في الفترة ما بين عامي 944 – 1003م تحت حكم أميرها سيف الدولة الحمداني. كما عاشت حلب عصرها الذهبي في ظل الدولة الأيوبية بين عامي 1183 و1259 ولا سيما في عهد الملك الظاهر غازي حيث أصبحت من أجمل مدن الشرق وأكثرها نشاطا وازدهارا.
صورة من: Reuters/K. Ashawi
تنوع ثقافي وإثني وديني
تعتبر مدينة حلب من أكثر المدن السورية تنوعا، ثقافيا ودينيا وإثنيا. حيث يعيش فيها المسلمون والمسيحيون بمختلف طوائفهم والإيزيديون واليهود سابقا. وحلب كانت دائما موطنا لخليط من الشعوب والإثنيات، وقبل الحرب كان فيها العرب والأكراد والأرمن والتركمان والسريان والآشوريون وغيرهم.
صورة من: Fine Art Images/Heritage Images/picture alliance
قطار الشرق السريع
في العهد العثماني أيضا كانت تتمتع حلب بأهمية كبيرة وحافظت على أهميتها التجارية واصبحت في بعض المراحل سوقا رئيسية للشرق كله. وفي بداية القرن العشرين وصل القطار إلى حلب حيث اتصلت بمدينتي حماه ودمشق بسكة حديدية عام 1906 وبإسطنبول وأوروبا عام 1912 عبر قطار الشرق السريع.
صورة من: United Archives/picture alliance
مركز صناعي هام
تشتهر حلب بصناعاتها التقليدية والحديثة على حد سواء، حيث تتركز فيها أهم الصناعات النسيجية والتحويلية والزراعية والعسكرية أيضا. وقبل اندلاع الأزمة والحرب في سوريا، كانت حلب معروفة بوجود العديد من المراكز والمناطق الصناعية والمصانع الكبيرة.
صورة من: Omar Al Diri/AA/picture alliance
ازدهار اقتصادي وصناعي
قبل بدء الأزمة السورية والحرب، شهدت حلب منذ تسعينيات القرن الماضي وخاصة بعد عام 2000 نموا وازدهارا اقتصاديا كبيرا، وتوسعا في القطاع الصناعي وبناء مدن ومناطق صناعية جديدة ومصانع حديثة وتوسيع وتطوير المطار الدولي. وكان عدد السكان يبلغ نحو 4,5 مليون نسمة، وفي عام 2006 تم اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية.
صورة من: SANA/dpa/picture alliance
معالم وأوابد أثرية
تضم حلب العديد من الأوابد والمعابد الأثرية، حتى داخل المدينة، وأهمها القلعة. تعد قلعة حلب واحدة من أكبر وأقدم القلاع القائمة في العالم وتحفة معمارية تعود إلى القرون الوسطى. وأغلب البناء الحالي يعود إلى عهد الدولة الأيوبية. والقلعة تعد رمزا لمدينة حلب حتى اليوم، وهي تتوسط المدينة القديمة.
صورة من: picture-alliance/dpa/S. Kremer
الجامع الكبير
جامع حلب الكبير أو الجامع الأموي أو جامع بني أمية هو أكبر وأحد أقدم المساجد في مدينة حلب السورية. أدرج عام 1986 على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. شيدت مئذنة المسجد في عام 1090 ودمرت في نيسان/ أبريل من العام 2013 نتيجة للمعارك التي اندلعت هناك بين القوات الحكومية ومقاتلي المعارضة.
صورة من: Imago/imagebroker
أطول سوق مسقوف في حلب
سوق حلب القديم من أبرز معالمها التاريخية ويسمى أيضا بـ "بازار حلب" ويضم العديد من الأسواق والخانات التاريخية. ويعتبر سوق حلب أطول سوق مسقوف في العالم، إذ يبلغ طول المحور الرئيسي من باب أنطاكيا إلى القلعة حوالي 1200 متر إضافة إلى نحو 40 سوقا تتفرع عنه ليتجاوز الطول الإجمالي للسوق 14 كيلومترا.
صورة من: Issam Hajjar
حسابات الحرب والتحالفات العسكرية
نظرا لأهمية حلب التجارية والصناعية والاقتصادية والتاريخية وموقعها الاستراتيجي المهم، كانت دائما تخضع لحسابات الحرب والتحالفات العسكرية على مر العصور، وحتى يومنا هذا.
صورة من: Rami Alsayed/NurPhoto/Imago
تحرك متأخر
حركة الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها سوريا عام 2011 والصراع المسلح والمعارك التي شهدت أجزاء من البلاد، لم تصل حلب إلا متأخرة في العام التالي. حيث دخلت المعارضة حلب واستولت على الجزء الشرقي من المدينة، في حين بقي الجزء الغربي تحت سيطرة قوات النظام.
صورة من: Reuters
معارك عنيفة ودمار هائل
شهدت حلب معارك عنيفة بين فصائل المعارضة المسلحة وقوات النظام التي استخدمت الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية. وبقيت المعارضة مسيطرة على جزء كبير من المدينة حتى عام 2016 حيث استعاد النظام السيطرة عليها. ونتيجة ذلك حل دمار هائل في حلب لم تشهده مدن سوريا الأخرى.
صورة من: Louai Beshar/AFP
عودة فصائل المعارضة
نظرا لأهمية حلب استراتيجيا ودورها وتأثيرها على الأزمة والصراع في سوريا، وثقلها الاجتماعي والاقتصادي، حاول النظام التمسك بها، في حين بقيت فصائل المعارضة تتحين الفرصة وتحضر نفسها للسيطرة عليها من جديد، وهذا ما تحقق لها بالهجوم الكبير المفاجئ الذي شنته هيئة تحرير الشام وحلفاؤها في آواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وسيطرت على مدينة حلب بكاملها بسهولة وسرعة مذهلة بعد انهيار وانسحاب قوات النظام.