طالبان ألمانيان يرويان تجربتهما المرَّة خلال انتفاضة مصر
٨ فبراير ٢٠١١
عاد الطالب ألكسندر بلاغه (24 سنة) الأسبوع الماضي من القاهرة إلى ألمانيا مع عدد آخر من الألمان في طائرة جمبو تابعة لشركة "لوفتهانزا" الألمانية. وكان بلاغه قد سافر إلى العاصمة المصرية في آب/أغسطس الماضي بهدف البقاء سنة كاملة لتعلّم اللغة العربية. وقال بعد عودته منها إن البلد "سحرني باستمرار، ولم أشعر في أي بلد آخر أنني في بيتي كما شعرت في مصر". ولكنه لم يكن يتصور من قبل أنه سيغادر مصر بجواز سفر مؤقتة أصدرته السفارة الألمانية في القاهرة وبجرح في الرأس وذكريات مخيفة لم تكن لتخطر على باله أبدا.
"اعتقال تعسفي للمتظاهرين وقمع عنيف"
لقد كان في يوم الجمعة، 28 كانون الثاني/يناير الماضي عندما أراد ألكسندر بلاغه الخروج من شقته لتنشق الهواء النظيف بعدما وصل الغاز المسيّل للدموع التي استخدمته الشرطة ضد المتظاهرين إلى حيث يسكن. صحيح أنه سمع بأن هناك مظاهرات وأن اشتباكات قوية بين المتظاهرين والشرطة قد نشبت حتى في الحي الذي كان يقطنه آنذاك، إلا أنه لم يسمع بوجود حظر تجول كرد فعل على الاحتجاجات الحاشدة. وكان رجال الأمن تزج بالمتظاهرين، ومن بينهم نساء، في باصات وشاحنات صغيرة بصفة تعسفية وعشوائية وتنقلهم إلى مركز الشرطة وذلك حتى تمنعهم من التظاهر.
وكان ألكسندر بلاغه واحدا من الذين تم نقلهم بصفة تعسفية إلى مركز الشرطة. ومع أنه أبلغ الشرطة عدة مرات بأنه ألماني الجنسية، وأن لا علاقة له بالمظاهرات فان أحدا لم يرد عليه، وفق ما روى. وأضاف الطالب الألماني أنه قبل إصعاده مع متظاهرين آخرين إلى الباصات قد تمت سرقتهم بالكامل فأخذوا منه جواز سفره ومحفظة المال، ما جعله غير قادر على إثبات هويته في مركز الشرطة. وذكر بلاغه أنه أحيل هناك إلى ضابط وهو مربوط اليدين ومعصوب العينين. وبعد أن تجاهل الضابط رغبته الاتصال بالسفارة الألمانية في القاهرة تلقى ضربات على بطنه وجرى تهديده بتعريضه إلى صدمات كهربائية في حال رفضه التعاون. وأضاف أن "عددا من أفراد الشرطة قالوا له مرات عدة بأنهم يفكرون في قتله و اتهام المتظاهرين بفعل ذلك".
"لم أكن أتصور تلك الوحشية في قمع المتظاهرين"
وبعد سبع ساعات أطلقت الشرطة المصرية سراح الطالب الألماني، الذي أصبح خلال تلك الفترة شاهدا، كما قال، على ممارسات تعذيب في حق المعتقلين. وقال إنه شاهد عددا كبيرا من الناس في مقر قيادة الشرطة "معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي يركعون على الأرض ويتلقون الضربات على رأسهم بصورة وحشية بواسطة قضبان خشب وحديد". وأضاف: "أنا متأكد إلى حد كبير بأن بعض المعتقلين توفي بنتيجة الجروح التي أصيب بها" مشيرا إلى "أنني لم أكن أتصور في حياتي بأن تمارس الشرطة مثل هذه الوحشية ضد مواطنين لها".
كما لم تكن الطالبة في العلوم الاثنية ميلاني بيغليبن (27 سنة)، والتي تعيش منذ سنة ونصف في القاهرة، تتصور من قبل ذلك العنف الذي تعرض له المتظاهرون هناك، مشددة على أن هؤلاء إنما كانوا يريدون "حقهم في التظاهر". وتروي الطالبة الألمانية، التي سافرت إلى مصر للقيام بأبحاث خاصة برسالة الماجستير، أنها فرحت عندما جرى الإعلان عن المظاهرات الأولى، لافتة إلى أن الأوضاع المعيشية في البلاد مأساوية إلى درجة أنها دُهشت من عدم وجود احتجاجات اجتماعية."أستاذي الذي يدرسني اللغة العربية يحصل مثلا على أجر يعادل 120 يورو في الشهر يعيل منها عائلة بأسرها."
خيبة أمل من موقف الغرب...وإصرار على العودة
ميلاني بيغليبن تضامنت منذ البداية مع المتظاهرين الذين يطالبون بالحرية والديمقراطية، ولكن عندما بدأ إطلاق النار وأعمال السرقة والنهب "اُصيبت بنوع من الخوف والقلق. "لكنني عدت وشعرت بالأمان بفضل الحراسات العديدة التي قام بها الجيران، كما أن العديد من أصدقائي المصريين بقوا عندي لحمايتي". وأضافت: "عندما انتبهت إلى أنهم هم أنفسهم لا يعرفون ما حصل لعائلاتهم قررت العودة إلى ألمانيا حتى لا أكون عبئا عليهم".
وبدوره لن ينسى ألكسندر بلاغه المساعدة، التي تلقاها من مصريين لا يعرفهم، إذ أنه بعد إطلاق سراحه كان منهكا إلى درجة أنه نام على رصيف أحد الشوارع فحمله مارة ونقلوه إلى كشك قريب حيث جرت معالجة جرح في رأسه وقدموا له ماء وطعاما.
هذه المساعدة أثرت كثيرا في ألكسندر بلاغّه. وقال بعد وصوله إنه مسرور جدا لعودته إلى ألمانيا للتنعم بالأمن فيها، "لكنني أعلم بأن أصدقائي في مصر يفتقدون الأمن، وعلمت أن اثنين من معارفي فقدا حياتهما تحت تعذيب الشرطة لهما". وذكر الطالبان بلاغه وبيغليبن أن أمل أصدقائهما الساعين إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان خاب من الغرب لأنهم كانوا يتوقعون تضامنا مع المتظاهرين وكلاما أوضح بعدم دعم الرئيس حسني مبارك. وأكدا أنهما سيعودان إلى القاهرة بمجرد أن تهدأ الحالة لأنهما لا يريدان ترك أصدقائهما لوحدهم.
خالد الكوطيط / اسكندر الديك
مراجعة: شمس العياري