ظلال حرب إيران على اليمن.. خوف من المجهول وأمل بكسر الركود
صفية مهدي ـ صنعاء
٦ مارس ٢٠٢٦
يترقب اليمنيون بقلق تداعيات التصعيد المرتبط بإيران، في بلد أنهكته حرب مستمرة منذ أكثر من عقد وأزمة اقتصادية خانقة. وبين الخوف من تفاقم المعاناة، يعلق البعض أملا خجولا على أن تحرك التطورات الجمود السياسي والاقتصادي.
"لا يمكننا تحمل بقاء الوضع كما هو عليه ولا نستطيع تصور أن يذهب إلى ما هو أسوأ"، يقول ماجد، وهو يمني يبلغ من العمر 45 عاماً. فمن شأن انعكاسات التصعيد الإقليمي الخطير في محيط بلاده، أن يؤدي إلى توقف الدراجة النارية التي يعمل بها نجله البالغ من العمر 19 عاماً، ويعول بها أسرته المؤلفة من 7 أفراد، حيث تثور المخاوف في اليمن البلد المنكوب أصلاً منذ أكثر من عشر سنوات، من أن يؤدي التصعيد إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الكارثي وتوقف إمدادات الوقود.
ماجد الموظف الحكومي الذي فقد راتبه، كما هو حال مئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين الحكوميين منذ نحو 10 سنوات، خسر خلال عام 2025، مصدر دخل إضافي، جراء إفلاس منشأة خاصة عمل بها في الأعوام الأخيرة، وعلى الرغم من أنه يأمل في أن تؤدي التطورات إلى "تحريك المياه الراكدة" بتحسين فرص العيش ودفع المرتبات في وضع يشهد انهياراً مضطرداً، إلا أنه يشدد على أن مزيداً من التدهور لا يمكن تحمله.
تدهور حاد في الأمن الغذائي
ووفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي والمنشورة في مطلع مارس/ آذار الجاري، لا يزال اليمن يعاني من واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، حيث كشف تقييم الأمن الغذائي وسبل العيش لعام 2025 عن تدهور حاد في استهلاك الغذاء وزيادة في معدلات الضعف الاقتصادي مقارنة بعام 2022.
تأتي حرب إيران في ظروف بالغة التعقيد اقتصادياً وسياسياً في اليمن صورة من: DW
ووفقاً للتقرير الذي أجرى تقييماً شمل 118 مديرية في 11 محافظة، تسيطر عليها الحكومة اليمنية أن 54% من الأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، من بينها 5% تعاني من انعدام حاد، مع تسجيل أعلى المستويات في محافظتي مأرب والجوف بسبب النزاع المحلي وانهيار العملة وارتفاع الأسعار وتداعيات تغير المناخ.
ويوضح التقرير أن نصف الأسر التي شملها المسح تعاني من مستويات غير كافية من استهلاك الغذاء، مع استمرار محدودية التنوع الغذائي وهيمنة الإنفاق على الغذاء الذي يستحوذ على أكثر من 60% من إجمالي نفقات الأسر.
كما أشار إلى هشاشة سبل العيش، حيث يعتمد 37% من الأسر على دخل غير منتظم، في حين لا تفي الرواتب الحكومية غير المنتظمة باحتياجات معظم الأسر. ويحذر التقرير من تفاقم الأمن الغذائي في اليمن ما لم يتم تجديد الدعم الإنساني وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، داعياً إلى تدخلات عاجلة تستهدف تثبيت سبل العيش وتعزيز صمود الأسر الأكثر تضرراً، خاصة النازحين والأسر التي ترأسها نساء وذوي الدخل المحدود.
تأثيرات المحيط وحتى الداخل
ويشدد المحلل الاقتصادي فاروق الكمالي على أن اليمنيين يعيشون وضعاً اقتصادياً لا يحسدون عليه، إذ تأتي هذه الحرب في ظروف بالغة التعقيد اقتصادياً وسياسياً في اليمن وسينعكس "الوضع الإقليمي بالتأكيد على الوضع المحلي". فكما "كان اليمن أكثر الدول تأثراً بحرب الخليج الثانية 1990، التي دفعت إلى عودة آلاف المغتربين وكان لها تأثير سلبي مباشر على البلد، فإن هذه الحرب ستدفع دول الخليج إلى اتخاذ إجراءات سيكون لها أثر بالغ على اليمنيين، عوضا عن احتمال انخراط اليمن في الحرب وبالتالي جعله طرفاً مباشراً في القتال".
بالإضافة إلى ذلك، يقول الكمالي لـDW عربية، إن اليمن يواجه الكارثة الاقتصادية حيث ستتأثر واردات النفط، ويضيف "نعرف أن اليمن مستورد للنفط والغاز، وبالتالي سيكون هناك انعكاس مباشر على تموينات الوقود وأسعارها"، ويرى أن "الحل الوحيد المتاح هو النفط المحلي المتوقف عن التصدير والاستخراج منذ بضعة سنوات، لكنه أيضاً لن يكون حلاً كافياً للمشكلة".
إعلان
مآلات التصعيد أولاً
لا تقتصر مخاوف اليمنيين إزاء التصعيد، على التأثيرات الناتجة عن الأزمة إقليمياً، إذ أن البلد الذي اعتاد على الحرب منذ أكثر من عشر سنوات، ما يزال مهددا بأن تطاله نيران التصعيد، وخصوصاً في ظل سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على صنعاء ومناطق واسعة في البلاد، وما يمكن أن يترتب على أي تحرك أو موقف من قبلها، إزاء تطورات العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما يقابلها من هجمات من الأخيرة صوب الخليج.
وفي حديث خاص لـDW عربية، يربط المحلل العسكري اليمني علي محمد الذهب التأثيرات، أولاً بما إذا كان الحوثيون سيتورطون عسكرياً في الأزمة من عدمه، إذ من شأن التورط أن يجعل المناطق الواقعة تحت سيطرتهم عرضة "لضربات أمريكية وإسرائيلية"، يمكن أن "تكون بالحدة والقسوة والتأثير الذي بلغته الضربة السابقة"، في إشارة إلى العمليات التي استهدفت مراكز استراتيجية واقتصادية حيوية كمصانع الإسمنت والطاقة، عقب الهجمات التي تبنتها الجماعة بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة تجاه إسرائيل.
اليمن 2025 ـ يستبعد الخبير والمحلل العسكري محمد الذهب أي تدخل واسع لقوات التحالف بقيادة السعودية أو الحكومة اليمنية صورة من: Safia Mahdi/DW
ويستبعد الذهب تدخلًا واسعًا لقوات التحالف بقيادة السعودية أو الحكومة اليمنية في هذه المرحلة، نظراً لانشغال القوى الخليجية بتداعيات الأزمة. ويحذر من سيناريو معاكس، حيث "قد يبادر الحوثيون في ظل ما يتعرضون له من ضرب، إذا ما حصل تصعيد، إلى التوسع باتجاه مناطق حساسة... غنية بالنفط والغاز ونحو الساحل".
وبشأن التأثيرات المحتملة على العملية السياسية، يرى المتحدث أن الحوثيين سيكونون الخاسر الأكبر بفقدانهم الدعم الخارجي الإيراني، الذي "سينحسر ليقتصر على الجانب الاستخباري وتبادل المعلومات، مما قد يغير من حساباتهم تجاه السلام".
وفي المحصلة، فإن تفاعلات اليمنيين بين الخوف والأمل، تتباين، فبينما يتمنى ماجد ألا تنطفئ دراجة نجله التي تعول الأسرة وتغطي أدنى احتياجاتها، فإن علي سند، أربعيني آخر، عامل بناء تحدث لـDW عربية، ولم يخفِ أمله في سقوط النظام في إيران، وهو ما يعني بالنسبة له "تجفيفا لمنابع دعم الحوثيين"، مما قد يساهم في استعادة حركة البناء والتنمية، التي يتهم الجماعة بإيقافها، منذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014.
تحرير: عادل الشروعات
اليمن في صور.. حكاية الحرب والانقسام وفرص السلام الصعبة
شهد تاريخ اليمن الحديث الكثير من التحولات والحروب والتحالفات وحتى العداوات دفعت هذا البلد الفقير إلى الانزلاق إلى دوامة العنف. وأمام التدهور المتزايد للوضع الإنساني، تعالت الأصوات مؤخرا بضرورة وقف الحرب في اليمن.
صورة من: AP Photo/picture alliance
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش توصل طرفي النزاع إلى اتفاق لإطلاق النار في الحديدة باليمن. وقبل محادثات السويد بشهر كان غوتيريش قد دعا منذ شهر لوقف فوري "لأعمال العنف" في اليمن والدفع باتّجاه محادثات سلام تضع حداً للحرب، مؤكدا أنه في غياب تحرّك، يمكن أن يواجه ما يصل إلى 14 مليون شخص، أي نصف عدد سكان اليمن، خطر المجاعة في الأشهر المقبلة، مقارنة بتسعة ملايين يواجهون المجاعة حالياً.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/K. Senosi
مدينة الحديدة التي تم التوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار فيها، تعتبر مدينة استراتيجية في اليمن. وتقع على ساحل البحر الأحمر على مسافة 226 كيلومترا من العاصمة صنعاء، ويشكل ميناؤها شريان الحياة لملايين اليمنيين في المدينة والمناطق القريبة منها. وشهدت في الأشهر الأخيرة معارك طاحنة بين قوات الحوثيين المتمردة وقوات الحكومة الشرعية مدعومة بقوات التحالف العربي.
صورة من: picture-alliance/afk-images/H. Chapollion
وجاء تحرك الأمم المتحدة الجديد في الأسابيع الأخيرة في ضوء تغير ملحوظ في موقف الولايات المتحدة من الأزمة في اليمن، حيث أظهرت واشنطن إشارات ضغط على حليفتها السعودية لإنهاء الحرب وإجراء محادثات سلام. فقد دعا وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أطراف الصراع في اليمن إلى الانضمام إلى "طاولة مفاوضات على أساس وقف لإطلاق النار".
صورة من: Getty Images/AFP
بعد عقود من تقسيمه إلى جنوب وشمال واعتناق إيديولوجيتين مختلفتين تماماً، جاء توحيد شطري اليمن عام 1990 إثر انهيار دول المعسكر الاشتراكي، حيث قامت دولة واحدة تحت قيادة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح.
صورة من: picture-alliance/dpa
لكن بعد نحو أربعة أعوام اندلعت حرب أهلية، ففي أبريل/ نيسان 1994 وقع تبادل لإطلاق النار في معسكر تابع لليمن الجنوبي قرب صنعاء، وسرعان ما تطورت لحرب كاملة في 20 مايو/ أيار وقامت حرب 1994 الأهلية في اليمن بعد ثلاثة أسابيع من تساقط صواريخ سكود على صنعاء، وأعلن علي سالم البيض نفسه رئيساً على دولة جديدة سماها جمهورية اليمن الديمقراطية من عدن.
صورة من: picture-alliance/dpa
ولم يعترف أحد بالدولة الجديدة التي أعلنها البيض، لكن السعودية، اللاعب الإقليمي الرئيس في الساحة اليمنية، عملت على إخراج اعتراف من مجلس التعاون الخليجي بالدولة الجديدة، لكن صالح أفشل الجهود السعودية وحال دون انفصال الجنوب عن الشمال مجدداً.
صورة من: AFP/Getty Images/F. Nureldine
بعد سلام لسنوات قليلة، سرعان ما عادت الحرب إلى ربوع اليمن، حين احتج الحوثيون على تهميشهم، وخاضوا من عام 2003 حتى 2009 ست حروب مع قوات صالح ومن ثم حرباً مع السعودية.
صورة من: AFP/Getty Images
في خضم احتجاجات ما يُسمى بـ"الربيع العربي" عام 2011 ضعف حكم الرئيس صالح، لكنها قادت إلى انقسامات في الجيش، ما سمح لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بالسيطرة على مساحات كبيرة في شرق البلاد.
صورة من: picture-alliance/dpa
بعد عام من الاحتجاجات والاعتصامات والكثير من الضحايا تنحى الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 2012 في إطار خطة للانتقال السياسي تدعمها دول خليجية. وضمن الاتفاق أيضاً أصبح عبد ربه منصور هادي رئيساً مؤقتاً ليشرف على "حوار وطني" لوضع دستور شامل على أساس اتحادي.
صورة من: AFP/Getty Images/M. Huwais
في خضم ذلك ومحاولات الرئيس صالح وحلفائه تقويض عملية الانتقال السياسي في البلاد وفق المبادرة الخليجية، ازداد انتشار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2013، رغم الهجمات العسكرية عليه والضربات بطائرات دون طيار، وبات يشن هجمات في مختلف أنحاء البلاد.
صورة من: Reuters
ولم يمض عام حتى تقدم الحوثيون بسرعة انطلاقاً من معقلهم في صعدة وسيطروا على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014 بمساعدة صالح والقوات المتحالفة معه، وطالبوا بالمشاركة في السلطة.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/Hani Mohammed
عام 2015 حاول هادي إعلان دستور اتحادي جديد يعارضه الحوثيون وصالح، ورغم أنه فشل في ذلك لكنه نجح في الهروب من مطاردة الحوثيين له ولجأ إلى السعودية. وبدء التدخل السعودي العسكري في مارس/ آذار بتحالف عسكري عربي تم تجميعه على عجل. بعد شهور يدفع التحالف الحوثيين والموالين لصالح إلى الخروج من عدن في جنوب اليمن وفي مأرب إلى الشمال الشرقي من صنعاء لكن الخطوط الأمامية تستقر لتبدأ فترة جمود.
صورة من: picture-alliance/dpa/AP Photo//Yemen's Defense Ministry
عام 2016 استغل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الفوضى من جديد وأعلن عن إقامة دويلة حول المكلا في شرق اليمن الأمر الذي أثار مخاوف من أن الحرب ستؤدي إلى تصاعد نشاط المتشددين من جديد. الإمارات عملت على مساندة القوات المحلية في معركة لوضع نهاية لوجود التنظيم هناك.
صورة من: AFP/Getty Images
لكن هذه الحروب تركت آثارها على اليمن، فقد انتشر الجوع مع فرض التحالف السعودي حصاراً جزئياً على اليمن واتهامه إيران بتهريب الصواريخ للحوثيين عن طريق ميناء الحديدة مع الواردات الغذائية. وإيران تنفي هذا الاتهام.
كما تسببت الغارات جوية التي شنها التحالف في مقتل مئات المدنيين، ما دفع منظمات حقوقية إلى إطلاق تحذيرات، غير أن الدعم الغربي للسعودية وحلفائها لم ينقطع.
صورة من: Getty Images/AFP/A. Hyder
عام 2017 يمكن تسميته بعام حرب الصواريخ، فقد بات الحوثيون يطلقون عدداً متزايداً من الصواريخ على عمق الأراضي السعودية بما في ذلك الرياض.
صورة من: Reuters/Houthi Military Media Unit
وفي خضم هذه التطورات المستعرة ظهرت خلافات بين صالح وحلفائه الحوثيين، فرأى صالح فرصة لاستعادة أسرته للسلطة من خلال الانقلاب على حلفائه الحوثيين لكنهم قتلوه أثناء محاولة الهرب منهم نحو عدو الأمس السعودية.
صورة من: picture-alliance/dpa/Yahya Arhab
أطلقت القوات التي يدعمها التحالف السعودي بما فيها بعض القوات التي ترفع علم الانفصاليين في الجنوب عملية على ساحل البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين بهدف انتزاع السيطرة على ميناء الحديدة آخر نقاط الإمداد الرئيسية لشمال اليمن، حيث تدور معارك شرسة.