أثارت واقعة "رغيفي عيش وكيس فول" داخل مدرسة في صعيد مصر موجة غضب واسعة. وأعادت ملف الفقر إلى الواجهة بقوة. ورغم اعتذار المسؤول عن الواقعة، فقد فجرت تساؤلات عميقة حول كرامة الطلاب والطالبات، وسط مطالبات بفتح تحقيق.
أثارت واقعة "رغيفي عيش وكيس فول" بمدرسة في صعيد مصر غضبا واسعا، وأعادت قضية الفقر للواجهة.صورة من: Ahmed Mosaad/NurPhoto/picture alliance
إعلان
بسبب الفقر والعوز، لم تجد طالبة في إحدى مدن صعيد مصر سوى رغيفي عيش وكيس فول، كوجبة تسد بها رمقها خلال الفسحة المدرسية.
وبسبب حظها العاثر، تزامن ذلك مع تفقد أحد مسؤولي التعليم للمدرسة، لتقع عيناه على وجبة الطالبة البسيطة، لكنه بدلا من إبداء شيء من الشفقة، سخر من بساطتها قائلا: "ده هتاكليه إزاي؟ طبعًا هتقعدي في الفسحة تغمسي".
لم يكن هذا المشهد مقتطعا من رواية من الأدب الواقعي أو فيلم أو مسلسل درامي لأحد أبرز الكُتّاب أو الأدباء المصريين، الذين أبدعوا في تعرية الفقر وكشف قسوته، مثل نجيب محفوظ أو صنع الله إبراهيم.
بل كان مشهدا حقيقيا، جرت أحداثه داخل مدرسة "إهناسيا الثانوية بنات" بمحافظة بني سويف بشمال صعيد مصر.
فخلال جولة تفقدية، لاحظ وكيل وزارة التعليم، الدكتور محمود الفولي، وجود رغيفي العيش وكيس الفول داخل درج الطالبة رقية، وطلب منها إخراجهما أمام زميلاتها.
وبحسب تقارير محلية، وجه المسؤول بعض التعليقات الساخرة، ما تسبب في شعور الطالبة بإحراج شديد أمام زميلاتها.
طبق الفول وجبة بسيطة لكنها أساسية على مائدة ملايين المصريين خصوصا من الطبقة العاملة كخيار سريع ومناسب التكلفة.صورة من: John Wreford/Zoonar/picture alliance
هل يكفي الاعتذار؟
ووفقا لما نقلته صحفمصرية، تنتمي الطالبة إلى أسرة بسيطة تعيش ظروفا معيشية صعبة، وتحصل يوميا على مبلغ محدود بالكاد يكفي احتياجاتها.
وعلى وقع ذلك، اعتادت رقية إحضار وجبة متواضعة لتسد بها رمقها خلال اليوم الدراسي، دون أن تتخيل أن بساطتها ستضعها في دائرة الإحراج العلني.
ووفقا للبيانات الحكومية، بلغ معدل الفقر في مصر نحو 30 بالمئة من السكان قبل جائحة كورونا، غير أن محللين يؤكدون أن هذه النسبة ارتفعت بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين، في واقع اقتصادي يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية تحديا يوميا لشرائح واسعة من المجتمع.
وأشعلت واقعة "رغيفي عيش وكيس فول" موجة غضب عارمة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في أنحاء مصر، حيث اعتبر كثيرون أن هذا المشهد يمس كرامة طالبة ويفتح جرح الفقر.
وفي محاولة لاحتواء الغضب، زار الفولي المدرسة للاعتذار للطالبة، موضحا أن الحديث معها داخل الفصل لم يكن بدافع السخرية أو الإهانة، بل جاء في إطار التوعية الصحية، عقب رصد حالات إصابة بعض الطالبات بوعكات صحية نتيجة تناول أطعمة غير صالحة.
إعلان
انتقادات برلمانية لمنظومة التغذية المدرسية
وقال محمود الفولي، في بيان رسمي، إن الواقعة جرى تداولها بصورة "غير دقيقة"، وانتُزعت من سياقها التربوي، على حد وصفه.
وأشار البيان إلى أن وكيل الوزارة حرص على فتح حوار مباشر مع الطالبات، مؤكدا أنهن "محور العملية التعليمية".
ولم يتوقف الأمر عند حالة الغضب والاستياء، إذ تقدم أحد نواب البرلمان المصري بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بشأن شبهات فساد وإهدار مال عام في منظومة التغذية المدرسية.
وتساءل النائب أحمد بلال البرلسي، في منشور على صفحته بموقع "فيسبوك"، عن جدوى منظومة التغذية المدرسية، رغم إعلان الحكومة تخصيص 7 مليارات جنيه سنويا، وتوفير 660 مليون وجبة يستفيد منها نحو 19.5 مليون طالب.
تحرير: صلاح شرارة
"مانهاتن النيل" مخطط للحكومة المصرية تسعى لتنفيذه في جزيرة الوراق النيلية بالقاهرة. ولهذا تقوم الدولة بهدم المنازل ونقل السكان إلى مناطق أخرى. أمر يحدث أيضا في أحياء أخرى بالقاهرة لكن السكان يقاومون حملات طردهم.
صورة من: KHALED DESOUKI/AFP
مانهاتن المصرية!
تظهر الصورة من الجو كوبري (جسر) "تحيا مصر"، الذي بني عام 2019، ويمر عبر الجزء الجنوبي من جزيرة الوراق فوق نهر النيل بالقاهرة. في نهاية شهر يوليو/ تَـمُّوز من العام الجاري، أعلنت الحكومة المصرية عن خطتها للبناء على الجزيرة بأكملها. المشروع عبارة عن حيّ حديث، على طراز "مانهاتن" بنيويورك، سيتم بناؤه فوق أراضي الجزيرة. لكن هذا المشروع يتطلب إعادة توطين سكان الجزيرة الحاليين.
صورة من: AFP
ناطحات سحاب تهدد طبيعةً خلابة
المشروع الضخم المخطط له لن يعني طردَ السكان من منازلهم فحسب، بل سيعني أيضاً تغيير طابع الجزيرة بشكل كلي. إذ تمارس الزراعة هنا منذ أجيال، والحقول الخضراء تتخللها شبكات قنوات الري والمباني المبنية من الطوب الأحمر للسكان. في المقابل تخطط الحكومة لبناء ناطحات سحاب ضخمة ومراسي لليخوت.
صورة من: MOHAMED EL-SHAHED/AFP/Getty Images
بحث عن المستقبل في رمال الصحراء
الحكومة المصرية لديها رؤية براقة لمستقبل العاصمة. في عام 2008 تم طرح "رؤية القاهرة 2050"، والآن أعيد تنشيط تلك الرؤية. وكجزء من هذا المشروع الضخم، يجري بناء "العاصمة الإدارية الجديدة" على بعد 45 كيلومترا شرق القاهرة. وتظهر الصورة هنا أعمال البناء ويعد تحويل جزيرة الوراق إلى حي تجاري ضخم جزءا من هذا المشروع أيضًا.
صورة من: KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images
تدمير أم "تطوير"؟
هذا المشروع الضخم يعني أن المزيد من عمليات إعادة التوطين القسرية لسكان الوراق أمر مخطط له مسبقا. في بداية عام 2015، أعلنت الحكومة عن "تطوير" أكبر جزيرة في نطاق العاصمة القاهرة، وبعدها قامت بإجراءات على أرض الجزيرة. هنا مثلا في يوليو/ تموز عام 2017، نرى سيدة من سكان الجزيرة تحمل طفلة أمام أنقاض منزل مدمر. ويعيش حوالي 90 ألف شخص في الجزيرة.
صورة من: AFP/ Getty Images
مقاومة الإخلاء
يقاوم سكان الجزيرة إجراءات الإخلاء. وخلال محاولة من الشرطة لاقتحام جزء من الجزيرة عام 2017 توفي شخص واحد. وتبرر الحكومة أيضاً إعادة التوطين القسري للسكان بالقول إن الأراضي الزراعية بالجزيرة هي "أملاك دولة " وضع السكان أيديهم عليها قبل أكثر من 15 عاماً، وحوّلوا الجزيرة إلى "منطقة عشوائية فقيرة".
صورة من: AFP/ Getty Images
بسبب الجزيرة.. اتهام ناشط بالإرهاب
لكن السلطات تتخذ إجراءات مشددة، فقد أمضى الناشط المصري رامي كامل، أكثر من عامين في السجن قيد الحبس الاحتياطي قبل إطلاق سراحه في يناير/ كانون الثاني من العام الجاري 2022. وقد وجهت إليه تهمة "الإرهاب". ويحاول النشطاء مثل رامي كامل الحفاظ على جزيرة الوراق كما هي عليه اليوم - حتى مع ظهور أعمدة جسر الطريق السريع الجديد في الخلفية.
صورة من: KHALED DESOUKI/AFP
آخر وسيلة للوصول للجزيرة
في الصورة نرى قاربا أو "مُعَدِّيَةً"، كما يسميه الناس في مصر. تنقل "المعدية" الركاب من البر الرئيسي بالقاهرة إلى جزيرة الوراق، فالرحلة تحتاج إلى وسيلة نقل بحري. الآن يُسمح للأشخاص الذين يعيشون على الجزيرة فقط بدخول الوراق. وقال أحد السكان لوكالة "فرانس برس": "تم مؤخرا إيقاف تشغيل إحدى المعديات. والاثنتان المتبقيتان تجري مراقبتهما من قبل الأجهزة الأمنية".
صورة من: MOHAMED EL-SHAHED/AFP/Getty Images
إزالة مقابر لها طابع تاريخي
تنفذ الحكومة أيضا عمليات إخلاء جماعي في مناطق أخرى من القاهرة، هنا مثلا في منطقة البساتين، حيث توجد منطقة مقابر قديمة ذات طابع تاريخي، من بين الأكبر في القاهرة. الناس الذين لا يستطيعون تحمل أسعار الإيجارات الباهظة في القاهرة وجدوا هنا مأوى وسط المقابر. لكن الجرافات هدمت الأكواخ وأزالت غرف الدفن القديمة عام 2020، مما أفسح المجال أمام بناء طريق سريع يمر بالمقابر، رغم احتجاجات السكان واليونسكو.
صورة من: KHALED DESOUKI/AFP
منظر محزن في العمرانية
يقول الباحث والمخطط العمراني أحمد زعزع: "إنها عملية تحسين للأحياء يتم من خلالها إخلاء وسط المدينة من الفقر لإفساح المجال للاستثمار". وتتم إعادة التوطين أيضاً بسبب مشاريع إنشاء الطرق مثل محور الملك سلمان، هنا بحي العمرانية بالجيزة، ويظهر في الصورة بناء الجسر مباشرة بجانب نوافذ وشرفات الشقق السكنية. سياسة التحديث تأتي قبل كل شئ على حساب ذوي الدخل المنخفض.
صورة من: KHALED DESOUKI/AFP
مخاوف لدى سكان جزر أخرى
عربة يجرها حمار تمر تحت كوبري (جسر) "تحيا مصر". يخشى سكان الجزر الأخرى في النيل من أن يكون مشروع الوراق مجرد بداية. فقد تم تسليم 16 جزيرة نيلية أخرى للجيش هذا العام. ويقدر الخبراء أن 15 ألف مبنى قد هدمت وأن هناك أكثر من 220 ألف شخص طُرِدوا من مساكنهم في منطقة القاهرة الكبرى منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة. إعداد: نيله يينش/ إيمان ملوك.