شهدت فنزويلا إطلاق سراح معتقلين سياسيين بارزين، في خطوة تأتي وسط ضغوط أمريكية مكثفة تعيد رسم خارطة البلاد السياسية والاقتصادية في أعقاب عملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من قبل قوات أمريكية.
أعلنت منظمة "فوروف بينال" الحقوقية المحلية عن إطلاق سراح شخصيات محورية في المعارضة السياسية فيما ينتظر ذوي معتقلين آخرين الإفراج عن أبنائهمصورة من: Frederick Villegas/AFP
إعلان
شهدت الساحة الفنزويلية تطورات دراماتيكية متسارعة، حيث بدأت السلطات في كاراكاس عملية إفراج واسعة عن "عدد كبير" من السجناء السياسيين، بينهم شخصيات معارضة بارزة وأجانب.
وكانت منظمة "فوروف بينال" الحقوقية المحلية، قد أعلنت تأكيداً لمقاطع فيديو تداولها ناشطون، عن إطلاق سراح شخصيات محورية في المعارضة السياسية. ومن أبرز المفرج عنهم إنريكي ماركيز (62 عاماً)، الذي كان مرشحاً رئاسياً في انتخابات 2024 المثيرة للجدل، وبياجيو بيليري، النائب البرلماني المعارض والمنتقد الشرس للحكومة السابقة.
وصرح ماركيز في مقطع فيديو عقب خروجه: "الآن انتهى كل شيء"، في إشارة إلى انتهاء فترة احتجازه. كما شملت قائمة المفرج عنهم الناشطة الإسبانية الفنزويلية الشهيرة روسيو سان ميغيل، المعتقلة منذ فبراير 2024 بتهمة التخطيط لاغتيال مادورو، بالإضافة إلى خمسة مواطنين إسبان آخرين.
من جهتها، رحبت ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، بإطلاق سراح المعتقلين، مؤكدة أن "الظلم لن يستمر إلى الأبد".
قرار سيادي؟
و يبقى التوتر سيد الموقف في كاراكاس، حيث يتجمع آلاف المؤيدين لمادورو مطالبين بالإفراج عنه، بينما تترقب العائلات أمام سجن "إليليكويدي" سماع أخبار عن ذويهم، وسط آمال مشوبة بالحذر في أن تكون هذه الانفراجة بداية لنهاية حقبة من القمع السياسي.
وتشدد مؤسسات الدولة أن قرار الإفراج عن المعتقلين "ليس" قرارا أمريكيا وإنما هو قرار داخلي. وقالت نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، إن بلادها "ليست خاضعة" للولايات المتحدة. بينما شدد رئيس البرلمان، خورخي رودريغيز، أن قرار الإفراج جاء "من أجل تعزيز التعايش السلمي" وبقرار من مؤسسات الدولة.
واشنطن تفرض إيقاع التغيير
في المقابل، يقول، البيت الأبيض أن عملية الإفراج جاءت نتيجة "أقصى درجات الضغط" التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وصرحت نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، أن هذه الخطوة هي "مثال على استخدام الرئيس لأدوات الضغط لتحقيق ما هو صحيح للشعبين الأمريكي والفنزويلي".
وفي تصريحات مثيرة للجدل، كشف ترامب أن الولايات المتحدة قد "تدير" فنزويلا لفترة قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات، لاستغلال احتياطياتها النفطية الهائلة. كما هدد بتوسيع نطاق عملياته لتشمل ضربات برية ضد كارتيلات المخدرات التي وصفها بأنها "تسيطر على المكسيك"، مؤكداً عزمه على "تطهير المنطقة من نفوذ هذه العصابات".
تترقب العائلات أمام سجن "إليليكويدي" سماع أخبار عن ذويهم، وسط آمال مشوبة بالحذرصورة من: Pedro Mattey/AFP
ويخطط ترامب لإحكام السيطرة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية، بهدف خفض أسعار النفط العالمية إلى 50 دولاراً للبرميل. وتعتمد الخطة الأمريكية على اتفاق يقضي بتسليم فنزويلا ما بين 30 إلى 50 مليون برميل نفط للولايات المتحدة لبيعها لاحقاً، مع وعود باستثمارات أمريكية لإعادة تأهيل المنشآت النفطية المتهالكة.
تحرير: وفاق بنكيران
من تشيلي وبنما إلى فنزويلا .. تاريخ التدخلات الأمريكية في أمريكا الجنوبية
عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليست جديدة في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع دول أمريكا الجنوبية والوسطى. فمنذ عقود تنتهج واشنطن سياسة دعم انقلابات أو حكومات قريبة أو اعتقال رؤساء وتغيير أنظمة الحكم.
صورة من: Andres Gonzalez/dpa/picture alliance
فنزويلا .. مادورو لم يتعلم الدرس؟
تعتبر الولايات المتحدة أميركا الجنوبية والوسطى "فنائها الخلفي". وهجماتها على فنزويلا واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو جزء من تاريخ طويل من التدخلات العسكرية والاستخباراتية للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية.
صورة من: Ariana Cubillos/AP Photo/dpa/picture alliance
الأرجنتين .. دعم الانقلاب العسكري
منذ مطلع القرن العشرين، تدخلت الولايات المتحدة مرارًا في ما تُطْلِق عليه "فناءها الخلفي"، في الشؤون الداخلية لدول في قارة أمريكا الجنوبية، غالبًا بحجة "حماية المصالح الأمريكية" أو "احتواء النفوذ الشيوعي". حظي المجلس العسكري في الأرجنتين بدعم أمريكي بعد انقلابه عام 1976. الديكتاتور الأرجنتيني الجنرال خورخي رافائيل فيديلا يؤدّي اليمين الدستورية رئيسًا.
صورة من: Eduardo Di Baia/AP Photo/picture alliance
تشيلي .. الانقلاب على أليندي
خلال الحرب الباردة، تصاعدت تدخلات واشنطن في أمريكا الجنوبية بشكل ملحوظ، حيث دعمت وكالة استخباراتها "سي آي ايه" انقلابات عسكرية ضد حكومات منتخبة ديمقراطيًا اعتبرتها واشنطن ذات توجه يساري زائد عن الحد أو معادية للولايات المتحدة، مثل الرئيس التشيلي سلفادور أليندي (نقل جثته في الصورة)، الذي أطيح به عام 1973 على يد الجيش بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه.
صورة من: El Mercurio/AP/picture alliance
بنما .. نورييغا يسلم نفسه ويموت في السجن
شهد التاريخ حالة اعتقال مشابهة لما حدث مع مادورو، قبل 36 عامًا بالضبط. ففي 3 يناير/ كانون الثاني 1990، سلّم حاكم بنما مانويل أنطونيو نورييغا نفسه للقوات الأمريكية التي كانت هاجمت الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى أواخر عام 1989. وفي عام 1992، أُدين نورييغا في الولايات المتحدة بارتكاب جرائم من بينها تجارة المخدرات، وبقي في السجن حتى وفاته عام 2017.
صورة من: picture-alliance/ZUMAPRESS/D. Walters
"عملية كوندور" .. قمع المعارضين
"عملية كوندور" خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وفي إطار هذه العملية، نسّقت أنظمة ديكتاتورية في دول بأمريكا الجنوبية، من بينها تشيلي والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي وبوليفيا والبرازيل، وبمساندة فعّالة من الولايات المتحدة، عمليات ملاحقة وتعذيب واغتيال معارضين سياسيين، وعلى رأسهم يساريون ونقابيون ومثقفون، عبر الحدود الوطنية لهذه الدول.
صورة من: picture-alliance/dpa/S. Moreira
السلفادور وغواتيمالا .. حظيتا بدعم أمريكي
في الوقت نفسه، حظيت أنظمة استبدادية، لكنها موالية للولايات المتحدة، بدعم عسكري واقتصادي، لا سيما في أمريكا الوسطى، مثل غواتيمالا أو السلفادور. وغالبًا ما برّرت الولايات المتحدة هذه التدخلات بمكافحة الشيوعية أو بالتصدي لتجارة المخدرات.
صورة من: Secretaria de Prensa de la Presidencia/Handout via REUTERS