استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجس الأمن لإسقاط مشروع قرار قدمته الولايات المتحدة بشأن النزاع على الصحراء الغربية، يدعم الحكم الذاتي المغربي ويقلّص دور بعثة الأمم المتحدة. ولكن ما البديل الذي اقترحته روسيا؟
استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد مقترح الولايات المتحدة الأمريكية بشأن حل النزاع على الصحراء الغربية.صورة من: Eduardo Munoz Alvarez/AP/dpa/picture alliance
إعلان
شهد مجلس الأمن الدولي، اليوم الجمعة، مواجهة دبلوماسية جديدة حول ملف الصحراء الغربية، بعدما استخدمت روسياحق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار أمريكي كان يقترح تعديلات جوهرية على مقاربة الأمم المتحدة للنزاع، بما في ذلك دعم مسار الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب وإعادة هيكلة بعثة الأمم المتحدة في الإقليم.
وجاء التصويت خلال جلسة عقدت بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، عكست استمرار التباين بين الدول الأعضاء بشأن سبل تسوية أحد أقدم النزاعات الإقليمية المطروحة على أجندة المنظمة الدولية.
مشروع أمريكي .. ماذا يقول؟
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام وتقارير أممية، كان مشروع القرار الأمريكي يدعو إلى اعتماد مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب إطاراً أساسياً للمباحثات السياسية الرامية إلى إيجاد حل للنزاع، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة ومقبولة من الأطراف المعنية، بما يتماشى مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ومن بينها مبدأ تقرير المصير.
كما تضمن المقترح تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2027، إلى جانب اقتراح تغيير اسم البعثة وإعداد خطة أممية لإعادة هيكلتها وتقييم مهامها ومواردها على المدى المقبل.
كذلك نص المشروع على مواصلة العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة المغرب وجبهة البوليساريووالجزائروموريتانيا.
روسيا تستخدم حق النقض
وخلال التصويت، حظي المشروع الأمريكي بتأييد 11 عضواً في مجلس الأمن، فيما امتنع ثلاثة أعضاء عن التصويت، قبل أن تعترض روسيا عليه مستخدمة حق النقض، ما أدى إلى سقوطه رغم حصوله على أغلبية الأصوات.
ورأت موسكو أن إدخال تعديلات واسعة على ولاية البعثة الأممية وآليات التعاطي مع النزاع يتطلب توافقاً أوسع داخل المجلس، مفضلة الإبقاء على الصيغة الحالية لمهمة الأمم المتحدة في المنطقة.
ثلاثة أعضاء فقط يؤيدون مقترح روسيا
في المقابل، طرحت روسيا مشروع قرار بديل يقتصر على تمديد ولاية بعثة "مينورسو" لعام إضافي حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2027، مع الإبقاء على اسمها الحالي وطبيعة المهام الموكلة إليها دون تغييرات جوهرية.
إلا أن المشروع الروسي لم يحظ بالدعم اللازم داخل المجلس، إذ أيده ثلاثة أعضاء فقط، بينما عارضه عضو واحد وامتنع 11 عضواً عن التصويت، ما حال دون اعتماده من دون الحاجة إلى استخدام الولايات المتحدة حق النقض.
مصير البعثة الأممية يكتنفه الغموض
ويضع فشل المشروعين مجلس الأمن أمام تحدٍ جديد، في ظل اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية. ومن المقرر أن تنتهي الولاية الحالية للبعثة في 31 أكتوبر/تشرين الأول، ما لم يتوصل أعضاء المجلس إلى صيغة توافقية في اللحظات الأخيرة تضمن استمرار عملها.
المغرب: عدم التمديد تحول في مسار الملف
وفي أول تعليق رسمي، رحّب المغرببعدم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (مينورسو)، معتبراً أن ذلك يشكل منعطفاً مهماً في مسار القضية داخل أروقة الأمم المتحدة. وقال الديوان الملكي المغربي، في بيان مساء الجمعة، إن هذه الخطوة تعني انتهاء مسار أممي "اتسم بمماطلة الأطراف الأخرى وإدامة حالة الجمود".
ورأت الرباط أن بعثة "المينورسو"، التي أُنشئت قبل أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد لوجودها ما يبرره، معتبرة أن عدم تجديد ولايتها يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في التعاطي مع الملف. وفي الوقت نفسه، جدد المغرب تأكيد التزامه بوقف إطلاق النار، وتمسكه بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساساً لتسوية النزاع.
إعلان
الجزائر: تقرير المصير أساس أي تسوية
فيما جددت الجزائر تمسكها بمبدأ تقرير المصير بـ"اعتباره الأساس لحل النزاع في الصحراء الغربية". وقال ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، خلال جلسة مجلس الأمن، إن "تقرير المصير لطالما كان مرجعا أساسيا لتسوية النزاع في الصحراء الغربية"، مضيفا أن "هذه هي الصورة الأحدث، الأوضح، والتي لا يمكن التشكيك فيها من أجل ممارسة شعب بحرية لاختياره لمستقبله".
كما أشاد بن جامع بروسيا لطرحها مشروع قرار يمدد ولاية بعثة "مينورسو"، مؤكداً أن الجزائر شاركت في الجلسة بصفتها دولة مجاورة متأثرة بالنزاع ومستضيفة للاجئين صحراويين.
منذ 5 عقود لم يتوقف الصراع في الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر. ومؤخرا ظهرت مؤشرات على اختراق نحو الحل أبرزها تصويت مجلس الأمن لصالح خطة الحكم الذاتي المغربية. ملف صور عن مسار النزاع.
صورة من: picture alliance/UPI
الصحراء الغربية.. ميدان الصراع
تعتبر الأمم المتحدة الصحراء الغربية منطقة متنازعا عليها، تبلغ مساحتها 266 ألف كلم متربع، ومدينة العيون هي كبرى حواضرها. عام 1991 صدر قرار من الأمم المتحدة بإجراء استفتاء لتقرير مصير الإقليم، كما نص القرار على وقف إطلاق النار الساري بين الطرفين. تعثر الاستفتاء رغم تكليف ثمانية مبعوثين خلال ثلاثة عقود ونصف. سنة 2007 عرض المغرب مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته باعتباره حلا وحيدا للنزاع.
صورة من: Darrin Zammit Lupi/REUTERS
المسيرة الخضراء
مباشرة إثر قرار إسبانيا الانسحاب من مستعمرتها السابقة الصحراء الغربية، وتوقيع ما يعرف باتفاقية مدريد بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا. أمر الملك الراحل الحسن الثاني بتنظيم المسيرة الخضراء التي شارك في فيها 350 ألف مغربي يوم 6 نوفمبر تشرين ثاني 1975. ومنذ ذلك التاريخ يبسط المغرب نفوذه على معظم الإقليم.
صورة من: picture alliance/UPI
البوليساريو.. التأسيس والداعمون
تأسست في 10 مايو/أيار 1973، ولقيت دعما غير محدود من النظام الليبي، واحتضانا من الجزائر التي سمحت لها بإقامة مخيماتها في ولاية تيندوف جنوبا. خاضت الجبهة منذ عام 1976 حروبا ضد المغرب. توقفت الحرب بين الجبهة والمغرب عام 1991، عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء تقرير المصير برعاية الأمم المتحدة مع التوجه لاحقا للبحث عن حلول سياسية للنزاع.
صورة من: Ryad Kramdi/AFP/Getty Images
رفض مقترحات حلول أممية
اقترحت الأمم المتحدة عدة حلول، لكن البوليساريو ترفض الانضمام للمغرب، والمملكة ترفض الانفصال. فشل الاستفتاء بسبب عدم الاتفاق على من يحق له المشاركة فيه. وقدم ممثل الأمين العام جيمس بيكر خيار الحل الثالث القائم على منح الصحراء حكما ذاتيا بإدارة مغربية، لكن الجبهة والجزائر رفضتا. عام 2002 طرح كوفي عنان خيار التقسيم كحل رابع، عبر احتفاظ المغرب بالثلثان وللبوليساريو بالثلث، وهو ما رفضه المغرب.
صورة من: Fadel Senna/AFP
اختراق دبلوماسي؟
يُرجَّح أن ملف الصحراء الغربية ومعه عقود من النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو، والتوتر بين المغرب والجزائر، الداعمة البوليساريو، يتجه نحو اختراق دبلوماسي غير مسبوق. إذ صرح ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط يوم 20 أكتوبر 2025، أن فريقا يعمل على إنجاز "اتفاق سلام" بين المغرب والجزائر. وأضاف أنه "سيتم التوصل إلى صفقة خلال 60 يوما".
صورة من: Carlos Barria/REUTERS
مجلس الأمن يصوت لصالح خطة المغرب للحكم الذاتي
صوّت مجلس الأمن الدولي يوم 31 اكتوبر تشرين أول 2025 لصالح دعم خطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية، معتبرا أنها "قد تمثل الحل الأكثر واقعية" للإقليم المتنازع عليه، داعيا جميع الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات بناء على هذه الخطة.
وصوت لصالح القرار 11 دولة، فيما أمتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، بينما لم تصوت الجزائر. كما جدد المجلس ولاية بعثة مينورسو في الصحراء الغربية لمدة عام واحد.
صورة من: Lev Radin/Pacific Press/picture alliance
إسبانيا.. تغيير جذري في موقفها من النزاع
في تغيير جذري لموقفها أعلنت إسبانيا في مارس 2022 دعم الموقف المغربي علنا، ودخول "مرحلة جديدة" في العلاقات مع الرباط، في خطوة رحبت بها المملكة ونددت بها جبهة البوليساريو والجزائر التي جمدت معاهدة الصداقة مع مدريد. واعتبرت الحكومة الإسبانية أن القرار يُدخل علاقة البلدين "مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل، والتواصل الدائم". ووصفت صحيفة "إل موندو" الإسبانية الموقف الجديد لإسبانيا بـ "التاريخي".
صورة من: /AP Photo/picture alliance
فرنسا خطة الحكم الذاتي "الأساس الوحيد للتوصل الى حل سياسي"
نهاية يوليو/ تموز 2024، أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، العاهل محمد السادس أن خطة الحكم الذاتي التي تقدمت بها الرباط بشأن قضية الصحراء هي "الأساس الوحيد للتوصل الى حل سياسي، عادل ومستدام ومتفاوض بشأنه، طبقا لقرارات مجلس الأمن". وتسبب الموقف الفرنسي جينها في أزمة ديبلوماسية بين فرنسا والجزائر.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/AFP/C. Archambault
روسيا تمتنع عن التصويت في مجلس الأمن
في تصريحات أشعلت الجدل مجدداً بين المغرب والجزائر، كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أكد أن "مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب يمكن أن يكون حلا ناجحا إذا حظي بموافقة الأطراف المعنية وأشرفت عليه هيئة الأمم المتحدة". وألمح إلى أن ستكون مستعدة وفق ذلك للترحيب بهذا المخطط. بيد أن موسكو أحجمت فيما بعد عن التصويت لصالح الخطة المغربية في جلسة مجلس الأمن (31 أكتوبر/تشرين أول 2025).
صورة من: Shamil Zhumatov/REUTERS
بوليساريو "مستعدة" لقبول مقترح الحكم الذاتي بشرط..
أكد القيادي في بوليساريو محمد يسلم بيسط لفرنس برس (23 أكتوبر 2025) أنه في حال تم تنظيم استفتاء واختار الصحراويون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما تقترح الرباط، بدل الاستقلال كما تطالب جبهته، فسيتم قبوله.
وأوضح أن "المقترح الموسع" الذي قدمته الجبهة إلى مجلس الأمن "يتضمن الخيارات الثلاثة.. والضمانات المرتبطة بها، وهي: الاستقلال والانضمام وميثاق الارتباط الحر الذي قد يشبه ما يقترحه المغرب".
صورة من: Fermin Rodriguez/NurPhoto/picture alliance