قبل فوات الأوان ـ الفاتيكان يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي!
٢٩ مايو ٢٠٢٦
وقع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشررسميا على وثيقة تتعلق بالذكاء الاصطناعي (15 مايو/ أيار 2026) تزامنا مع الذكرى 135 لنشر البابا ليو الثالث عشر وثيقة "ريروم نوفاروم". الوثيقة الجديدة تحث على اتخاذ إجراءات عالمية بشأن قضية أساسية، ترى الكنيسة أن لها تأثير على مستقبل الإنسانية. وحذر البابا ليو من أن الذكاء الاصطناعي "لن يكون سبيل خلاصنا"، منوها إلى أنه ينشر المعلومات المضللة، ويعطي الأولوية للصراع، وقد يقود العالم إلى طريق حرب لا نهاية لها. والرسائل البابوية واحدة من أهم أشكال التعاليم من البابا إلى أتباع الكنيسة الكاثوليكية. ويختار بابا الفاتيكان موضوعات رسائله بعناية لتسليط الضوء على الأولويات الرئيسية خلال فترته، إذ أن النصوص، التي قد تمتد لمئات الصفحات، غالبا ما تستغرق سنوات لإعدادها. ولم يؤلف البابا الراحل فرنسيس، الذي قاد الكنيسة 12 عاما، سوى أربع من هذه الوثائق.
وتفاعلت الصحافة الدولية بشكل واسع مع الوثيقة البابوية. وركز المعلقون بشكل خاص على الجوانب الأخلاقية لنفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى التأثيرات الاجتماعية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تأكيد الكنيسة على دورها في تقديم بوصلة أخلاقية في النقاش الدائر حول الإنسانية والتقدم التكنولوجي. وبهذا الصدد كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" (28 مايو) معلقة "لطالما احتضن وادي السيليكون أحلاما ذات طابع خلاصي أشبه بالرؤى الدينية، تعود جذورها إلى زمن كانت فيه أجهزة الكمبيوتر تملأ غرفا بأكملها. ومن أقدم النكات المتداولة في هذا القطاع قصة مبرمج يسأل جهاز كمبيوتر: "هل يوجد إله؟" فيجيبه الكمبيوتر: "الآن نعم". وفي وقت بدأت فيه "ديانة الذكاء الاصطناعي" ترسخ سيطرتها على مصير البشرية، ارتفع صوت البابا ليقول لرواد التكنولوجيا: تمهّلوا. ضعوا الإنسان في المركز، فالآلات ليست آلهة!
تقليد راسخ ـ وثائق كنسية تاريخية مماثلة
من تقاليد زعماء الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان حث قادة العالم على معالجة القضايا الأساسية التي تواجه الإنسانية. فقد أصدرت الكنيسة ما لا يقل عن أربعة وعشرين وثيقة رئيسية يمكن لكثير من أتباعها عبر العالم ومن أشهر هذه الوثائق نذكر "ريروم نوفاروم" أو "حقوق رأس المال والعمال وواجباتهم"، التي أصدرها البابا ليو الثالث عشر في 1891 ودعا فيها إلى تحسين ظروف العمال خلال الثورة الصناعية، فيما ناشدت وثيقة "بيسم إن تيريس" أو "على الأرض السلام"، التي أصدرها البابا يوحنا الثالث والعشرون في 1963 نزع السلاح النووي في خضم الحرب الباردة. وحثت وثيقة "لاوداتو سي"، أو "كن مسبحا'"، للبابا فرنسيس في 2015 على اتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة تغير المناخ. ويبدو أن البابا ليو يسعى لإطلاق نقاش مجتمعي وأخلاقي حولأنظمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وذلك بعد مرور عام على توليه منصبه.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية (27 مايو) معلقة "في دعوته إلى "نزع سلاح" الذكاء الاصطناعي وإعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام، يعبر البابا ليو الرابع عشر عن قناعته بأن "الخوارزميات الغامضة" التي تتحكم فيها الشركات الخاصة تهدد بإنتاج "أشكال جديدة من نزع الإنسانية" (..) إن "نزع سلاح" الذكاء الاصطناعي لا يعني التخلي عن التكنولوجيا، بل الحيلولة دون هيمنتها على الإنسان. ويرى البابا أن ذلك لا يتحقق عبر القرارات التقنية وحدها، بل من خلال إخضاع استخدام البيانات والتقنيات لـ"رقابة عامة"، والتأكيد على "الدور الذي لا يمكن الاستغناء عنه للإنسان". (..) فالقضية تتعلق بجودة العمل ومعناه، وبكرامة الإنسان، وبقدرة المجتمعات على التكيّف (..) وبدت تحذيرات الرسالة البابوية ملحة لأنها موجهة إلى العالم بأسره".
ألمانيا تطالب باستقلالية تكنولوجية أوروبية
عقب إصدار الوثيقة الباباوية، دعا وزير الشؤون الرقمية الألماني كارستن فيلدبرغر (27 مايو) إلى تحقيق الاستقلالية الأوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي. وقال في تصريح لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية إن نماذج الذكاء الاصطناعي المدربة على بيانات وقيم ونماذج أعمال أجنبية تخلق نوعا من التبعية، وقد لا يتوافق بالضرورة مع ما يعتبره المجتمع الأوروبي مناسبا له. واستطرد فيلدبيرغر قائلا "إذا أردنا أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، فعلينا أن نصممها بأنفسنا، لا أن نكتفي بتنظيمها فقط، بل يجب أن نطورها ونشكلها ونتحمل مسؤوليتها". وأكد أن وجود ذكاء اصطناعي أخلاقي من ألمانيا وأوروبا يُعد لهذا السبب شرطاً لضمان تقرير المصير الديمقراطي في العصر الرقمي.
فعندما يحاول الإنسان أن يلعب دور الإله، قد يجد نفسه في النهاية مسحوقا تحت أقدام التكنولوجيا، وبهذا الصدد كتب البابا "حين تُفوَّض قرارات الحياة والموت إلى أسطر من الشيفرات البرمجية، يفقد الإنسان كرامته، وتنتصر الآلة على الروح الإنسانية". وفي هذا السياق كتبت صحيفة "فرانكفورته ألغماينه تسايتونغ" الألمانية (28 مايو) معلقة "الصدى الهائل الذي أحدثته الرسالة البابوية داخل الكنيسة الكاثوليكية وخارجها يكشف أمرا مهما: البابا يحدث بالفعل فرقًا. قد لا يكون ما يقوله جديدا أو مبتكرا، لكن لكلامه وزن مختلف بفضل هيبة منصبه وسلطته الأخلاقية. ويرى كثيرون أن البابا يلعب دور من يقف في وجه شركات التكنولوجيا العملاقة التي تجد السياسة صعوبة في فرض حدود عليها. وحتى أولئك الكاثوليك الذين لا يقبلون فرض بابا لتعليمات تفصيلية تتعلق بالحياة الخاصة، يظهرون ارتياحا عندما يقترح تحديد سن أدنى لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا أمر لا يستطيع حتى المتشككون تجاهله".
نقد البابا للذكاء الاصطناعي ليس مطلقا
لا يدعي البابا ليو امتلاك القدرة على شرح التطورات التقنية أو إصدار أحكام نهائية بشأنها، فهذه التقنيات تتغير بسرعة تجعل أي وصف لها قصير المدى. لكنه بلور نظرة نقدية إلى الإنسان والمجتمع "في عصر الذكاء الاصطناعي"، من منظور لاهوتي كاثوليكي، وبقدر واضح من الحذر، مع حرص متكرر على عدم تصوير التكنولوجيا كقوة "معادية للإنسان" بشكل مطلق. ومع ذلك، تبقى المخاوف هي الطاغية على الوثيقة الباباوية، خصوصا الخشية من أن تُسحق "الإنسانية العظيمة" تحت عجلات التطور التقني. من حيث الشكل، تميزت رسالة البابا بكونها سابقة تاريخية من نواحي عدة، إذ إن ليو الرابع عشر قدم الوثيقة بنفسه، وهو أمر لم يحدث من قبل.
كما حضر في حفل التقديم مطوّر للذكاء الاصطناعي ورجل الأعمال كريستوفر أولاه، الشريك المؤسس لشركة "أنثروبيك"، والذي يمثل تحديدًا تلك «"لقوى الاقتصادية والتكنولوجية" التي وجه إليها البابا نقده الواضح. ويرى البابا أنه عندما "تتركز السلطة في أيادي قليلة"، فإن خطر تحولها إلى قوة غامضة خارجة عن الرقابة العامة يصبح كبيرا. ويُعد أولاه من الأصوات القليلة داخل قطاع التكنولوجيا التي لا ترى فقط فرص الذكاء الاصطناعي، بل تدرك أيضًا مخاطره. ولا يكتفي ليو الرابع عشر بالحديث عن الذكاء الاصطناعي العسكري، بل يطالب أيضا بشيء لا ترحب به شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، وهو وضع قواعد وضوابط. فالتطور التقني، بحسب رأيه، يجب أن يُقاس بمعايير الكرامة الإنسانية والصالح العام، وأن يمنع التمييز ضد البشر عبر "خوارزميات غامضة".
مبادئ أخلاقية صارمة للأسلحة الذكية
يرى البابا أن المخاطر تفوق الفرص. فصحيح أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في حماية المدنيين أثناء الحروب، لكنه قد يؤدي أيضا إلى خفض عتبة استخدام العنف، وإخفاء المسؤوليات، وتعزيز ثقافة يُختزل فيها العدو إلى مجرد بيانات، والضحية إلى "خسائر جانبية". لذلك يشدد على ضرورة إخضاع أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل لأقصى المعايير الأخلاقية. وكأنه يقول: لا ينبغي أن تمنح الآلات سلطة القرار النهائي. ويرى ليو الرابع عشر أنه "من غير المقبول إسناد قرارات قاتلة أو لا رجعة فيها إلى أنظمة اصطناعية"، كما يعبّر عن قلقه من «إعادة تأهيل الحرب كأداة من أدوات السياسة الدولية".
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "رزبوسبوليتا" البولندية (27 مايو) معلقة "ينظر البابا الجديد لموضوع الذكاء الاصطناعي في سياق العقيدة الاجتماعية للكنيسة وكذلك في ضوء الأحداث الراهنة التي تثير قلقا كبيرا بشأن مستقبل البشرية وكوكب الأرض بأسره. لقد تناول موضوع الذكاء الاصطناعي بعمق ودراسة متأنية. يدرك ليو الرابع عشر، وهو أمريكي وراهب وراعي أبرشية سابق في بيرو، أن الذكاء الاصطناعي يغيّر وجه عالمنا بالقدر نفسه الذي غيّرت به الثورة الصناعية الواقع عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكما حدث مع تلك الثورة الحضارية، فإنه يضعنا أمام ثلاثة تحديات أساسية لمستقبل الإنسان: في مجال كرامة الإنسان، والعدالة، والعمل البشري".
تحرير: ابتسام فوزي