كأس أفريقيا تنعش أسواق الرباط وتحولها لفضاءات نابضة بالحياة
هشام الدريوش - الرباط
٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥
أسواق الرباط تعيش حركية غير مسبوقة مع انطلاق بطولة أمم أفريقيا بالمغرب، حيث حوّل توافد المشجعين الفضاءات الشعبية إلى مراكز نابضة بالحياة والتجارة. موفد DW هشام الدريوش يروي التفاصيل.
الأقمصة الرياضية تلقى رواجا كبير خلال أيام بطولة أمم افريقيا بالمغربصورة من: Hicham Driouich/DW
إعلان
بمجرد أن توقفت الأمطار وعادت أشعة الشمس لتضيء سماء العاصمة المغربية الرباط، دبّت الحركة من جديد في السوق القديم "باب الأحد"، الذي امتلأ بالزوار من المغاربة والأجانب القادمين لمتابعة منافسات بطولة كأس أمم أفريقياالتي يحتضنها المغرب من 21 ديسمبر/ كانون الأول 2025 حتى 18 يناير/ كانون الثاني 2026.
أجواء البطولة طغت بشكل واضح على مختلف أرجاء السوق، حيث عمد التجار إلى تكييف معروضاتهم بما يتناسب مع هذا الحدث القاري، الذي يُعد فرصة حقيقية لانتعاش الحركة التجارية وزيادة المداخيل، خاصة مع توافد أعداد كبيرة من الزوار من داخل المغرب وخارجه.
غير بعيد عن أحد أسوار سوق باب الأحد، يوجد مطعم شعبي يقدم الأكلات المحلية، يكاد لا يخلو من الزبائن على مدار اليوم، خصوصاً مع الحضور اللافت للمشجعين الجزائريين، الذين يشكّلون نسبة كبيرة من رواد السوق، إلى جانب جماهير أخرى قادمة من تونس ودول أفريقية مختلفة.
سألنا أحد عمّال المطعم، الذي كان يرتدي قميص المنتخب المغربي ويوزّع الوجبات بابتسامة لا تفارقه، عن تأثير البطولة على نشاطهم، فأكد أن الإقبال عرف ارتفاعاً ملحوظاً منذ انطلاق المنافسات، رغم الأمطار، مشيراً إلى أن أغلب الزبائن من مشجعي المنتخبات الأفريقية، إضافة إلى زوار من فرنسا وإسبانيا.
أدوات التشجيع كالطبول تكتسي بدورها حلة تواكب التتظاهرة الرياضية المنظمة بالمغربصورة من: Hicham Driouich/DW
الإبداع في تقديم المنتوجات
وبالقرب من المطعم تنتشر محلات تبيع قمصان المنتخبات المشاركة في البطولة، حيث ازداد الإقبال على شراء قمصان المنتخب المغربي، خصوصاً تلك التي تحمل أسماء نجومه مثل حكيمي ودياز. كما تشهد الأعلام ومستلزمات التشجيع رواجاً كبيراً، لتتحول إلى مصدر دخل مهم للعديد من صغار التجار في السوق القديمة بالرباط.
وما يلفت الانتباه في هذا الفضاء التجاري هو ابتكار بعض التجار لطرق عرض غير تقليدية، تماشياً مع أجواء البطولة. فقد عمد أحد بائعي التوابل إلى تزيين أوعيته بألوان المنتخبات المشاركة، ووضع مجسّم يشبه كأس إفريقيا داخل محله، ليمنح الزبائن فرصة التقاط الصور التذكارية، في خطوة تهدف إلى جذب الانتباه وتشجيع الزوار على اكتشاف متجره.
ويوضح نبيل النوري، رئيس النقابة الوطنية للتجار والمهنيين بالمغرب، في حديثه لـ DW عربية أن كأس أفريقيا بالمغرب يعد رافعة حقيقية للتجارة الاستهلاكية "ويعزز صورة المغرب كوجهة سياحية واقتصادية جذابة" ويوضح أنه قبل انطلاق بطولة أمم أفريقيا قامت النقابة الوطنية للتجار والمهنيين بعدة لقاءات توعوية لإنجاح هذه التظاهرة الأفريقية "شملت التكوين في عدة جوانب منها تحسين الفضاءات التجارية وإشهار لائحة الأسعاروتحسين الخدمات وحسن الإستقبال للسياح والزوار لإعطاء صورة لائقة لبلدنا المغرب حتى تعود بالنفع على التاجر والمستهلك".
إعلان
"سوق واقف" في قطر و"سوق جالس" في الرباط
من العبارات التي راجت بين المشجعين المغاربة في الآونة الأخيرة قولهم: "لديهم سوق واقف في قطر، ولدينا سوق جالس في الرباط"، في إشارة إلى ساحة باب الأحد التي تحولت إلى فضاء نابض بالحياة، يجتمع فيه المشجعون من مختلف الجنسيات للاحتفال والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل.
ساحة باب الأحد بالرباط تحولت بساحة لتجمع المشجعين والاحتفال معاصورة من: Hicham Driouich/DW
ولم تخلُ الساحة من عروض ترفيهية، حيث قدّم بعض المشجعين استعراضات كروية ومهارات فردية، فيما نظّم آخرون تحديات رياضية تفاعلية جذبت أنظار الحاضرين، من بينهم مشجعون يرتدون قمصان المنتخب التونسي، ما أضفى أجواء من المرح والتقارب بين الجماهير.
من سطيف إلى مغنية… ومن الدار البيضاء إلى وجدة
في أزقة السوق وساحته، يصعب ألا تصادف المشجعين الجزائريين، الذين اتخذوا من المكان نقطة تجمع رئيسية لهم. ومن بين الهتافات التي رددوها أغنية تقول: "من سطيف لمغنية والدخلة على وجدة"، في إشارة رمزية إلى تطلعهم لفتح الحدود البرية بين المغرب والجزائر.
أحد المشجعين الجزائريين، قدم من فرنسا رفقة مجموعة من أصدقائه، عبّر عن هذا الشعور قائلاً إنهم يتمنون فتح الحدود بعد أكثر من ثلاثين سنة من الإغلاق، مضيفاً: "انظروا إلى العداوة التاريخية بين فرنسا وألمانيا، واليوم هما شريكان وصديقان".
هكذا، فرضت أجواء التآخي والتقارب بين الجماهير نفسها على هامش البطولة، في وقت يواصل فيه التجار استثمار هذا الزخم بأساليب مبتكرة، ما يجعل من كأس أمم أفريقيا مناسبة لا تقتصر فوائدها على الجانب الرياضي فحسب، بل تمتد لتشمل الحراك الاقتصادي والاجتماعي في قلب العاصمة المغربية.
تحرير: صلاح شرارة
جماهير كأس أمم إفريقيا ـ عشق ممتزج بالفن والفخر والصلوات المشتركة
يأتي الكثير من مشجعي الأندية المشاركة في بطولة كأس أمم أفريقيا من أماكن بعيدة لتشجيع فرقهم المفضلة. ما يميز هؤلاء ليس فقط ارتداء الملابس التقليدية والمزركشة، بل هناك طقوس كثيرة يمارسونها تعكس الروح الأفريقية المشتركة.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
بداية الرحلة
التحضير للمشجعين الذين يشاركون في بطولة كأس الأمم الأفريقية (AFCON) يبدأ قبل عدة أشهر. يطورون الملابس والأغاني والآلات الموسيقية استعدادًا للبطولة. أليو نغوم، المعروف باسم باكو، هو أحد قادة المجموعة المنظمة الرئيسية للمشجعين السنغاليين والتي تسمى(Douzieme Gainde)، وهي تعبير مختلط تعني "الأسد الثاني عشر". هو من ابتكر شعار "السنغال فقط".
صورة من: Marco Simoncelli/DW
الفن أساسي
قاسم مشترك بين مشجعي الفرق الوطنية الأفريقية هو الفن، والعديد منهم فنانون حقيقيون. نفامارا أولاري، المعروف باسم سيغيرينجني كانغني، هو فنان غيني يصنع ملابسه الخاصة للملعب. كونك فنانًا، أي معرفة كيفية الغناء، الرقص أو العزف على آلة موسيقية، هو شرط أساسي للمشاركة في اللجنة الوطنية لمشجعي غينيا.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
مصدر فخر
كأس الأمم الأفريقية (AFCON) هي أرفع بطولة كرة قدم في القارة الأفريقية. بدأت في عام 1957، قبل ست سنوات من تأسيس الاتحاد الأفريقي. كانت AFCON واحدة من أولى الفعاليات التي استطاع فيها الأفارقة الاتحاد والتعبير عن هوياتهم الوطنية. لطالما كان مصدر فخر للمشجعين أن يتمكنوا من المشاركة.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
عودة روح كأس الأمم الأفريقية
عادت حفلات الشوارع في العاصمة الإيفوارية ياموسوكرو وفي جميع أنحاء البلاد خلال كأس الأمم الأفريقية (AFCON). وقد كانت الأجواء في مصر خلال (AFCON 2019) مكبوتة بسبب قمع النظام المحلي وصعوبات وصول المشجعين من جنوب الصحراء الكبرى إلى شمال أفريقيا. ومنعت جائحة كوفيد العديد من المشجعين من السفر خلال (AFCON 2022) في الكاميرون.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
الفرح بعد الصعوبات
إن متعة الذهاب إلى ملعب ياموسوكرو، حيث لعبت السنغال مع ساحل العاج في دور الـ16، تتغلب على العقبات أمام الوصول إلى هناك. كافح باكو للحصول على التمويل ولم يسافر إلى ساحل العاج إلا بعد المباراة الأولى للسنغال. قبل ساعات قليلة من المباراة ضد الدولة المضيفة، كان عليه التفاوض مع وزارة الرياضة السنغالية للحصول على تذاكر له ولمجموعته.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
الحب
أن تصبح مشهورا قد يكون في كثير من الأحيان على حساب عائلتك. في كل مرة يغادر المارشال باسول منزله لمتابعة المنتخب الوطني، تبقى زوجته وأطفالهما التسعة في المنزل لعدة أسابيع بدونه. وتستضيف ساحل العاج بطولة كأس الأمم الأفريقية هذا العام، لكن التركيز دائما ينصب على المنتخب الوطني لأن "حب ما أقوم به أكبر من كل شيء".
صورة من: Marco Simoncelli/DW
روح ياضية
تعد ساحل العاج موطنًا للعديد من المجتمعات الأفريقية، خاصة من الجزء الغربي من القارة، الذين يشاهدون مباريات كأس الأمم الأفريقية معًا في مناطق المشجعين في المدن التي تستضيف البطولة. ما يبرز هو غياب العداء. إن النكات والسخرية أمر شائع، ولكن تشجيع الفريق الوطني لا يؤدي أبداً إلى الإهانات والعنف.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
تمويل الرحلة
في العديد من الحالات، الدولة نفسها هي التي تمول سفر المشجعين. دفع نائب رئيس غينيا الاستوائية تكاليف سفر 200 شخص، بما في ذلك مايلز بايمي ندونغ. وهو قائد نادي المشجعين نزالانغ ناسيونال، أول مجموعة من مشجعي غينيا الاستوائية تم إنشاؤها قبل (AFCON 2021). ندونغ مغني إنجيلي وهو مسؤول عن تنسيق الأغاني والرقصات.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
صلوات مشتركة
بغض النظر عن عقيدتهم، فإن معظم مجموعات المشجعين الأفارقة تؤدي صلوات جماعية عشية المباراة وقبلها مباشرة، يدعون ربهم أن يحفظهم ويحقق لهم النصر. كما يصلون بعد المباراة شاكرين مهما كانت النتيجة.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
العودة
بمجرد انتهاء المباراة ضد غينيا، هرع ندونج للحاق بالحافلة التي أعادته إلى المطار ورحلة العودة. سافر جميع أعضاء نزالانغ ناسيونال من مالابو إلى أبيدجان والعودة في نفس اليوم لكل مباراة. بهذه الطريقة، توفر الدولة المال على الإقامة ولم يفقد المشجعون الكثير من أيام العمل.
صورة من: Marco Simoncelli/DW
رحلة العودة
يمكن أن تؤدي الظروف الاقتصادية الصعبة إلى تعقيد عودة مشجعي كأس الأمم الأفريقية إلى بلدانهم الأصلية. بعد أن تغلبت نيجيريا على أسود الكاميرون التي لا تقهر، ذهب المشجع الكاميروني المخضرم نغاندو بيكيت ومجموعته المكونة من 10 أشخاص ليطلبوا من اللاعبين تمويل رحلتهم. وعلى عكس المسابقات الأخرى، قررت الحكومة الكاميرونية واتحاد كرة القدم عدم دعمهم هذه المرة. (ألكيس سيتسميش/ ماركو سيمونسلير/ ر.ض)