لماذا اختفى الحماس العربي حيال احتجاجات إيران هذه المرة؟
علاء جمعة
١٥ يناير ٢٠٢٦
على خلاف احتجاجات عام 2022 التي تابعتها الدول العربية، يخيّم اليوم صمتٌ نسبي على الاحتجاجات الجارية في إيران. صمتٌ لا يعكس التجاهل بقدر ما يشير إلى تبدّل موازين القوى وتنامي المخاوف من أن يقود أي اضطراب داخلي إلى فوضى.
مخاوف لدى دول عربية من حدوث تفكك في إيران، ما يزيد الوضع صعوبة في المنطقةصورة من: UGC
إعلان
في احتجاجات 2022، لعبت وسائل إعلام عربية كبرى، كثيرٌ منها ممول من دول خليجية، دورًا داعمًا للمحتجين من خلال تغطية مكثفة ومتعاطفة. يومها، لم تُخفِ طهران انزعاجها، إذ اتهم قائد الحرس الثوري آنذاك حسين سلامي وسائلَ إعلام مدعومة من السعودية بـ«التحريض»، ملوّحًا بدفع "ثمن باهظ".
اليوم تغيّر المشهد. الأخبار المسائية العربية نادرًا ما تتصدرهاإيران، والمسؤولون يبدون أكثر حذرًا في تصريحاتهم العلنية. ويعزو دبلوماسيون هذا التحول إلى عاملين أساسيين: تراجع مكانة إيران الإقليمية، وتنامي مخاوف دول الخليج من تداعيات الفوضى.
شبكة نفوذ إيران تتداعى
الحروب الإسرائيلية التي تلت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أدت إلى إضعاف شبكة حلفاء طهران الإقليميين. حزب الله بات أضعف من ذي قبل ويواجه ضربات إسرائيلية شبه يومية. أما نظام بشار الأسد المقرّب من إيران فقد خرج فعليًا من المعادلة الإقليمية. كذلك تعرّضت إيران نفسها لقصف إسرائيلي وأميركي دام 12 يومًا في يونيو/حزيران، قُتل خلاله حسين سلامي.
هذه التطورات جعلت مستقبل الجمهورية الإسلامية يبدو أقل إلحاحًا بالنسبة إلى كثير من العرب. ففي لبنان، على سبيل المثال، أثارت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تشرين الأول/أكتوبر 2024 غضبًا واسعًا، بينما قوبلت زيارته الأخيرة في 8 كانون الثاني/يناير بسخرية أكثر منها استياءً، خاصةً في ظل حديثه عن تعاون اقتصادي، بينما تشهد إيراناحتجاجات واسعة خصوصا بسبب تدهور الأوضاع المعيشية.
قوة من الدرجة الثانية
في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إيران بأنها "قوة من الدرجة الثانية"، وهو توصيف بات شائعًا بين مسؤولين عرب. وخلال الأسابيع الأخيرة، شغلت الخلافات بين السعودية والإمارات، وكذلك الاشتباكات في شمال سوريا، صدارة الاهتمام الإعلامي العربي، من دون أن تكون إيران طرفًا مباشرًا فيها.
مع ذلك، لا ترى دول الخليج أن إيران باتت عاجزة تمامًا. فالقلق يتزايد من احتمال تصعيد أميركي جديد، خاصة بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتحرك إذا واصل النظام قمع المحتجين. ورغم إضعاف ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية بعيدة المدى، ما زالت طهران تمتلك آلاف الصواريخ قصيرة المدى القادرة على ضرب أهداف في الخليج.
وقد أطلقت إيران سابقًا صواريخ باتجاه قاعدة العديد في قصر في ردّ رمزي أعقب قصف منشآتها النووية، بعد إنذار مسبق للدوحة وواشنطن. كما لوّح مسؤولون إيرانيون بإمكانية توسيع بنك الأهداف ليشمل دولًا مثل البحرين إذا تكررت الهجمات، وهو ما يفسّر حذر العواصم الخليجية من دفع الأمور إلى حافة المواجهة.
إعلان
شبح الانهيار
وبحسب المجلة البريطانية فإن الأكثر إثارة للقلق، من وجهة نظر خليجية، هو "اليوم التالي" لانهيار محتمل للدولة الإيرانية. فالمنطقة ما زالت تعاني آثار تفكك دول مثل العراق وسوريا، من تدفقات لاجئين وانتشار جماعات مسلحة وتهريب أسلحة ومخدرات. انهيار دولة يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة ولا تبعد سوى 200 كيلومتر عبر الخليج قد يفتح أبوابًا لمخاطر أكبر، من فقدان السيطرة على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وصولًا إلى الغموض الذي يلف مصير مخزونات اليورانيوم، بما فيها منشأة فوردو
لا تخفي الأنظمة العربية خلافها العميق مع الجمهورية الإسلامية، وقد ترحّب نظريًا بحكومة إيرانية جديدة تقلّص برنامجها النووي وتوقف دعمها لميليشيات في المنطقة. إلا أن سنوات من الحروب وعدم الاستقرار جعلت كثيرًا من العواصم العربية تفضّل الحذر: فاضطراب إيران، في نظرها، قد يعني مزيدًا من الفوضى بدلًا من الاستقرار المنشود.
سخط في إيران منذ عقود ... اقتصاد منهك وغضب متجدد يشعل الشارع
تشهد إيران منذ أواخر عام 2025 احتجاجات بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية قبل أن تتحول إلى حراك واسع يطالب بإصلاحات جذرية. وتعيد المظاهرات تعيد إلى الأذهان محطات تاريخية من الاحتجاجات في البلاد منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
صورة من: Michael Buholzer/KEYSTONE/picture alliance
1989 مظاهرات ضد تركيز السلطة
بعد قرابة شهر من قيام "الجمهورية الإسلامية" عام 1979، اندلعت مظاهرات قادتها النساء ضد فرض ارتداء الحجاب، وفرقتها بالضرب أو بإطلاق النار في الهواء.
فيما كانت "الثورة الإسلامية" في إيران تحتفل بمرور عشر سنوات على قيامها، عصفت بالبلاد أزمة سياسية حادة تخللتها مظاهرات عقب عزل رجل الدين حسين علي منتظري من منصب نائب مرشد الثورة الإسلامية. ويرجع عزل منتظري إلى معارضته تركيز السلطة في قبضة المرشد.
1999.. انتفاضة الطلاب
خرجت مظاهرات من جامعة طهران في يوليو / تموز 1999 بسبب إغلاق صحيفة إصلاحية تحمل اسم "سلام". كانت شرارة الاحتجاجات جامعة طهران فيما أدى قمع الشرطة للمحتجين إلى اتساع رقعة المظاهرات واستمرارها لقرابة أسبوع. واعتقلت الشرطة في حينه أكثر من ألف طالب.
صورة من: Tasnim
2003 ـ الطلاب شرارة الاحتجاجات مجددا
في عام 2003، اندلعت مظاهرات طلابية ضد قرار خصخصة عدة جامعات فيما تطورت الاحتجاجات بعد دخول قوات الأمن الحرم الجامعي لجامعة طهران لتمتد المظاهرات إلى مدن إيرانية أخرى. هتف الطلاب ضد رموز دينية وضد الرئيس أنداك محمد خاتمي.
صورة من: AP
2009 ..."الثورة الخضراء"
في عام 2009، شهدت إيران احتجاجات قادتها المعارضة التي اتهمت السلطات بتزوير الانتخابات الرئاسية لصالح فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية. شارك في الاحتجاجات مئات آلاف الإيرانيين، رفضا للاعتراف بنتائج الانتخابات في إطار ما أُطلق عليه حراك "الثورة الخضراء".
صورة من: AP
2017 احتجاجات الأربعاء البيض
بدأت في عام 2017 موجة احتجاجات نسائية ضد الحجاب الإلزامي فيما جرى تدشين حملات إلكترونية لتشجيع النساء على ارتداء ملابس بيضاء كل يوم أربعاء في إطار ما أطلق عليه حملة "أيام الأربعاء البيض". وقامت بعض الإيرانيات بنشر صور ومقاطع مصورة بدون حجاب في الأماكن العامة.
صورة من: privat
2017... مظاهرات ضد الغلاء
في نهاية عام 2017، اندلعت في عدة مدن إيرانية احتجاجات ضد زيادة أسعار المواد الغذائية وموجة الغلاء في حينه. بدأت الاحتجاجات في مشهد ثاني أكبر مدن إيران من حيث الكثافة السكاني، لكنها انتقلت بعد ذلك إلى مدن عدة منها همدان وأصفهان وسنندج والعاصمة طهران.
صورة من: Getty Images/AFP/STR
2018 احتجاجات بلا قيادة
استمرت احتجاجات "لا للغلاء" في عام 2018 وأسفرت عن مقتل العشرات واعتقال الالاف. على خلاف مظاهرات حراك "الثورة الخضراء" عام 2009، كانت موجة احتجاجات عامي 2017 و2018 بلا قيادة ولم تكن أيضا منظمة إلى حد كبير.
صورة من: picture-alliance/AA/Stringer
2019...مظاهرات ضد رفع أسعار الوقود
في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019، شهدت إيران موجة جديدة من الاحتجاجات ضد الإعلان المفاجئ للحكومة الإيرانية المتمثل في زيادة أسعار الوقود بنسبة 50 بالمائة على الأقل. وتسببت الاحتجاجات في سقوط قتلى وجرحى فيما جرى إضرام النار في مصارف ومتاجر.
صورة من: Mehr
2020..احتجاجات بعد إسقاط طائرة أوكرانية
في عام 2020، خرجت مظاهرات طلابية ضد الحكومة على خلفية إسقاط طائرة أوكرانية بعد دقائق على إقلاعها من مطار الخميني. وبعد أيام من نفي تورطها في إسقاط الطائرة الأوكرانية، أصدرت الحكومة الإيرانية بيانا تعترف فيه بمسؤوليتها عن الحادثة التي أسفرت عن مقتل جميع ركاب الطائرة وعددهم 176 شخصا. إعداد: محمد فرحان
صورة من: picture-alliance/dpa/NurPhoto/M. Nikoubaz
2022.. ثورة النساء
في أيلول/سبتمبر 2022، اندلعت احتجاجات عارمة في محافظات عدة إيرانية عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني إثر توقيفها بتهمة خرق قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء. رفع المتظاهرات والمتظاهرون شعار "المرأة، الحياة، الحرية" وسط مطالب بإنهاء القيود المفروضة على النساء منذ قيام الثورة الإسلامية.
صورة من: UGC/AFP
-20262025.. موجة احتجاجات البازار
منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر عام 2025، تشهد إيران حركة احتجاجية شعبية بدأها أصحاب متاجر في البازار (السوق) بالعاصمة طهران احتجاجا على تدهور العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية. اتسع نطاق المظاهرات إلى محافظات عديدة في البلاد مع رفع المتظاهرين شعارات سياسية مناهضة للسلطة التي يقودها المرشد الأعلى علي خامنئي.
صورة من: MEK/The Media Express/SIP/SIPA/picture alliance
تصاعد الغضف الدولي
ومع تنامي استخدام السلطات الإيرانية القوة لإنهاء مظاهرات "البازار"، يتصاعد الغضب الدولي حيال حملة القمع تسببت بمقتل الآلاف، بحسب منظمات حقوقية. تزامن ذلك مع اندلاع مظاهرات تضامنية في عواصم غربية عديدة.