1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

لماذا تستعد فولكسفاغن لأكبر موجة تسريح للعمال في تاريخها؟

١٠ يوليو ٢٠٢٦

يعتزم عملاق صناعة السيارات الألماني "فولكسفاغن" إلغاء ما يصل إلى 100 ألف وظيفة من إجمالي قوته العاملة البالغة نحو 630 ألف موظف. فهل تكفي الخطوة لتمكين الشركة من الصمود في مواجهة المنافسة الصينية المتصاعدة؟

تمتلك فولكسفاغن عددًا من الموظفين يزيد بنسبة 60% عن تويوتا، رغم أن الشركتين تنتجان عددًا متشابهًا من السيارات.
تمتلك فولكسفاغن عددًا من الموظفين يزيد بنسبة 60% عن تويوتا، رغم أن الشركتين تنتجان عددًا متشابهًا من السيارات.صورة من: Moritz Frankenberg/dpa/picture alliance

بنت شركة فولكسفاغن واحدة من أكبر القوى العاملة في صناعة السيارات العالمية. فمع نحو 630 ألف موظف أو 680 ألفا، إذا احتُسبت المشاريع المشتركة في الصين توظف فولكسفاغن عددا من العاملين يزيد بنحو 60% على العملاق الياباني "تويوتا"، وبنحو 140% على مجموعة صناعة السيارات متعددة الجنسية "ستيلانتس"، وبنحو 240% على شركة صناعة السيارات الأمريكية "فورد".

كان هذا العدد الضخم من الموظفين يُعد في السابق رمزًا للقوة الصناعية الألمانية وللأرباح الهائلة التي تحققها فولكسفاغن. أما اليوم، فقد أصبح عبئًا ثقيلًا يدفع الشركة إلى تنفيذ عمليات تسريح مؤلمة للعمال من أجل الصمود في مواجهة المنافسين الصينيين الأكثر مرونة.

وبعد أن خفضت بالفعل آلاف الوظائف العام الماضي مع تعرض أرباحها لضغوط، تستعد فولكسفاغن الآن لإلغاء ما يصل إلى 100 ألف وظيفة حول العالم، من بينها عشرات الآلاف في ألمانيا. كما تخطط لإغلاق أربعة مصانع داخل ألمانيا.

وتشمل هذه التخفيضات أيضًا العلامات التجارية الفاخرة التابعة لفولكسفاغن مثل بورشه وأودي. وتواجه شركات صناعة السيارات الألمانية الأخرى والموردون ضغوطًا مماثلة؛ إذ تعتزم مرسيدس-بنز إلغاء عدة آلاف من الوظائف، كما أعلنت شركات توريد مثل بوش عن برامج واسعة لخفض التكاليف. 

أربعة مصانع لفولكسفاغن في ألمانيا تواجه خطر الإغلاق.صورة من: AAPimages/Wehnert/picture alliance

كيف وصلت فولكسفاغن إلى هذه المرحلة؟

يرجع جزء كبير من مشكلة العدد الكبير من العاملين في  فولكسفاغن إلى قرارات استراتيجية اتخذتها الشركة منذ سنوات طويلة. وتقول ميغان أوستيرتاغ، محللة السياسات الاقتصادية في مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار الأمريكية، إن حاجة  فولكسفاغن إلى قوة عاملة أكبر بكثير من منافسيها تعود إلى اختيارها التحكم في عدد أكبر من مراحل الإنتاج بنفسها.

وأضافت في حديثها لـDW : "تصنع الشركة الكثير من مكوناتها وبرمجياتها داخليًا، ما يزيد الحاجة إلى العمالة، وبالطبع يرفع تكاليفها،" مشيرة إلى أن تكاليف تشغيل المصانع في ألمانيا قد تصل إلى ضعف تكاليف المنافسين.

ويرى خبراء آخرون أن السبب يعود أيضًا إلى استراتيجية الاستحواذ المكثفة التي انتهجتها الشركة على مدى سنوات، والتي ضمت تحت مظلتها علامات مثل سكودا وبورشه وسيات وبوغاتي، فضلًا عن عدد من شركات تصنيع الشاحنات.

وقال دانيال هاريسون، كبير محللي صناعة السيارات في شركة "ألتيما ميديا" في لندن، لـDW : "نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد ما، لكن تعقيدات دمج كل تلك العلامات التجارية وسلاسل التوريد والتصاميم المختلفة جعلت تشغيل فولكسفاغن بالغ التعقيد."

مع وجود مصانع لها في تايلاند والبرازيل، تفتتح شركة السيارات الصينية "بي واي دي" مصنعًا جديدًا في المجر.صورة من: Jin Haoyuan/Xinhua/IMAGO

لماذا تعثر نموذج فولكسفاغن؟

ورغم أن فولكسفاغن نجت من فضيحة انبعاثات الديزل عام  2015 دون أن تتعرض لأضرار مالية دائمة، فإنها تكبدت تكاليف هائلة، وسرعان ما واجهت مجموعة جديدة من التحديات.

فقد تأخرت الشركة في التحول إلى إنتاج السيارات الكهربائية، في الوقت الذي كانت فيه الشركات الصينية المصنعة لهذه السيارات تحقق تقدمًا كبيرًا وتتفوق تكنولوجيًا.

وأسهم هذا التأخر في تراجع مبيعات فولكسفاغن في الصين، التي تمثل نحو ثلث مبيعاتها العالمية، إلى جانب ضعف الطلب في أوروبا وأسواق رئيسية أخرى.

كما كررت فولكسفاغن خطأ ارتكبته صناعة السيارات الأمريكية قبل عقود. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت الشركات الأمريكية الثلاث الكبرى — فورد، وجنرال موتورز، وكرايسلر (التي أصبحت جزءًا من ستيلانتس) — تعاني تضخمًا في الهياكل الإدارية وبطئًا في التكيف، بينما كانت الشركات اليابانية والأوروبية تنتزع حصصًا متزايدة من السوق.

وبحلول الوقت الذي تحولت فيه شركات السيارات الأمريكية إلى أساليب إنتاج أكثر كفاءة، كانت قد فقدت نحو عقد كامل وتراجعت كثيرًا عن منافسيها، بحسب أوستيرتاغ.

أما تويوتا، التي تنتج عددًا مشابهًا من السيارات لفولكسفاغن، فتعمل بنحو نصف عدد الموظفين تقريبًا، وذلك بفضل اعتمادها بدرجة أكبر على الموردين، وارتفاع مستوى الأتمتة، وبنية إدارية أكثر بساطة.

وفي مذكرة بحثية حديثة، أشار محلل أسواق السيارات الألمانية ماتياس شميدت إلى عامل آخر، وهو ما وصفه بـ"القبضة الخانقة" للنقابات العمالية وكبار المساهمين في الشركة، معتبرا أن ذلك أسهم في سنوات من الإهمال في إعادة ضبط أعداد العاملين.

وتملك ولاية ساكسونيا السفلى، التي تقع فيها مدينة فولفسبورغ مقر فولكسفاغن العالمي، 20من حقوق التصويت داخل الشركة، ولديها حق النقض (الفيتو) على القرارات الكبرى. وقد مارست سابقًا ضغوطًا على الإدارة لعدم إغلاق المصانع أو تسريح الموظفين،  ولا سيما خلال أزمة "ديزل غيت" وأزمة سلاسل التوريد المرتبطة بجائحة كورونا، وهي تمارس ضغوطًا مماثلة هذه المرة أيضًا.

وفي الوقت نفسه، نجحت النقابات الألمانية القوية، على مدى عقود، في انتزاع زيادات كبيرة في الأجور ومزايا سخية، ما جعل موظفي فولكسفاغن من بين الأعلى أجرًا في صناعة السيارات عالميًا..

هل تكفي خطة إنقاذ فولكسفاغن؟

ورغم المعارضة الشديدة التي تبديها النقابات لخطط فولكسفاغن الأخيرة، يحذر محللون من أن الشركة قد تضطر إلى خفض نفقات بأكثر من 4 مليارات يورو سنويًا، وهو المبلغ الذي تستهدف توفيره حاليًا لضمان مستقبلها.

ويرى هؤلاء أن المقترحات الحالية ستوفر مكاسب مالية وستقلل فائض الطاقة الإنتاجية في المصانع الألمانية، كما ستساعد على تحسين الربحية على المدى القصير. لكنهم يؤكدون أن هيكل التكاليف المرتفع وثقافة اتخاذ القرار البطيئة داخل فولكسفاغن يعنيان أن إصلاحات أعمق وأكثر جذرية قد تكون ضرورية.

وقالت أوستيرتاغ لـDW : "إن على فولكسفاغن أن تستثمر بصورة أكبر في الأتمتة، لأن ذلك سيمكنها من منافسة الشركات الأكثر كفاءة، مثل شركة "بي واي دي" الصينية التي تعد من أسرع العلامات التجارية نموًا في سوق السيارات الكهربائية الأوروبية".

ويقول محللون إن فولكسفاغن تأخرت عن منافسيها في مستوى أتمتة المصانع، لكنها كثفت في الآونة الأخيرة استثماراتها في الروبوتات والتحديثات الرقمية الخاصة بإنتاج السيارات الكهربائية. كما تخطط لإطلاق أول سيارة كهربائية يقل سعرها عن 20 ألف يورو العام المقبل.

ومع مسؤولية الصين عن نحو30 بالمئة    من إنتاج فولكسفاغن العالمي، يتوقع دانيال هاريسون انتقال مزيد من خطوط الإنتاج إلى آسيا، بل ويرى إمكانية مشاركة مصانع فولكسفاغن الأوروبية مع شركات صينية منتجة للسيارات الكهربائية، وهو أمر كان يُعد حتى وقت قريب غير قابل للتصور.

"قد يتم الاستحواذ عليه"

وعلى صعيد السياسات، تقدم الحكومة الألمانية دعمًا ماليًا وقروضًا لمصانع بطاريات السيارات الكهربائية داخل البلاد، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات الصينية. وفي المقابل، يدفع الاتحاد الأوروبي بقانون تسريع الصناعة الرامي إلى تعزيز القدرة التنافسية للتكتل وحماية الصناعات الاستراتيجية من المنافسة غير العادلة القادمة من الصين.

وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض بالفعل رسومًا جمركية تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين، لكنها لا تزال أقل بكثير من الرسوم الأمريكية البالغة 100%، والتي أدت عمليًا إلى إبعاد الشركات الصينية عن سوق السيارات الأمريكية.

وحذر المؤرخ نيل فيرغسون، من جامعة هارفارد، من أن أوروبا كانت بطيئة في الرد على استراتيجية الصين القائمة على تقديم دعم حكومي ضخم لشركات تصنيع السيارات الكهربائية، وهو ما مكنها من بيع سياراتها بأسعار تقل عن أسعار المنافسين الأوروبيين.

وقال لصحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الأسبوع الماضي: "إذا لم يحدث تغيير جذري، فأنا أتوقع أن يقود الأوروبيون سيارات صينية على نطاق واسع قريبًا جدًا."

وفي المقابلة نفسها، اقترح الخبير الاقتصادي موريتس شولاريك، رئيس معهد كيل للاقتصاد العالمي، استخدام حق الوصول إلى السوق الأوروبية كورقة ضغط، بحيث لا يُسمح للعلامات التجارية الصينية ببيع سياراتها في أوروبا إلا إذا قامت بتصنيعها داخل القارة.

وعند سؤاله عن مستقبل فولكسفاغن على المدى الطويل، أجاب شولاريك باستفزاز قائلاً إن عملاق صناعة السيارات الألماني "قد يتم الاستحواذ عليه في نهاية المطاف من قبل شركة سيارات صينية مثل بي واي دي".

أعده للعربية: عباس الخشالي

تحرير: محمد فرحان

  

نيك مارتن محرر متخصص في الاقتصاد العالمي والعولمة والجريمة المنظمة
تخطي إلى الجزء التالي موضوع DW الرئيسي

موضوع DW الرئيسي

تخطي إلى الجزء التالي المزيد من الموضوعات من DW

المزيد من الموضوعات من DW