الصراع الدائر في السودان، بات عبئا ثقيلا ليس فقط على مواطنيه، بل أيضا على جيرانه، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية. وتراقب بلدان الجوار مثل مصر وتشاد وجنوب السودان بقلق تطورات القتال وانعكاسات الوضع الأمني.
إعلان
"السودان أصبح في قلب أزمة قد يطول أمدها"، هذا ما تراه مارينا بيتر، مؤسِسة منتدى السودان وجنوب السودان في مقابلة مع DW، وبحسب الخبيرة "عندما ينشب صراع في إحدى هذه البلدان، سواء كانت مصر أو ليبيا أو تشاد أو جمهورية أفريقيا الوسطى أو جنوب السودان أو إثيوبيا أو إريتريا أو - بالنظر عبر البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية، فإن البلدان المجاورة سرعان ما تتأثر"
في السودان، الذي يعاني من عدم الاستقرار السياسي منذ سنوات،يستعر الصراع الآن بين أقوى جنرالين وقواتهما من أجل السيادة على كامل التراب السوداني، القوات العسكرية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وتؤكد بيتر أن اندلاع أعمال العنف في السودان يزيد من أخطار زعزعة الاستقرار في المنطقة.
جنوب السودان: النفط كمصدر للدخل
تقول مارينا بيتر إن جميع الدول تعتمد على علاقات جيدة معالسودان. لكن هناك روابط خاصة ومختلفة مع دولة جنوب السودان، البلد الذي أعلن استقلاله عن الشمال عام 2011، وذلك بعد صراع طويل وحرب أهلية أسفرت عن مقتل مئات الآلاف.
ومن بين حوالي 11 مليون نسمة في جنوب السودان، فر عدة ملايين إلى البلدان المجاورة أو أجزاء أخرى من جنوب السودان، هربا من الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2013 وأودت بحياة مئات الآلاف. وانتهت الحرب الأهلية رسميًا عام 2020، "لكن ّالسلام هناك لا يزال هشا"، بحسب ما تقول بيتر.
من ناحيته يتفق غيرت كورتس، الخبير في مجموعة أبحاث إفريقيا والشرق الأوسط في مؤسسة برلين للعلوم والسياسة مع أقوال بيتر، ويقول في مقابلة مع DW "إن التاريخ المشترك يربط بقوة بين الناس في كلا البلدين"، ويضيف بأن كثيرين "يعيشون في السودان وفي جنوب السودان، بما في ذلك اللاجئون، وبالطبع هناك أيضًا علاقات سياسية واقتصادية وثيقة".
ووفقًا لكورتس، يعتمد جنوب السودان على العملات الأجنبية من مبيعات النفط الخام. فحوالي 95 بالمائة من الإيرادات العامة تعود إلى هذه المبيعات. لذلك يلعب السودان دورا في استقرار هذه المبيعات وتدفقها، إذ يمر خط الأنابيب عبر السودان إلى البحر الأحمر. ولهذا فإن حكومة جنوب السودان مهتمة للغاية بالحفاظ على هذا الاتصال.
بيد أن الانقسام يتحكم بالحكومة السودانية نفسها، فقد لعب زعيم قوات الدعم السريع دقلو دور الوسيط مع جنوب السودان حتى الآن. "والآن تحاول الأطراف في جنوب السودان بطريقة ما النأي بنفسها بمعزل عن الصراع الدائر في الشمال، إذ أن هذا الصراع قد يفجر الوضع السياسي في جنوب السودان أيضا ويؤدي إلى جر المنطقة إلى ىوامة العنف"، بحسب كورتس.
الأزمة الإنسانية في تشاد
في سياق متصل يقول الجيش في تشاد، الدولة المجاورة للسودان، إنه نزع سلاح 320 مقاتلا من الفصائل شبه العسكرية من السودان كانوا قد عبروا الحدود الاثنين الماضي. ويتوافد اللاجئون المدنيون بالفعل من مناطق الصراع في غرب السودان إلى تشاد، كما أكد وزير الاتصالات التشادي عزيز محمد صالح لـ DW. وهذا على الرغم من حقيقة أن الحدود مع السودان التي يبلغ طولها 1500 كيلومتر مغلقة.
وقال صالح إن تشاد، هو بلد مضياف بطبعه، لا يمكنه إغلاق حدوده بالكامل في هذه الظروف، وأضاف "نناشد الشركاء الدوليين لدعمنا في هذه الأزمة الإنسانية التي تلوح في الأفق".
وبحسب الوزير التشادي فإنه ينبغي ألا يغيب عن البال أن بلاده ترعى بالفعل أكثر من 500 ألف لاجئ متواجدين لديها سابقا. ويخشى صالح من أن الحرب الجارية يمكن أن يكون لها تأثير دائم على منطقة الساحل بأكملها، بما في ذلك التجارة بين الدول.
تاريخيا كان هناك الكثير من حركة المرور على الحدود بين الجارتين تشاد والسودان. وخاصة من الرعاة الذين كانوا يتركون قطعان الماشية ترعى على جانبي الحدود، بيد أن العلاقة بدأت بالتدهور خلال نزاع دارفور.
مصر ..الدولة الحليفة
يمكن لمصر أيضًا أن تنظر إلى تاريخها الطويل مع السودان، ليس فقط كشريك تجاري. فقد كان السودان يتبع مصر في زمن الفراعنة وكان يسمى النوبة. ومع ذلك، ولفترة قصيرة، حكم النوبيون مصر أيضًا، وفي وقت لاحق كان كلا البلدين تحت الحكم الاستعماري البريطاني.
والبلدان ثقافاتهما متشابهة، والعلاقة بين بعض النخب في السودان ومصر وثيقة، وبحسب الخبير في برلين كورتس فإن: "كثيرين من النخب السودانية درست في مصر وتم تدريب القوات المسلحة السودانية لفترات متعاقبة في مصر". وعند اندلاع الصراع الأخير، كان أفراد من القوات الجوية المصرية في السودان أيضًا للتدريب. وأعلنت السودان في وقت لاحق عن نقل 177 شخصا إلى مصر.
ويرى النظام في مصر أن الحكومة العسكرية في السودان أقرب إلى الحليف: "فالعلاقات وثيقة، لا سيما من جانب القوات المسلحة والجيش"، كما يقول كورتس.
جانب آخر مهم يجب التركيز عليه وهو قضية الخلاف على مياه النيل، موضوع الساعة منذ أن قامت إثيوبيا، الواقعة في أعلى النهر، ببناء سد النهضة لمحطة الطاقة الكهرومائية الضخمة. ويقول الخبير من برلين إن مصر تريد "إدخال السودان إلى معسكرها الخاص في الصراع". والمفاوضات مع أثيوبيا مستمرة منذ سنوات لكن لا يوجد اتفاق نهائي بين الدول الثلاث.
وقدمت مصر وجنوب السودان نفسيهما في وقت مبكر كوسيط في الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع. فسودان مستقر، أضحى مصلحة مشتركة لجيرانه.
مارتينا شفيكوفسكي/ ع.أ.ج
في صور: دوامة الصراع على السلطة في السودان..أبرز القوى السياسية والعسكرية
منذ سقوط نظام البشير تتصارع قوى سياسية وعسكرية على السلطة في السودان. وتسبب الصراع في عدم استقرار الأحوال بالبلاد على مدى سنوات، إلى أن اندلع القتال الأخير بين الجيش وقوات الدعم السريع. فما هي أبرز تلك الجهات المتصارعة؟
صورة من: Ebrahim Hamid/AFP/Getty Images
قوى "إعلان الحرية والتغيير"
وهي تجمع لعدد من التيارات والمكونات السياسية الإئتلافات المدنية السودانية، منها "تجمّع المهنيين" و "الجبهة الثورية" و "تحالف قوى الإجماع الوطني" و "كتلة التجمع الاتحادي" و "كتلة قوى نداء السودان".
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
تأسيس "إعلان الحرية والتغيير"
تأسّست قوى الحرية في كانون الثاني/يناير 2019 خِلال الاحتجاجات التي اندلعت عام 2018 ضد حكم الرئيس السابق عمر البشير. قامت تلك القوى المعروفة اختصاراً باسم "قحت" بصياغة "إعلان الحرية والتغيير" و"ميثاق الحرية والتغيير" الذي دعا إلى إقالة البشير من السلطة وهو ما حدث في نيسان/أبريل عام 2019.
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
الجيش يطيح باتفاق تقاسم السلطة
استمرت "قحت" في نشاطها ونظمت احتجاجات في وجه المجلس العسكري الذي حكم البلاد "نظريًا" بعد سقوط نظام البشير ثمّ دخلت في مرحلة مفاوضات مع الجيش حتى توصلت معه في 17 تموز/يوليو 2019 إلى خطة لتقاسم السلطة لكنها لم تصمد كثيراً، حيث أطاح الجيش السلطة المدنية واتُهم بتنفيذ "انقلاب".
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
الجيش الحاكم الفعلي منذ استقلال السودان
الحاكم الفعلي للبلاد منذ إعلان الجمهورية عام 1956. يحتل المركز 75 عالمياً في قائمة أقوى جيوش العالم ويصل عدد أفراده إلى نحو 200 ألف جندي بين قوات عاملة واحتياط. لدى الجيش السوداني 191 طائرة حربية متنوعة بين مقاتلات وطائرات هجومية وطائرات شحن عسكري وطائرات تدريب ومروحيات هجومية. كما يمتلك 170 دبابة وآلاف المدرعات وأنواع مختلفة من المدافع وراجمات الصواريخ إلى جانب أسطول بحري صغير.
صورة من: Sovereignty Council of Sudan/AA/picture alliance
انقلاب الجيش على الحكومة المدنية
استولى الجيش في أكتوبر/تشرين الأول 2021 على السلطة وأعلن حالة الطوارئ، منهياً اتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين في خطوة وصفت بأنها انقلاب عسكري. تقول التيارات المدنية إن الجيش يرفض تسليم السلطة للمدنيين ما أدى لصدامات متعددة كان أبرزها ما سمى "بمجزرة القيادة العامة" في حزيران/يونيو 2019 وراح ضحيتها أكثر من 100 قتيلٍ في يومٍ واحد وتبرأ المجلس العسكري منها وأكد فتح تحقيقات بشأنها.
صورة من: Sudan Sovereignty Council Press Office/AA/picture alliance
الرجل القوي في الجيش السوداني
يقود الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان والذي برز اسمه في فبراير/شباط 2019، مع إعلان البشير ترقيته من رتبة فريق ركن إلى فريق أول. تولى العديد من المناصب داخل وخارج السودان. عقّدت الانقسامات بين قوات الدعم السريع والجيش جهود استعادة الحكم المدني. وسرعان ما دب الخلاف بين الرجلين القويين عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة ومحمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع ونائب البرهان.
صورة من: ASHRAF SHAZLY/AFP/Getty Images
قوات الدعم السريع..ميليشيات الجنجويد بالأمس
عمودها الأساسي ميليشيات الجنجويد وهي جماعات مسلحة كانت موالية للبشير، أثارت ذعراً شديداً منذ عام 2003 حين قامت بسحق تمرد في دارفور. اتهمت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. أضفى البشير الشرعية عليها لتتحول إلى "قوات الدعم السريع" وفق قانون أجازه المجلس الوطني في عام 2017". حصل قائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي" على رتبة عسكرية وكان له مطلق الحرية في السيطرة على مناجم الذهب في دارفور.
صورة من: Hussein Malla/AP/picture alliance
قوات الدعم السريع..الرجال والعتاد
يُقدر عدد أفراد قوات الدعم السريع بنحو 100 ألف فرد ينتشرون في جميع أنحاء البلاد. تمتلك عدداً كبيراً من الأسلحة الخفيفة مثل البنادق والرشاشات والأسلحة المضادة للدروع والصواريخ الموجهة والمتفجرات اليدوية والأسلحة الثقيلة مثل المدافع والدبابات وآلاف من سيارات الدفع الرباعي وغيرها.
صورة من: Hussein Malla/AP/picture alliance
من هو محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع؟
"حميدتي" اللواء محمد حمدان دقل، هو تاجر جمال سابق وحاصل على قدر من التعليم الأساسي ويعد الرجل الثاني في السودان وأحد أثرى الأشخاص في البلاد. أدى دوراً بارزاً في السياسة المضطربة في السودان على مدى سنوات وساعد في إطاحة الرئيس البشير عام 2019، والذي كانت تربطه به علاقة وثيقة ذات يوم. تولى عدداً من أهم الملفات في السودان بعد سقوط البشير، بما في ذلك الاقتصاد المنهار ومفاوضات السلام مع جماعات متمردة.
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
"حميدتي" ..رجل من؟
يتمتع حميدتي بعلاقات دولية قوية مع عدة دول أجنبية مثل روسيا وإثيوبيا، وأخرى عربية منها السعودية والإمارات خاصة بعد أن أرسل قواته لدعمهما ضد الحوثيين في الحرب الأهلية اليمنية. يقول مراقبون إنه منذ سقوط البشير وهو يسعى ليصبح الرجل الأول في السودان.
صورة من: Russian Foreign Ministry Press Service/AP/picture alliance
كيانات التيار الإسلامي
وهي تنظيمات وتيارات وكيانات إسلامية متنوعة المشارب والاتجاهات، منها "حركة الإصلاح الآن" بقيادة غازي صلاح الدين العتباني وهو مستشار سابق للبشير، وأيضاً "الحركة الإسلامية السودانية" بقيادة حسن عمر و"منبر السلام العادل" و "حزب دولة القانون والتنمية".
صورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture alliance
موقف كيانات التيار الإسلامي
تقول قوى سياسية سودانية إن التيار الإسلامي في أغلبه يضم رموزاً من العهد السابق وأن أغلب مكوناته تنتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين. من جهتها تقول تلك التيارات الإسلامية إنها تعمل على حفظ السيادة الوطنية وجعل قيم الدين هي الحاكمة لجميع أوجه الحياة إضافة لإصلاح الشأن السياسي. إعداد: عماد حسن.