منذ تعليق لم شمل اللاجئين في ألمانيا تقدمت آلاف العائلات بطلبات استثنائية، لكن النتيجة كانت صدور تأشيرتين فقط من أصل 1325 حالة تمت دراستها. أرقام تكشف واقعا صعبا خلف قانون يستبعد لم شمل عائلات الحاصلين على حماية ثانوية.
كشفت تقارير حديثة أن ما يسمى بـ "قاعدة الحالات الاستثنائية" لم تكن سوى واجهة قانونية لم تترجم على أرض الواقع إلا في حالات نادرة جداًصورة من: Solomon Muche/DW
إعلان
تواجه سياسة الحكومة الألمانية بشأن لم شمل أسر اللاجئين انتقادات حادة وصفتها بـ "القاسية وغير الإنسانية"، وذلك في ظل التطبيق الصارم لقرار تعليق لم الشمل لأقارب الحاصلين على "الحماية الثانوية" (subsidiär Schutzberechtigten).
وكشفت تقارير حديثة أن ما يسمى بـ "قاعدة الحالات الاستثنائية" لم تكن سوى واجهة قانونية لم تترجم على أرض الواقع إلا في حالات نادرة جداً، مما أثار صدمة في الأوساط السياسية والحقوقية، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
1325 طلباً لحالات إنسانية صعبة
وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن الحكومة الألمانية، رداً على استفسار من كتلة حزب "اليسار" في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، ونشرتها صحيفة "نويه أوسنابروكر تسايتونغ"، فقد تم فحص 1325 طلباً لحالات إنسانية صعبة بشكل نهائي منذ دخول اللوائح الجديدة حيز التنفيذ في يوليو/تموز من العام الماضي 2025. والمفاجأة كانت في أن نتيحة هذا الفحص لم تسفر إلا عن منح تأشيرتين فقط للم شمل الأسرة.
وصفت كلارا بونغر، المتحدثة باسم سياسة اللجوء في حزب اليسار، هذه النتائج بأنها "صادمة تماماً وأسوأ مما كان يخشى"، معتبرة أن "الإنسانية في هذه الممارسة لا تتجاوز نسبة الواحد في الألف". وأشارت بونغر إلى أنه منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، لم يتم اتخاذ أي قرار إيجابي واحد بشأن لم شمل الأسرة، مما يؤكد أن قاعدة الحالات الاستثنائية ليست سوى "ورقة توت" لتغطية سياسة متشددة.
تشير الأرقام الحكومية إلى حجم الفجوة الكبير بين الاحتياجات الإنسانية والقرارات المتخذةصورة من: Thomas Trutschel/photothek/picture alliance
أرقام تعكس واقعاً صعباً
وتشير الأرقام الحكومية إلى حجم الفجوة الكبير بين الاحتياجات الإنسانية والقرارات المتخذة، فحتى مارس/آذار من العام الحالي تم تسجيل 4029 طلب استغاثة وهي لحالات إنسانية صعبة وتشير جميعها إلى مواقف طارئة أو خاصة جداً.
وأجرت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) المكلفة بمعالجة هذه الطلبات، عدداً كبيراً من المقابلات، إذ أجرت 1559 مقابلة مع 5465 شخصاً
بدورها، أتمت وزارة الخارجية الألمانية فحصها الأولي لطلبات 392 أسرة تضم 1325 فرداً، وخلصت الحكومة في "الغالبية العظمى من الحالات" إلى عدم وجود مؤشرات كافية لاعتبارها "حالة إنسانية صعبة".
تشديد السياسات وخلفيات القرار
يأتي هذا التشدد تنفيذاً لاتفاق الائتلاف الحاكم بين الاتحاد المسيحي (CDU/CSU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، والذي نص على تشديد سياسات الهجرة بهدف وقف الهجرة غير النظامية وزيادة الرقابة على عمليات الدخول. وبموجب هذا التعديل القانوني، تم استبعاد لم شمل الأسرة للحاصلين على الحماية الثانوية منذ 24 يوليو/تموز 2025 وحتى 23 يوليو/تموز 2027، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وخلال هذه الفترة، لا تمنح التأشيرات العادية للأزواج أو الأطفال القصر أو الآباء، حتى لو تم استيفاء الشروط العامة مثل توفر السكن ومصدر الرزق. وتقتصر الاستثناءات فقط على حالات ضيقة جداً تتعلق بأسباب إنسانية ملحة أو للحفاظ على المصالح السياسية لألمانيا.
تقتصر الاستثناءات فقط على حالات ضيقة جداً تتعلق بأسباب إنسانية ملحة أو للحفاظ على المصالح السياسية لألمانياصورة من: Julian Stratenschulte/dpa/picture alliance
الحماية الثانوية.. أمل معلق
يُمنح وضع "الحماية الثانوية" للأشخاص الذين لا يستطيعون إثبات تعرضهم لتهديد فردي في بلدانهم (كما تتطلب اتفاقية جنيف للاجئين)، ولكنهم يخشون مخاطر عامة على حياتهم وسلامتهم هناك، مثل الحروب أو العنف العشوائي. وينتمي جزء كبير من هؤلاء اللاجئين إلى الجنسية السورية.
وفي حين أعلنت الحكومة سابقاً عن إصدار نحو 150 تأشيرة لم شمل لأقارب أشخاص يتمتعون بالحماية الثانوية في الفترة بين أغسطس ونهاية ديسمبر 2025، إلا أن هذا الرقم لا يشير صراحة إلى "قاعدة الحالات الاستثنائية"، بل قد يشمل تأشيرات لمن حصلوا على مواعيد قبل دخول التعديل القانوني حيز التنفيذ، حيث تم إصدار نحو 7300 تأشيرة في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 قبل بدء تطبيق القيود الجديدة.
إعلان
مطالبات بمراجعة فورية
ووصفت كلارا بونغر الممارسة الحالية بأنها "مخالفة بوضوح للدستور وحقوق الإنسان"، وطالبت الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالضغط داخل الائتلاف لضمان ممارسة تتوافق مع حقوق الإنسان، وإعادة تقييم جميع طلبات الرفض السابقة بشكل عاجل.
وتهدف الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى تخفيف الضغط في مجالات الاستقبال والاندماج، لكن الثمن الإنساني - كما يرى المعارضون - أصبح باهظاً جداً على العائلات المشتتة.
تحرير: علي المخلافي
ألمانيا واللاجئون.. كيف تغير الحال منذ الترحيب الكبير في 2015؟
أغلبية الألمان كانت في عام 2015 مع استقبال اللاجئين ومنحهم الحماية. ولكن الأمور لم تستمر كذلك، حيث تراجعت نسبة التأييد للاجئين بشكل متسارع اعتباراً من مطلع عام 2016. نستعرض ذلك في هذه الصور.
صورة من: Odd Andersen/AFP/Getty Images
ميركل وعبارتها الشهيرة
"نحن قادرون على إنجاز ذلك". عبارة قالتها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في هذا المؤتمر الصحفي للحكومة، الذي عقد بتاريخ 31 أغسطس/آب 2015. لم تكن تعرف حينها أن الجملة ستدخل التاريخ الألماني الحديث، وتسبب استقطاباً في البلاد، ويتحول الرأي العام الألماني من مرحب بنسبة كبيرة باللاجئين، إلى تناقص هذه النسبة بمرور السنوات.
صورة من: Imago/photothek/T. Imo
تأييد كبير لاستقبال اللاجئين
حتى مع ارتفاع أعداد طالبي اللجوء إلى ألمانيا من حوالي 41 ألف طلب لجوء في عام 2010 إلى 173 ألف طلب لجوء في 2014، كانت الأغلبية الساحقة من الألمان، في مطلع عام 2015، مع استقبال اللاجئين وتقديم الحماية لهم.
صورة من: Martin Meissner/AP Photo/picture alliance
أول محطة ترحيب
صيف وخريف 2015 شهد ذروة موجة اللجوء الكبيرة. فبعد أخذ ورد على المستوى السياسي الألماني، ومع الدول الأوروبية المجاورة، سمحت ألمانيا ودول أوروبية أخرى بدخول طالبي اللجوء إليها. مئات الآلاف دخلوا البلاد خلال أسابيع قليل. وظهرت صور التعاطف معهم من جانب السكان الألمان. وكان ذلك واضحاً للعيان في محطات القطارات وفي مآوي اللاجئين.
صورة من: Sven Hoppe/dpa/picture alliance
التأييد حتى على مدرجات الملاعب
وحتى على مدرجات ملاعب كرة القدم، في مباريات الدوري الألماني (بوندسليغا)، شاهد العالم عبارات الترحيب باللاجئين، كما هنا حيث رفعت جماهير بوروسيا دورتموند هذه اللافتة العملاقة بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين أول 2015.
وبالمجمل وصل إلى ألمانيا خلال عام 2015 وحده حوالي 890 ألف طالب لجوء.
صورة من: picture-alliance/G. Chai von der Laage
الرافضون لاستبقال اللاجئين أقلية في 2015
بنفس الوقت كان هناك رافضون لسياسة الهجرة والانفتاح على إيواء اللاجئين، وخاصة من أنصار حركة "بيغيدا" (أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب)، الذين كانوا يخرجون في مسيرات، خصوصاً في شرق البلاد، للتعبير عن رفضهم لاستقبال اللاجئين. كما كانت تخرج مظاهرات مضادة لحركة "بيغيدا" وداعمة لاستقبال اللاجئين.
صورة من: Reuters/F. Bensch
ليلة الانعطاف الكبير
وبقي الرأي العام منفتحاً على استقبال اللاجئين حتى ليلة حاسمة، مثلت علامة فارقة في قضية الهجرة واللجوء في ألمانيا. فبينما كان العالم يودع عام 2015 ويستقبل 2016، والاحتفالات السنوية تقام أيضا في المدن الألمانية، وردت أنباء متتالية عن عمليات تحرش بالكثير من الفتيات في موقع احتفال برأس السنة في مدينة كولن (كولونيا). أكثر من 600 فتاة تعرضن للتحرش والمضايقات.
صورة من: DW/D. Regev
تعليق لم الشمل لحملة الحماية المؤقتة
من تلك اللحظة بدأ المزاج العام في التغير وأخذ حجم التأييد لاستقبال اللاجئين يتراجع في الرأي العام الألماني. وبدأ التشديد في قوانين الهجرة واللجوء، كتعليق لم الشمل لمدة عامين للاجئي الحماية الثانوية (المؤقتة)، بموجب القانون الذي صدر في ربيع عام 2016، والذي صدر في عهد وزير الداخلية آنذاك توماس دي ميزير.
صورة من: Getty Images/AFP/J. McDougall
الهجوم على سوق عيد الميلاد في برلين 2016
وقبل أن يودع الألمان عام 2016 بأيام قليلة، أتت كارثة جديدة صدمت الرأي العام: هجوم بشاحنة على سوق لعيد الميلاد في العاصمة برلين، نفذه اللاجئ التونسي سميح عمري. 13 إنسان فقدوا حياتهم في الهجوم، وأصيب 63 آخرون. حصيلة مؤلمة ستترك ندوباً في المجتمع.
صورة من: Reuters/H. Hanschke
حزب البديل يدخل البرلمان للمرة الأولى
استفاد من هذه الأحداث حزب البديل لأجل ألمانيا اليميني المناهض لسياسة الهجرة واللجوء الحالية والرافض لاستقبال اللاجئين كلياً. ليدخل الحزب البرلمان الألماني لأول مرة في تاريخه، محققاً المركز الثالث في الانتخابات البرلمانية الاتحادية التي أقيمت في سبتمبر/أيلول 2017، بنسبة 12.6 بالمئة.
صورة من: Reuters/W. Rattay
استمرار الاستقطاب
شهدت السنوات اللاحقة استمرار الاستقطاب في المجتمع، خصوصاً مع بعض الهجمات التي نفذها لاجئون، بدوافع إرهابية. أمر قلص الدعم الشعبي للهجرة. إلى أن تراجعت الشعبية، وبات قرابة ثلثي الألمان في استطلاعات الرأي يريدون استقبال أعداداً أقل من اللاجئين أو وقف استقبالهم كلياً.