يبدو أنَّ النظام العالمي كما عهدناه انهار! وتبعات ذلك بات سؤالا جوهريا يشغل العالم. وكان بديهيّاً أن تركز أشغال مؤتمر ميونيخ للأمن التي انطلقت الجمعة في البحث عن تقديم إجابات.
اجتماع في ظل وضع عالمي متوتر: يبدأ مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام في 13 شباط/فبراير في فندق بايريشَر هوفصورة من: Muhammed Kafadar/DW
إعلان
بات الإحباط الشعورَ المسيطر على مزاج قادة الدول الأوروبية قبيل انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن لهذا العام (13-15 شباط/فبراير 2026). وذلك لأنَّ العلاقات عبر الأطلسي "انهارت" بعد عام واحد فقط من تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لولاية ثانية. سياسته الخارجية والتي باتت تُوصف بـ"الهدّامة"، تُلقي بظلالها على الاجتماع رفيع المستوى المعروف دوليًا باسم مؤتمر ميونيخ للأمن.
سياسة "مدمّرة"
يعرّف المؤتمر نفسه منذ عقود من الزمن بأنَّه "مؤتمر عبر أطلسي". واليوم، تسوده حسب تعبير رئيسه فولفغانغ إيشينغر "أزمة مصداقية وثقة غير مسبوقة". وموازاة لانطلاقه، صدر "تقرير ميونيخ الأمني"، الذي حمل هذا العام عنوانًا له دلالات كثيرة هو "تحت التدمير" (Under Destruction).
يُصنّف هذا التقرير دونالد ترامب ضمن فئة "رجال الهدم"، أي رؤساء الدول الذين يُدمّرون عبر سياساتهم القواعد المعمول بها والمؤسسات المتعارف عليها دوليا. وتصريح ترامب بأنَّه لا يحتاج إلى القانون الدولي ما هو إلا دليل واحد من بين أدلة كثيرة.
وعلى الرغم من أنَّ المؤشرات باتت أصعب من ذي قبل، إلا أنَّ مؤتمر الأمن، الذي تأسس قبل أكثر من 60 عامًا، لا يزال يعتبر نفسه في هذا العام منتدًى للتبادل والحوار. ويشارك فيه هذا العام أكثر من ألف مشارك، من بينهم ما لا يقل عن 200 ممثل حكومي من 120 دولة.
رئيس أهم مؤتمر عالمي لخبراء السياسة الأمنية: فولفغانغ إيشينغر، سفير ألماني سابق لدى واشنطنصورة من: Kay Nietfeld/dpa/picture alliance
ومن المنتظر أن يستضيف فندق المؤتمر العريق "بايريشَر هوف" مشاركين رفيعي المستوى من بينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير الخارجية الصيني وانغ يي، بالإضافة إلى رئيسة الوزراء الدنماركيةميتي فريدريكسن التي تصدّت مؤخرًا بشجاعة لدونالد ترامب عندما طالب بملكية جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.
إعلان
روبيو ممثلا عن إدارة ترامب
وعلى الرغم من التوترات في العلاقات عبر الأطلسي، سيصل هذا العام أيضًا وفد أمريكي كبير بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيوممثلا عن إدارة الرئيس ترامب. وقال رئيس المؤتمر فولفغانغ إيشينغر إنَّه يتوقع من روبيو أن "يتحدّث عن السياسة الخارجية الأمريكية وليس عن مواضيع لا تخص مجال عمله بشكل مباشر". وذلك في إشارة واضحة لا لبس فيها إلى الخطاب الناري الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانسوالذي أثار غضب المشاركين في المؤتمر العام الماضي. وانتقد فانس، الذي لم يدرج اسمه في قائمة الضيوف في هذا العام، في هذا الخطاب بحسب ادعائه "غياب حرية التعبير في أوروبا".
بيد أنَّ الوفد الأمريكي لا يتكون فقط من ممثلين عن إدارة ترامب، بل يوجد فيه أيضًا سياسيون معارضون، مثل غافين نيوسوم، حاكم ولاية كاليفورنيا. ولقد أوضح نيوسوم في خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أنَّه يتوقع من الأوروبيين في المستقبل "مزيدًا من الحزم والثبات"، لأنَّهم "يرضخون بسرعة كبيرة" لترامب، حسب قوله.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: هل سيتحدث في ميونخ بلهجة أكثر تصالحية بالمقارنة مع جون دي فانس في عام 2025؟صورة من: Mandel Ngan/AFP
كيف ستتعامل أوروبا مع الوصع الجديد؟
بهذا أصاب نيوسوم جوهر السؤال الذي من الممكن أن يلعب دورًا كبيرًا في المؤتمر هذا العام: هل تعيد أوروبا تنظيم نفسها في ظل الوضع العالمي المتغير وكيف؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه ألمانيا هنا؟. ذلك ما سيتحدث عنه فريدريش ميرتس، الذي سيفتتح المؤتمر الجمعة (13 شباط/فبراير 2026) لأول مرة بصفته مستشارًا لألمانيا.
وفي بيان حكومي ألقاه في البرلمان الألماني (بوندستاغ)، دعا ميرتس مؤخرًا الأوروبيين إلى "الحديث بلغة سياسة القوية". وهذا يشمل بحسب تعبيره استثمارات ضخمة في القدرات الدفاعية الأوروبية وكذلك بناء شراكات جديدة.
وأكد ميرتس في البرلمان على أنَّ في جميع أنحاء العالم توجد "ديمقراطيات ناشئة ذات أسواق مفتوحة ومتنامية" يمكن لأوروبا التعامل معها. وفي إشارة إلى العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، قال ميرتس: "بصفتنا ديمقراطيين فنحن شركاء وحلفاء، ولسنا تابعين". ومن المحتمل أن يواصل المستشار شرح هذه الأفكار في مؤتمر ميونيخ، ويحدد بذلك النغمة لنقاش يُنظر فيه إلى الأزمة الحالية على أنَّها حافز لتغييرات استراتيجية أيضًا.
الإيرانيون في الخارج يأملون في نهاية الملالي
01:31
This browser does not support the video element.
ممثلو النظام الإيراني "غير مرحب بهم"
على صعيد آخر، لم توجه الدعوات لممثلين عن الحكومة الإيرانية، فهم "غير مرحب بهم" في ميونيخ هذا العام. والسبب هو العنف الشديد الذي استخدمته القيادة في طهران لقمع المظاهرات الأخيرة في إيران. ولكن من المفترض أن يتحدث في المؤتمر ممثلون عن المعارضة الإيرانية والمجتمع المدني.
كذلك الأمر بالنسبة لممثلي الحكومة الروسية الغائبين عن المؤتمر العالمي، حتى وإن كانت الحرب الروسية على أوكرانيا تشكل على الأرجح موضوعًا محوريًا في المناقشات. وفي عام 2022، عندما عُقد المؤتمر قبل وقت قصير من بدء الهجوم الروسي الكبير على أوكرانيا، ألغى الوفد الروسي مشاركته جماعيًا، كما يتذكر رئيس المؤتمر إيشينغر. ومنذ ذلك الحين لم يصدر عن موسكو أي تصريح بخصوص احتمالية مشاركتها.
وعلى ضوء المحادثات حول إمكانية إنهاء الحرب، أكد إيشينغر أنَّ "روسيا تفعل وكأنها مستعدة للتفاوض، ولكنها في الوقت نفسه تبالغ في إرهابها المدنيين الأوكرانيين. ولذلك فإنَّ جائزة إيفالد فون كلايست التابعة لمؤتمر ميونيخ للأمن ستذهب إلى الشعب الأوكراني الشجاع".
نساء من كييف لجأن إلى محطة المترو هربًا من الغارات الجوية الروسية المكثفة التي تستهدف منذ أسابيع إمدادات الطاقة الأوكرانيةصورة من: Alina Smutko/REUTERS
"حزب البديل" حاضر
خلال العامين الماضيين لم يكن حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف في بعض أجنحته، مرحبًا به في ميونيخ. ولكن رئيس المؤتمر إيشينغر غيّر الآن مسار سلفه وقرر عدم استبعاد أكبر حزب معارض في البرلمان. ودعى لحضور المؤتمر ثلاثة أعضاء من الحزب. ولكن من غير المقرر ظهورهم على منصات المؤتمر. وفي العام الماضي اعتبر حزب البديل استبعاده تمييزًا غير مبرر، واتخذ إجراءات قضائية، دون أي نجاحات تذكر.
أعده للعربية: رائد الباش
لقطات ووجوه تحت الأضواء من ميونيخ ومؤتمر الأمن العالمي
فيما تُوجه الأنظار في العالم لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي يبحث قضايا وأزمات ساخنة، يهتم زوار المدينة وسكانها بأمور أخرى. وثمة فئة من السكان والتجار تتأثر حياتهم اليومية بسبب الإجراءات الأمنية المشددة.
صورة من: Matthias Schrader/AP/picture alliance
"مرحبا في بافاريا" .. قطعة حلوى ترحيبية بنائبة الرئيس الأمريكي كمالا هاريس
"مرحبا في بافاريا" كتبت على قطعة حلوى تقليدية بولاية بافاريا قدمها رئيس حكومة ولاية بافاريا ماركوس زودر ترحيبا بنائبة الرئيس الأمريكي كمالا هاريس لدى وصولها إلى ميونيخ للمشاركة مؤتمر الأمن. الهدية كما تظهر الصورة أثارت إعجاب ومفاجأة كمالا هاريس. 2024.02.15
صورة من: Matthias Schrader/AP/picture alliance
كمالا هاريس ترأست الوفد الأمريكي وكان الأكبر في مؤتمر الأمن
كمالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي ترأست وفد بلادها وكان الأكبر في مؤتمر الأمن بميونيخ، تعتبر من أكثر الشخصيات التي سُلطت عليها الكاميرات والأضواء سواء خلال خطابها في اليوم الأول للمؤتمر أو خلال تنقلاتها بين قاعات المؤتمر وأروقة فندق بايرشه هوف الذي يحتضن المؤتمر. الإجراءات الأمنية المشددة أيضا كانت تحيط كل تحركاتها.
صورة من: Matthias Schrader/AP Photo/picture alliance
فندق بايرشه هوف التاريخي في قلب مدينة ميونيخ
يحتضن فندق بايرشه هوف التاريخي في ميدان برومناده بلاتس Promenadeplatz في قلب المدينة القديمة بميونيخ سنويا مؤتمر الأمن العالمي. يعتبر الفندق من أشهر الفنادق في ألمانيا، وهو مصمم بالطراز التقليدي للمعمار وتتوزع أجنحته بطريقة توفر فضاءات فسيحة ولكن في نفس الوقت تتفرع إلى أجنحة مغلقة للقاءات السياسيين والشخصيات الكبيرة التي يستقبلها بشكل مستمر.
صورة من: Sven Hoppe/dpa/picture alliance
نقطة إلتقاء يفضلها عدد من الشخصيات المشاركة في مؤنمر ميونيخ
يوجد هذا المقهى بالطابق الأول في فندق بايرشه هوف، وهو عبارة عن نقطة التقاء يفضلها عدد من الشخصيات المشاركة في مؤتمر ميونيخ لعقد اتصالات ولقاءات جانبية تتم فيها أحيانا اتفاقات أو تسويات مهمة.
صورة من: Moncef Slimi/DW
أنا لينا بيربوك وزيرة خارجية ألمانيا في حوار ودي مع نظيرها الهندي
أنا لينا بيربوك وزيرة خارجية ألمانيا في حوار ودي مع نظيرها الهندي سيبراهمانيام جايشانكار. بالإضافة إلى مشاركاتها المخططة ضمن جلسات مؤتمر ميونيخ، تعتبر بيربوك من أكثر الشخصيات التي تعقد لقاءات على هامش المؤتمر، الذي تشارك فيه وفود من 180 دولة ضمنهم أكثر من 60 وزير خارجية و50 من رؤساء دول وحكومات.
صورة من: Thomas Trutschel/photothek.de/Auswärtiges Amt/picture alliance
رسالة بارينبويم - سعيد الموسيقية للإسرائيليين والفلسطينيين
فرقة موسيقية من أكاديمية بارينبويم-سعيد الموسيقية بألمانيا، قدمت عرضا أمام المشاركين في مؤتمر الأمن. الأكاديمية التي يدرس بها طلاب إسرائيليون وفلسطينيون، وجهت من خلال عرضها الموسيقي في ميونيخ رسالة سلام إلى الشرق الأوسط في فترة عصيبة وحرب دامية في غزة بين إسرائيل وحماس. 2024.02.16
صورة من: dts-Agentur/picture alliance
زوجه المعارض الروسي أليكسي نافالني الذي توفي في السجن
تلقت زوجة أليكسي نافالني تعازي رؤساء عدد كبير من الوفود المشاركة في مؤتمر ميونيخ. يوليا نافالنايه ألقت في المؤتمر كلمة مؤثرة وأكدت أن وفاة زوجها في سجن روسي يقتضي ضرورة "معاقبة" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و"محاسبته شخصيًا على الفظائع" التي ارتكبت بحق المعارض الروسي. 2024.02.16
صورة من: Kai Pfaffenbach/AFP/Getty Images
"بوتين هو القاتل" ـ شعار رفعه متظاهرون في ميونيخ
أمام القنصلية الروسية في ميونيخ، تجمع مئات من النشطاء للتعبير عن حزنهم لوفاة المعارض الروسي إليكسي نافالني في سجنه في روسيا. ورفعوا لافتات "بوتين هو القاتل". وأمام مؤتمر ميونيخ قالت زوجته يوليا نافالنايا "أودّ أن يعلم بوتين وجميع موظفيه (...) أنهم سيُعاقبون على ما فعلوه ببلدنا وبعائلتي وبزوجي". 2024.02.16
صورة من: Peter Kneffel/dpa/picture alliance
أية الله علي خامنائي في مجسم يحمل قنبلة نووية
نظم نشطاء إيرانيون معارضون في تظاهرة على مقربة من مقر مؤتمر ميونيخ للأمن، رفعوا خلالها شعارات تندد بالقمع في إيران وخطورة حيازة نظام الملالي على سلاح نووي. المتظاهرون حملوا مجسما للمرشد الأعلى الإيراني أية الله علي خامنائي وبين ذراعيه قنبلة نووية. 16.02.2024
صورة من: Sven Hoppe/dpa/picture alliance
تنتشر الحواجز الأمنية في كافة الشوارع والأزقة التي تحيط بمقر مؤتمر ميونيخ للأمن
تنتشر الحواجز الأمنية في كافة الشوارع والأزقة التي تحيط أو توصل إلى فندق بايرشه هوف مقر مؤتمر ميونيخ للأمن. وتشمل إجراءات الإغلاق المحلات التجارية. كما تزدحم حركة المرور أو تتوقف أحيانا بسبب الإجراءات الأمنية وخصوصا عند مرور قوافل كبار الوفود والتي يتألف بعضها أحيانا من أكثر من عشرين سيارة. وحسب بيانات شرطة ميونيخ يشارك حوالي خمسة آلاف شرطي في تأمين المؤتمر. 2024.02.16
صورة من: Matthias Schrader/AP/picture alliance
أصحاب السيارات ومحاذير الوقوف في مناطق محظورة
إحدى أسباب المزاج السيء بموازاة مؤتمر ميونيخ أولئك الذين تتأثر حياتهم اليومية بالإجراءات الأمنية الخاصة بالمؤتمر. بحسب تقرير لشركة ميونيخ هناك حوالي 150 من أصحاب السيارات كل عام يتركون سياراتهم في إحدى المناطق المحظورة والتي تم تحديدها قبل أيام من المؤتمر بـ 1000 إشارة حظر لوقوف السيارات.
صورة من: Sven Hoppe/dpa/picture alliance
محل تسويق بايرن ميونيخ تأثر أيضا
محل تسويق بايرن ميونيخ تأثر أيضا بمناطق حظر التجول القريبة من فندق بايرشه هوف مقر مؤتمر الأمن. الفريق البافاري بدوره يمر هذه الأيام بحالة غير جيدة بعد سلسلة هزائم سواء في سباقه مع متصدر بوندسليغا باير ليفركوزن أو على مستوى بطولة الأندية الأوروبية.
صورة من: Moncef Slimi/DW
السياح وزوار مدينة ميونيخ لا يكترثون كثيرا بمؤتمر الأمن
السياح وزوار مدينة ميونيخ لا يكترثون كثيرا بمؤتمر الأمن، وهذا العام تزامن انعقاد دورته 60 مع أحوال طقس دافئة نسبيا، وهذا جعل سكان المدينة وزوارها يغتنمون الفرصة للتجول والتسوق في مثل هذا الشارع الذي يربط بين ساحتي كارلس بلاتس وماريان بلاتس الشهيرتين في وسط عاصمة بافاريا.
صورة من: Moncef Slimi/DW
مقاهي جميلة في الأزقة المجاورة لكنيسة فراون كيرشه Frauenkirche في ميونيخ
هنا مقاهي جميلة في الأزقة المجاورة لكنيسة "السيدة العذراء" (فراونكيرشه Frauenkirche) الشهيرة في ميونيخ، يفضلها كثيرون من أجل التقاط الأنفاس بعد جولة في المدينة، لاحتساء القهوة أو الشاي أو شراب بارد.
إعداد منصف السليمي - ميونيخ