يلقي التوتر بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأوروبا بظلاله على مؤتمر ميونيخ للأمن. ومع استمرار ترامب في خطوات تزيد التوتر، بدا المشهد السياسي وكأنه يتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الثقة المتبادلة.
قالت "نيويورك تايمز" إن نهج إدارة ترامب تجاه حلفائها الأوروبيين يمثل "تفككا للصداقة" التي ربطت الغرب طوال أكثر من سبعة عقود منذ الحرب العالمية الثانية.صورة من: picture alliance/Newscom/DANIEL TOROK
إعلان
شهد مؤتمر ميونيخ للأمن في العام الماضي مفاجأة كبيرة عندما انتقد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بسبب سياساتهم المتعلقة بالهجرة وحرية التعبير.
ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقريرٍ مستفيض نُشر بالتزامن مع انطلاق النسخة الـ62 من مؤتمر ميونيخ الجمعة (13 شباط/فبراير 2026)، أن خطاب فانس الصادم "شكل هزة قوية للتحالف عبر الأطلسي". وأضافت الصحيفة أنه خلال العام الذي تلا ذلك، فرض الرئيس دونالد ترامب رسوما جمركية على السلع الأوروبية، ودفع باتجاه إنهاء الحرب في أوكرانيا بشروط تصب بدرجة كبيرة في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأشارت إلى أن ترامب لم يكتفِ بذلك، فقد هدد أيضا بفرض السيطرة على غرينلاند التابعة للدنمارك بأي وسيلة، كما سخر من القادة الأوروبيين أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قائلا إن أوروبا "لن تكون شيئا من دون الولايات المتحدة".
وقالت الصحيفةإن نهج إدارة ترامب تجاه حلفائها الأوروبيين يمثل "تفككا للصداقة" التي ربطت الغرب طوال أكثر من سبعة عقود منذ الحرب العالمية الثانية، مضيفة أن ذلك جعل القادة الأوروبيين أكثر حذرا، وفي بعض الحالات أكثر تحديا للولايات المتحدة.
قال رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، وولفغانغ إيشنغر، إن العلاقات عبر الأطلسي "تمر بأزمة ثقة ومصداقية كبيرة حاليا".صورة من: Matthias Balk/dpa/picture alliance
"فقدان الثقة أسهل من استعادتها"
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن دبلوماسيين أوروبيين قولهم إن القادة في القارة لم يعودوا يتوقعون عودة العلاقات مع أمريكا إلى ما كانت عليه قبل ترامب، حتى بعد مغادرته منصبه.
إعلان
وقالت إن الأوروبيين سرعوا خطواتهم لتقليل اعتمادهم العسكري والاقتصادي على الولايات المتحدة، مع استمرارهم في استمالة الرئيس بالمجاملات بهدف الحفاظ على ما تبقى لهم من نفوذ بشأن أوكرانيا وملفات عالمية أخرى.
وتساءلت الصحيفة عما إذا كان بإمكان الأوروبيين الوثوق بالولايات المتحدة مجددا، وماذا يمكنهم فعله إن لم يستطيعوا ذلك.
وفي هذا السياق، استشهدت بتصريح لرئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، وولفغانغ إيشنغر، قال فيه: "لقد شهدنا قدرا كبيرا من فقدان الثقة، ولا شك في ذلك. ومن الممكن بالطبع إعادة بناء الثقة، لكننا نعلم جميعا أن فقدانها أسهل بكثير من استعادتها".
وأضافت أن رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، طرحت تساؤلا أكثر جرأة مفاده إلى متى ستظل الولايات المتحدة حليفا لأوروبا؟
استرضاء ترامب
وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن القادة الأوروبيين حاولوا طويلا استرضاء ترامب عبر مجاملته ومنحه مكاسب صغيرة. فقد تعهد الأوروبيون بزيادة الإنفاق العسكري داخل الناتو، وهو أحد مطالب ترامب القديمة، كما وصفه بعضهم بأنه الزعيم الوحيد القادر على التوسط لتحقيق السلام في أوكرانيا في محاولة لإبعاده عن نفوذ فلاديمير بوتين.
وأبرم الأوروبيون اتفاقات تجارية للحد من أثر الرسوم التي هدد ترامب بفرضها، كما تعهدوا الشهر الماضي بتعزيز دفاعات الناتو في القطب الشمالي لإبطاء محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند من الدنمارك.
يرأس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الوفد الأمريكي المشارك في مؤتمر ميونيخ مما يعكس أهمية الروابط عبر الأطلسي رغم أزمة الثقة القائمة.شصورة من: Alex Brandon/REUTERS
"أوروبا كطفل كبر"
ونقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي السابق لدى الناتو، إيفو دالدر، قوله إن أزمة غرينلاند دفعت الأوروبيين إلى الاعتقاد بان الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة "لم يعد ممكنا ولا حكيما استراتيجيا". وأضاف أنه "لا يمكن لأوروبا أن تثق بأمريكا اليوم، ولا غدا، ما لم تتصرف الولايات المتحدة بطريقة تستعيد بها تلك الثقة. ومن المرجّح ألا تستعيد أوروبا ثقتها بنا أبدا. العلاقة لن تعود كما كانت".
أما مسؤولو الإدارة الأمريكية فيرون الأمر بشكل مختلف؛ إذ يقولون إن ترامب يدفع أوروبا لتكون شريكا أقوى وأكثر اعتمادا على الذات. وقال السفير الأمريكي لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، إن "أوروبا أشبه بطفل قد كبر وحان الوقت ليبحث عن عمل. نحن لا نطالب بالاستقلالية الأوروبية، بل بالقوة الأوروبية".
الثقة بأمريكا… ماذا يقول الألمان؟
وظلت الولايات المتحدة لعقود الشريك الأهم لألمانيا خارج أوروبا، إلا أن الألمان باتوا اليوم، في ظل إدارة ترامب، ينظرون إليها على أنها أقرب إلى خصم، بحسب استطلاع أجراه معهد "يوغوف" لصالح وكالة الأنباء الألمانية بمناسبة مؤتمر ميونيخ.
وبحسب الاستطلاع، يرى 49% من الألمان أن الولايات المتحدة أقرب إلى خصم، مقابل 16% يعتبرونها شريكا، و29% يعتبرونها "لا هذا ولا ذاك". وفي المقارنة، يرى 72% أن فرنسا شريك، و4% فقط يعتبرونها خصما. أما الصين، فيراها 15% شريكا و38% خصما.
ويطالب حزب الخضر الألماني بزيادة استقلالية ألمانيا والاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وقالت المتحدثة باسم السياسة الخارجية للحزب، ديبورا دورينغ، أمام البرلمان إن على ألمانيا و الاتحاد الأوروبي تعزيز استقلالهما في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والاقتصاد والطاقة والرقمنة والتكنولوجيا والبنى التحتية الحيوية.
تحرير: خالد سلامة
عام على ولاية ترامب الثانية ـ قرارات هزّت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تحركات قلبت موازين القوى، وتحالفات جديدة، وقرارات مفصلية اتخذها دونالد ترامب أثرت على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال العام الأول من ولايته الثانية. فما هي أبرز القرارات التي أتخذها الرئيس الأمريكي الخاصة بالمنطقة؟
صورة من: John Angelillo/UPI Photo/IMAGO
خفض المساعدات الخارجية زاد من مآسي دول الحروب
أعلنت إدارة ترامب في آذار/ مارس 2025 إلغاء 83 بالمئة من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وتعتبر سوريا والأردن من أكثر الدول المتأثرة بهذا القرار، إذ تلقّى البلدان مساعدات خارجية من الولايات المتحدة تعادل 5 بالمئة و3.7 بالمئة من ناتجهما المحلي الإجمالي على التوالي بين عامي 2014 و2023. وعلى العموم سيؤثر هذا القرار على الدول التي مزقتها الحرب، وسيؤدي إلى تدهور الأوضاع الإنسانية فيها.
صورة من: Nikolas Kokovlis/NurPhoto/picture alliance
التعريفات الجمركية تُرهق الاقتصادات المحلية
في أبريل/ نيسان 2025 فرض دونالد ترامب رسوماً جمركية على معظم دول العالم، بينها دول عربية، تراوحت بين 10 بالمئة لدول الخليج ومصر، و41 بالمئة على سوريا مثلاً. ستؤثر هذه الرسوم على اقتصادات الدول بشكل سلبي، خاصة الدول ذات الاقتصادات الهشة.
صورة من: Brendan Smialowski/AFP
صفقة سلاح واتفاق استثمار بمئات المليارات مع السعودية
في 13 أيار/ مايو، وقَّع ترامب صفقة استثمار ضخمة مع المملكة العربية السعودية، تعهدت السعودية بالاستثمار في الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار أمريكي، في قطاعات عدة. كما تم الإعلان عن صفقة أسلحة، وُصفَت بأنها أكبر اتفاقية مبيعات دفاعية في التاريخ، بقيمة 142 مليار دولار، لتزويد المملكة العربية السعودية بأحدث المعدات والخدمات القتالية من أكثر من اثنتي عشرة شركة دفاعية أمريكية.
صورة من: Saudi Press Agency/SIPA/picture alliance
هدية باهظة الثمن من قطر
في 21 أيار/ مايو أعلنَت وزارة الدفاع الأمريكية قبول هدية قطر للرئيس ترامب، وهي طائرة بوينغ 8-747، تبلغ قيمتها حوالي 400 مليون دولار، وسيتم تحديثها لتصبح طائرة الرئاسة الأمريكية وفقاً للوزارة. أثار قبول الهدية غضب الديمقراطيين، معتبرين أن ذلك "فساد سافر"، في الوقت الذي دافع فيه ترامب قائلاً: "لماذا أرفض الهدية؟"، معتبرا ذلك وسيلة لتوفير أموال الضرائب.
صورة من: Roberto Schmidt/AFP/Getty Images
"مطرقة منتصف الليل" تضرب إيران
في حزيران/ يونيو، وجهت الولايات المتحدة ضربة قاسية لإيران باستهداف منشآتها النووية في منتصف ليل 22 حزيران. ضربت الولايات المتحدة منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية، وتسببت بأضرار شديدة، وذلك خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي استمرت لـ 12 يوماً بدءاً من يوم 13 حزيران، عندما شنّت إسرائيل ضرباتٍ على مواقع نووية وصاروخية إيرانية، واستهدفت قيادات بارزة.
صورة من: Satellite image Maxar Technologies/AFP
اقتراح "عادل وشامل" لملف الصحراء الغربية!
في 2 أغسطس/ آب، أعلن الرئيس الأمريكية دونالد ترامب دعمه لموقف المغرب تجاه قضية الصحراء المغربية، وأيد مقترح خطة منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا تحت سيادة المغرب، الذي اعتبره حلا دائما وعادلا لإنهاء الصراع، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات الجزائرية-الأمريكية، إذ أعربت الجزائر، الداعمة للبوليساريو، عن أسفها من الموقف الأمريكي، وشددت على حق شعب الصحراء المغربية في تقرير مصيره.
صورة من: Ryad Kramidi/AFP/Getty Images
خطة سلام في غزة
في 29 سبتمبر/ أيلول 2025، اقترح دونالد ترامب خطة السلام الأمريكية لوقف الحرب في غزة، تتضمن 21 بنداً، وتهدف إلى تأسيس "قوة استقرار دولية" تتعاون مع إسرائيل ومصر والشرطة الفلسطينية المُدربة حديثا للمساعدة في تأمين المناطق الحدودية ونزع السلاح من القطاع، بالإضافة إلى تأسيس "مجلس السلام"، وهو هيئة حكم انتقالي لغزة سيترأسها ترامب نظرياً، على أن تستمر ولايتها حتى نهاية عام 2027.
صورة من: Ariel Schalit/AP Photo/picture alliance
إلغاء "قانون قيصر" يفتح باب الاستثمار في سوريا
انتهى عام 2025 بإلغاء ترامب "قانون قيصر" الذي فرض عقوبات على سوريا منذ عام 2019، وكان أحد أبرز أدوات الضغط التي استُخدمت للتضييق على نظام الأسد السابق ورموزه، إذ فُرضَ عليهم من خلاله عقوبات اقتصادية مشددة. إلغاء القانون شكّل نقطة تحوّل حاسمة لسوريا، لأنه يفتح الباب أمام دخول المستثمرين، وإعادة إعمار البلاد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
صورة من: Juma Mohammad/IMAGESLIVE/picture alliance
تصنيف ثلاثة فروع للإخوان "منظمات إرهابية"
في 13 يناير/كانون الثاني 2026 صنفت إدارة ترامب جماعة الإخوان المسلمين في كل من مصر الأردن ولبنان "منظمة إرهابية" وفرضت عقوبات عليها، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من أنشطة العنف المرتبطة بالجماعة.
وفيما رحبت عدة دول بالقرار الأمريكي، منها مصر والإمارات والسعودية، رفضت جماعة الإخوان في مصر هذا التصنيف الذي "لا يستند لأية أدلة قانونية يعتد بها"، متعهّدة اتّخاذ "كافة الإجراءات القانونية" ضده.