ماذا نعرف عن الوجود العسكري الأمريكي والأوروبي في غرينلاند؟
خالد سلامة أ ف ب، DW
١٦ يناير ٢٠٢٦
وسط صخب الحرب الكلامية بين جناحي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أوروبا وواشنطن، تثار أسئلة عن تاريخ وحجم التواجد العسكري لكلا الطرفيين في جزيرة غرينلاند.
بحسب مسؤولين دنماركيين، يتمركز نحو 200 جندي أمريكي في قاعدة فيبيتوفيك الفضائية الأمريكية.صورة من: Guglielmo Mangiapane/REUTERS
إعلان
وصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة الخميس (15 كانون الثاني/يناير 2026) إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أمريكيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود "خلاف جوهري" حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتزامه السيطرة عليها. وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأمريكية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.
والأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة. وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات "الصمود القطبي" التي تنظمها الدنمارك.
وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا. وأرسلت فرنسا نحو 15 جندياً من مشاة الجبال للمشاركة في مناورة عسكرية في نوك، عاصمة غرينلاند، ومن المتوقع إرسال المزيد لاحقًا.
صرح وزير الدفاع الدنماركي، ترولز لوند بولسن، بأن زيادة الوجود العسكري في القطب الشمالي إلى جانب الحلفاء ضرورة ملحة. قبل الإعلان، كان لدى الدنمارك نحو 150 عسكرياً ومدنياً يعملون في قيادة القطب الشمالي المشتركة في الجزيرة.
300 عام من الاستعمار
تنظر واشنطن إلى هذه الجزيرة كنقطة أمامية استراتيجية في منطقة القطب الشمالي، خاصة في ظل تزايد نشاطات روسيا والصين في المنطقة. ومن المحتمل أن يتعلق ذلك أيضاً بالحد من وصول القوى الكبرى الأخرى إلى المواد الخام في القطب الشمالي وسيطرتها على الطرق البحرية الجديدة.
إعلان
استعمرت الدنمارك غرينلاند قبل نحو 300 عام. وأرسلت مملكة الدنمارك-النرويج إليها في عام 1721 أول بعثة تبشيرية. وانتهت الحقبة الاستعمارية في الجزيرة عام 1953 لتصبح غرينلاند جزءاً من مملكة الدنمارك. وفي عام 1979، منحت كوبنهاغن غرينلاند الحكم الذاتي، وعزز استقلالها الذاتي قانون صدر عام 2009.
الوجود العسكري الأمريكي: من الحرب العالمية الثانية إلى اليوم
الوجود العسكري الأمريكي في جزيرة غرينلاند يعود إلى الحرب العالمية الثانية. في عام 1941، وقّع السفير الدنماركي معاهدةً تسمح للجيش الأمريكي بالوصول إلى غرينلاند لحماية الجزيرة القطبية من ألمانيا النازية، حسب (ABC). وشهدت المعاهدة - التي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم - إنشاء قواعد أمريكية في غرب وجنوب غرينلاند، شكلت محطات تزويد حيوية بالوقود للطائرات العابرة للمحيط الأطلسي. وأقامت واشنطن عشرات القواعد العسكرية في جميع أنحاء الجزيرة، بما في ذلك معسكرات سنتشري، وبلو ويست، وبلو إيست. وتمركز مئات الجنود الأمريكيين في جنوب غرينلاند لحماية أكبر منجم للكريوليت في العالم، والذي كان بالغ الأهمية للبنية التحتية للطائرات الأمريكية.
وفي عام 1951، أي مع بداية الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي، عقدت الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك اتفاقية دفاع مكنت الولايات المتحدة من بناء قاعدة ثول الجوية في غرينلاند. وأصبحت هذه القاعدة أبرز قواعدها في الإقليم، حيث ضمت قاذفات ومقاتلات وصواريخ نووية وعشرات الآلاف من الجنود. في عام 2023، أُعيد تسمية القاعدة إلى قاعدة بيتوفيك الفضائية. وهذه القاعدة تعد ركناً أساسياً لدعم مهام الإنذار الصاروخي والدفاع والمراقبة الفضائية. وهي القاعدة الأمريكية الوحيدة المتبقية في الجزيرة لواشنطن. بحسب مسؤولين دنماركيين، يتمركز نحو 200 جندي أمريكي في قاعدة فيبيتوفيك الفضائية الأمريكية.
تحرير: يوسف بوفيجلين
محطات تاريخية - أوروبا والسعي الدائم للخروج من العباءة الأمريكية!
بعد الحرب العالمية الثانية عملت أمريكا على تقديم مساعدات لأوروبا والحد من التوسع السوفيتي فوق أراضيها. لكن المتتبع للعلاقات عبر الأطلسي يجد أن الدول الأوروبية بدأت تنأى بمواقفها عن مواقف حليفتها واشنطن في ملفات كثيرة.
صورة من: picture alliance/C.Ohde
مشروع مارشال
لم تخرج أمريكا من الحرب العالمية الثانية بخسائر على عكس نظيرتها أوروبا التي فقدت الكثير على كل المستويات، ولهذا جاءت خطة مارشال بهدف إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي عن طريق تقديم المساعدات. ويعود اسم المشروع إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج مارشال الذي أطلق المشروع في حزيران/ يونيو 1947، أمام طلاب جامعة هارفرد. مشروع مارشال عُلقت عليه آمال مهمة، كتعزيز الاستقرار السياسي والسلام في العالم.
صورة من: picture-alliance/dpa
تعاون يورو- أمريكي
شكل حلف الأطلسي خطوة مهمة في تاريخ العلاقات بين الجانبين الأوروبي والأمريكي. وقد اجتمعت القوتان في 1949 وأنشأت المنظمة تحت اسم "منظمة حلف شمال الأطلسي"، اختصارا "الناتو". وكان الهدف من المنظمة هو التصدي لخطر الاتحاد السوفيتي حينها. يشكل الناتو نظاماً للدفاع الجماعي، إذ تتفق فيه الدول الأعضاء على الدفاع المتبادل رداً على أي هجوم من قبل أطراف خارجية.
صورة من: picture-alliance/akg-images
فرنسا تنسحب..
في 1966 انسحبت فرنسا من قيادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" ما شكل زلزالاً هز وحدة حلف الناتو في وقت مبكر من تاريخ قيامه، وذلك بسبب أزمة وقعت خلال فترة رئاسة شارل ديغول لفرنسا. وأحتج ديغول على الدور القوي الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنظمة، وهو ما اعتبره علاقة خاصة بينها وبين المملكة المتحدة، قائلاً إن فرنسا تريد انتهاج خط مستقل عن الحلف وسياسة واشنطن.
صورة من: AFP/Getty Images
خطوة إلى الأمام
من بين المحاولات المهمة التي قامت بها دول الاتحاد الأوربي لتبتعد عن "وصاية" واشنطن، الشراكة الأورومتوسطية. إذ بدأت عام 1995 من خلال مؤتمر برشلونة الأورومتوسطي الذي اقترحته إسبانيا وقام الاتحاد الأوروبي بتنظيمه لتعزيز علاقاته مع البلدان المطلة على المتوسط في شمال أفريقيا وغرب آسيا. الشراكة لم تستمر طويلاً، إلا أنها وضعت أسس لعلاقات إقليمية جديدة، وشكلت نقطة تحول في العلاقات الأورومتوسطية.
صورة من: AP
رفض ومعارضة
في 2003، أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر معارضتهما الشديدة لقرار أمريكا وحلفائها باحتلال العراق. شكل هذا الموقف لحظة قوية عبرت فيها الدولتان الأوربيتان الكبيرتان عن رفضهما سياسة "العم سام" في الشرق الأوسط. وقادتا الاتحاد الأوربي في هذا الاتجاه، حيث أعلن الاتحاد الأوربي معارضته مبدئياً للجوء للقوة، واشترط أن تتم أي عملية عسكرية بتفويض من مجلس الأمن.
صورة من: HECTOR MATA/AFP/Getty Images
اتفاقية "بيسكو"
في 2017، وقع 23 عضوا في الاتحاد الأوروبي على اتفاقية "بيسكو" الرامية لتعزيز التعاون بمجال الدفاع. وشكل توقيع هذه الاتفاقية أبرز خطوة أقدمت عليها دول الاتحاد في اتجاه تشكيل ذراع عسكري تتخلص بفضله من التبعية العسكرية للولايات المتحدة، وتعتمد عليه في تنفيذ سياستها وخصوصاً في منطقة حوض البحر المتوسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وغيرها من مناطق الجوار الأوروبي.
صورة من: Reuters
الانسحاب من الاتفاق النووي
انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني لاقى رفضاً من قبل الدول الأوروبية الثلاث الكبرى. ويشير هذا الرفض إلى سياسة الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لنهج استراتيجية مستقلة عن واشنطن، خاصة وأن الاتفاق النووي واحد من أكثر الملفات الحساسة ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما في العالم بأسره.
صورة من: Imago/Ralph Peters
السفارة الأمريكية في القدس
رفضت دول من الاتحاد الأوروبي فتح السفارة الأمريكية في القدس. وكان هذا الرفض دليلاً على تزايد الاختلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ما يدفعهم للسعي نحو الخروج من دارة "التبعية" لأمريكا. وكان عدد من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد وصفوا نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس بـ "الخطوة غير الحكيمة التي قد تؤدي إلى تصعيد حدة التوتر".
صورة من: picture-alliance/dpa/I. Yefimovich
ملفات أخرى...
ملف الشرق الأوسط ليس الجانب الوحيد الذي تبرز فيها رغبة أوروبا في فك من ارتباطها بأمريكا. ويمكن الوقوف عند آخر نقطة في الملف، حيث رفعت أمريكا الرسوم الجمركية على الحديد والألمنيوم. وتشكل هذه الرسوم الجمركية تحدياً كبيراً وضعه ترامب في طريق الأوروبيين. وكانت دول أوروبية قد طالبت بضرورة الحصول على إعفاء دائم من هذه الرسوم، إلا أن الأمر ما يزال عالقاً. إعداد: مريم مرغيش.