لا يرى الخبراء في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا خطراً كبيراً، وإنما في احتمالية إلغاء نشر صواريخ "توماهوك"، كما أعلن عن ذلك. وهي صواريخ تهدف إلى تعزيز الردع في مواجهة روسيا.
خبير ألماني: تعد صواريخ توماهوك عنصرا أساسيا في منظومة الردع، لأنها قادرة على التأثير في التحركات العسكرية الروسية في مرحلة مبكرة جداصورة من: Department of Defense/ZUMA/picture alliance
إعلان
نقلت وكالة رويترز عن مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأمريكية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب اتخذت مؤخرًا قرارات عسكرية تشمل، إلى جانب سحب أكثر من خمسة آلاف جندي من ألمانيا، التراجع عن خطة نشر صواريخ "توماهوك" القادرة على الوصول إلى العمق الروسي من ألمانيا.
ويعتقد الخبراء أن إلغاء هذه الخطط يمثّل تحديا أكبر بكثير من مسألة تقليص عدد القوات، إذ كان من المفترض أن تشكل هذه الصواريخ عنصر ردع إضافي ضد روسيا، ريثما يتمكن الأوروبيون من تطوير صواريخ مماثلة بأنفسهم.
وكانت الولايات المتحدة وألمانيا قد اتفقتا في عام 2024، خلال ولاية الرئيس جو بايدن والمستشار الألماني السابق أولاف شولتس، على نشر صواريخ "توماهوك"التي يصل مداها إلى نحو 2500 كيلومتر، بهدف سد فجوة في القدرات الدفاعية الأوروبية إلى حين إنتاج أنظمة مماثلة محليا. كما كان مقرراً البدء في نشر هذه الصواريخ عام 2026.
سحب قوات أمريكية من قواعد ألمانية
أما بخصوص القرار الذي أعلن عنه الرئيس ترامب بخصوص سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، فإنه عاد وقال أن العدد سيكون أكبر من ذلك بكثير. وسبق لترامب أن أعلن سابقا عزمه سحب 9500 جندي من ألمانيا خلال ولايته الأولى، لكنه لم يبدأ بتنفيذ القرار. وبعد توليه المنصب في عام 2021، أوقف الرئيس الديمقراطي جو بايدن رسميا خطة الانسحاب تلك.
إلى ذلك، قدم البنتاغون تفاصيل محدودة حول الوحدات أو العمليات التي ستتأثر بهذا القرار، من مجموع قوات قوامها 36 ألف جندي. ومن المقرر تنفيذ الانسحاب خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشرة المقبلة، وفقا لوزارة الدفاع الأمريكية.
القدرات الصاروخية
تعهد أعضاء حلف شمال الأطلسي بتحمل قدر أكبر من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم، غير أن الميزانيات المحدودة والفجوات الواسعة في القدرات العسكرية تعني أن تلبية الاحتياجات الأمنية الأوروبية ستستغرق سنوات. وتسعى ألمانيا إلى رفع عدد جنود الجيش في الخدمة الفعلية من 185 ألفا حاليا إلى 260 ألفا، إلا أن بعض الأصوات تطالب وزير الدفاع بزيادة أكبر استجابة لما يُنظر إليه على أنه تهديد روسي متصاعد.
وتبقى القدرات الصاروخية التحدي الأكبر أمام الأوروبيين في حال سحبت الولايات المتحدة دعمها. وقدكتب كريستيان مولينغ، مدير مركز أبحاث الدفاع الأوروبي (EDINA)، على منصة "إكس" أنالولايات المتحدة"تحتكر فعليا داخل حلف شمال الأطلسي" استخدام الصواريخ بعيدة المدى، معتبرا أن هذا التطور "أكثر خطورة من الناحية العملياتية من مجرد عدد القوات".
الشيء ذاته ذهب إليه الخبير في شؤون الأمن نيكو لانغه، حين صرح لموقع تاغسشاو الألماني، بأن "روسيا تمتلك صواريخ متمركزة في كالينينغراد وهي تشكل تهديدا مباشرا لأوروبا، بينما تفتقر ألمانيا إلى قدرات صاروخية مماثلة تتيح لها بناء قوة ردع مقابلة". وأضاف أن ألمانيا كانت تعوّل على دعم الولايات المتحدة، لكن هذا الخيار لم يعد قائما الآن. وتابع: "يجب على الأوروبيين ببساطة تطوير هذه القدرة بأسرع وقت ممكن، لأنها شديدة الأهمية لأمننا".
فجوة في قوة الردع
من هذا المنطلق يعتبر الخبير الأمنيكريستيان مولّينغ فيرى في تصريح لقناة "زي دي إف" الألمانية، التراجع الأمريكي عن خطة نشر صواريخ توماهوك، وإن تحقق، "الخبر الأكثر خطورة".
وأشار مولّينغ إلى أن ألمانيا لا تمتلك حاليا صواريخ بهذا المدى ولا وسائل الاستطلاع اللازمة لتشغيلها. والنتيجة، بحسب رأيه، لن تكون خالية من التناقضات، لأن "غياب الكتيبة الأمريكية المخصصة لنشر هذه الصواريخ يضعف قدرة الردع لدى الناتو، مما قد يجبر الولايات المتحدة في التدخل المباشر في إطار الحلف".
بدوره حذر كارلو ماسالا من الجامعة العسكرية في ميونيخ في حوار مع صحيفة "فيلت أم زونتاغ " الأسبوعية من خطورة القرار واعتبر أن ذلك سوف "يخلق فجوة مهمة في القدرات المتعلقة بردع روسيا، وهي فجوة لن يتمكن الأوروبيون من سدّها بأسلحتهم الخاصة إلا مع الوقت".
لم تكن ألمانيا موفقة دائما في صفقات اقتناء الطائرات الحربية. وتسعى وزارة الدفاع الألمانية الآن لشراء طائرات عسكرية أمريكية لحل هذه المشكلة. ولكن الخلافات اندلعت مجددا بين المعنيين بهذا الملف.
صورة من: picture-alliance/dpa/Luftwaffe
البحث عن بديل لتورنادو
منذ أربعين عاماً يستخدم الجيش الألماني المقاتلة "تورنادو"، وهي مقاتلة متعددة المهام وجاهزة لاستخدامات متخصصة في الوقت نفسه. مثل هذه المقاتلات لديها القدرة على رصد وحدات الرادار المعادية، كما أنها تساعد القوات بفضل قدرتها على حمل الأسلحة النووية الأمريكية المخزنة في ألمانيا. ولكن أجَل استعمال هذه الطائرات سينتهي على أقصى تقدير اعتباراً من عام 2030.
صورة من: picture-alliance/dpa/Luftwaffe
نموذج أوروبي؟
يسعى الشركاء الآخرون لألمانيا في حلف الناتو للتخلص من مقاتلات تورنادو بحلول عام 2024. غير أن ألمانيا تفضل الاحتفاظ بالمقاتلة لمدة أطول، لكنها تريد اعتباراً من 2025 البدء في استبدال بعضها. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو البديل المناسب؟ الساسة الألمان يفضلون إيجاد حل أوروبي مثل المقاتلة "يوروفايتر".
صورة من: picture-alliance/NurPhoto/N. Economou
ألمانيا لن تستغني عن التكنولوجيا الأمريكية
تعمل المقاتلة "يوروفايتر" ضمن أسطول السلاح الجوي الألماني بالفعل. وتخطط وزيرة الدفاع الألمانية لاستبدال مقاتلات تورنادو بثلاثة وتسعين مقاتلة من طراز يوروفايتر. غير أن الخيار الأوروبي لا يكفي الوزيرة أنغريت كرامب كارنباور، فهي تريد أيضاً شراء 45 مقاتلة من طراز إف-18 الأمريكية من انتاج شركة "بوينغ"، وتصف هذه الطائرة الحربية التي بدأ انتاجها عام 1970 بأنها تمثل "تقنية لمرحلة عبور ".
صورة من: picture.alliance/Günther Ortmann
التأهب لحرب نووية محتملة!
أثيرت من جديد مسألة التسلح النووي. وزارة الدفاع الألمانية أكدت أن حصول المقاتلة الأمريكية إف-18 على الاعتمادات الرسمية المطلوبة من الهيئات الأمريكية سيكون أسرع بكثير من يوروفايتر. لكن شركة إيرباص المنتجة ليوروفايتر على قناعة بحصولها على شهادة الاعتماد الخاصة بالقدرة على حمل أسلحة نووية بحلول 2030.
صورة من: picture-alliance/dpa/A. Matthews
جدل جديد حول المظلة النووية لألمانيا
هنا في القاعدة العسكرية الأمريكية بوشل بولاية راينلاند- بفالتس يتم على الأرجح تخزين أسلحة نووية أمريكية. ورغم الاحتجاجات، إلا أن وزارة الدفاع الألمانية لا تريد التخلي عن المظلة النووية الأمريكية، ففي حالة الطوارئ سيتعين على الطيارين الألمان نقل هذه الأسلحة النووية إلى هدفها. مثل هذه المشاركة تسمح لألمانيا أن تلعب دوراً مؤثراً في الخطط النووية لحلف الناتو، إلا ان الأصوات المنتقدة تتعالى.
صورة من: Getty Images/T. Lohnes
تنافس أوروبي أمريكي
الخلاف على شراء المقاتلات الحربية الأمريكية له تاريخ طويل في الجيش الألماني. فبعد فترة وجيزة من تأسيسه في 1955، كانت هناك نقاشات حادة حول إمكانية شراء مقاتلات أمريكية أو الاستعانة بنموذج أوروبي مشترك مع الفرنسيين. وزير الدفاع في ذلك الوقت فرانس جوزيف شتراوس (يقف في الصورة عام 1961 على متن طائرة حربية إيطالية من طراز فياتG91) كان يفضل التعاون مع فرنسا.
صورة من: picture-alliance/AP
اقتناء غير موفق للمقاتلة "ستارفايت"
في نهاية الأمر حصلت قيادات في قوات الطيران بالجيش الألماني على نموذجها المفضل وهو المقاتلة الأمريكية ستارفايتر من انتاج شركة لوكهيد. غير أن هذه المقاتلة ثبت لاحقاً أنها مليئة بالأعطال، حيث وقعت العديد من الحوادث في الفترة بين 1962 و1984. وعلى الرغم من عدم مشاركة هذه المقاتلة في أي عمليات حربية، إلا أن حوادث تحطمها أسفرت عن مقتل أكثر من مائة طيار ألماني.
صورة من: imago/StockTrek Images/T. Ziegenthaler
المقاتلة الألمانية الفرنسية "الفا جيت"
جاء التعاون الألماني الفرنسي بعد ذلك بفترة، حيث طور الجانبان المقاتلة "ألفا جيت" التي تعرضت بسرعة لانتقادات بسبب تكاليفها الهائلة وعيوبها الفنية. ورغم ذلك استخدمها الجيش الألماني في الفترة مما بين 1979 وبداية التسعينات.
صورة من: picture-alliance/dpa
المحاولة التالية: المقاتلة ييغر 90
طورت ألمانيا بالتعاون مع بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا المطاردة ييغر 90 في 1983. لكن المطالب بأداء مهام إضافية والتأخير في الإنتاج جعل من ييغر 90 أكبر عملية تسليح مكلفة في تاريخ الدولة الألمانية. فقد كلفت الطائرة الواحدة حوالي 33 مليون يورو.
صورة من: Imago Images
المقاتلة يوروفايتر ..بديل لكنه أعلى كلفة
بعد سنوات من التأخير بدأت في أبريل/ نيسان 2004 مرحلة التطوير الجديد لمقاتلة يوروفايتر. وبدلاً من 33 مليون يورو للمقاتلة الواحدة وصلت التكلفة إلى 93.5 مليون يورو، وانخفض العدد من إجمالي لـ250 طائرة إلى 140 طائرة فقط، حربية من هذا النوع كان الجيش الألماني يريد استخدامها. أما فرنسا ففضلت الاعتماد على مقاتلاتها من طراز رافال من انتاج شركة داسو.
صورة من: picture-alliance/dpa/O. Berg
جيل جديد يحل المشاكل المتراكمة؟
تسعى ألمانيا وإسبانيا وفرنسا إلى تطوير جيل جديد من المقاتلات تحت مسمي Future Combat Air System (FCAS) حتى عام 2040. الشركتان المتنافستان داسو وإيرباص ستشاركان معاً في تطوير هذه المقاتلات، لكن حتى الآن لا يتوفر سوى اتفاق إطاري ومخططات على الورق. الشيء المؤكد هو أن هذا المشروع سيكون بدوره باهظ التكلفة. إعداد: أندرياس نول/ س.ح