أدت المعارك الدامية بين قوات كردية والجيش السوري في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب إلى موجة نزوح واسعة النطاق. هل يستطيع الوسطاء الدوليون منع اندلاع حرب شاملة؟
دخان يتصاعد فوق حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب السوريةصورة من: Omar Haj Kadour/AFP
إعلان
تصاعد التوتر بين الحكومة السورية والقوات الكردية، وتحوّل إلىاشتباكات عنيفة في مدينة حلب شمال البلاد. ومنذ يوم الثلاثاء، لقي العشرات مصرعهم. وأدى القتال أيضاً إلى أزمة نزوح كبيرة. أفادت "اللجنة المركزية لاستجابة حلب" فيحلب أن 142 ألف مدني لجأوا إلى مراكز الإيواء حتى يوم الخميس. المدارس مغلقة، وحركة الطيران من وإلى المطار ما زالت متوقفة.
ووفقاً للحكومة السورية في دمشق، فإن العمليات العسكرية "تهدف فقط إلى الحفاظ على الأمن، ومنع أي نشاط مسلح داخل المناطق السكنية". وفتحت الحكومة السورية ممرات إنسانية لخروج المدنيين.
من جهتها، نفت قوات سوريا الديمقراطية ، التي يقودها الأكراد وتدير المنطقة، وجود أي أهداف عسكرية في هذه الأحياء، متهمة الجيش باستهداف المدنيين، ومحذرة من أن النزاع قد يعيد سوريا إلى حرب شاملة.
ويقول نانار حواش، كبير محللي الشؤون السورية في "مجموعة الأزمات الدولية" (ICG)، وهي منظمة مستقلة تعمل على منع الحروب، لـ DW: "تصعيد حلب له تأثير مباشر على استقرار سوريا"، مضيفاً أنه إذا استمرت المواجهات لفترة طويلة، فقد ينتشر العنف إلى مناطق أخرى.
وفي الوقت نفسه، يتبادل الطرفان الاتهامات حول من بدأ القتال، بينما يسعى الوسطاء الأمريكيون لتهدئة الوضع. كما دعا ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جميع الأطراف إلى "خفض التصعيد فورًا، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، واتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية المدنيين". كما حثّ على استئناف المفاوضات بسرعة لتنفيذ اتفاق مارس/آذار.
هل ولد اتفاق العاشر من آذار/مارس ميتاً؟
في العاشر من مارس/آذار 2025، وبعد ثلاثة أشهر من الإطاحة بالدكتاتور السوري بشار الأسد، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، إثر هجوم سريع قادته ميليشيا "هيئة تحرير الشام" الإسلامية، وقّعت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بقيادة الأكراد اتفاقية تاريخية مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع. وتنص الاتفاقية على إنهاء الأعمال العدائية بين القوات السورية المدعومة من تركيا والقوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.
إعلان
نصّ الاتفاق على أن المنطقة الخاضعة لسيطرة الأكراد في محافظات الرقة والحسكة وديرالزور بالإضافة إلى مواردها النفطية المهمة، ستنتقل إلى سيطرة الحكومة المركزية في دمشق. كما أكّد الاتفاق على أنالمجتمعات الكردية جزء لا يتجزأ من الدولة السورية الموحدة. ومع ذلك، بقيت نقطة الخلاف الرئيسية هي ضم نحو 60 ألف مقاتل كردي إلى الجيش الوطني السوري بحلول نهاية عام 2025.
خلال الأشهر العشرة الماضية، شهدت المفاوضات تعثراً، وتجدّدت الاشتباكات بعد أيام قليلة من انتهاء المهلة المحددة.
ويربط جوليان بارنز-دايسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" (ECFR)، هذا الجمود بالاختلافات السياسية الجوهرية. وقال لـ DW: "لا يزال هناك تباين واضح بين رؤية الحكومة القائمة على السيطرة المركزية على البلاد، ومساعي قوات سوريا الديمقراطية لتطبيق نموذج فيدرالي يمنحها قدراً كبيراً من الاستقلال الذاتي".
أدت الاشتباكات في حلب السورية إلى أزمة نزوح جديدةصورة من: Karam Almasri/REUTERS
خبير: تركيا لن تتدخل عسكرياً في سوريا
يرى غيدو شتاينبرغ، الزميل الأول في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين (SWP) ومؤلف العديد من الكتب حول الإرهاب في الشرق الأوسط، أن مواقف الأكراد والإدارة في دمشق لا يمكن التوفيق بينها. ويضيف في حديث لـ DW: "لن يتخلى الجانب الكردي عن أسلحته، فهذا سيكون بمثابة انتحار بالنظر إلى ما حدث للعلويين والدروز". ومنذ تولي الشرع السلطة، أدت موجات العنف المتكررة ضد الأقليات الدينية إلى مقتل الآلاف.
ورغم ذلك، يرى أن دمشق أضعف من أن تجبر الأكراد على تسليم أسلحتهم والاندماج في الجيش السوري، قائلاً: "لن يحدث هذا بدون دعم تركي". لكنه يشكك في احتمال تدخل تركيا عسكرياً بسبب وضعها الداخلي.
تعتبر تركيا "قوات سوريا الديمقراطية" منظمة إرهابية بسبب صلاتها بـ"حزب العمال الكردستاني" المحظور. ويتفق المراقبون على نطاق واسع على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيستمر في منصبه لولاية رابعة، الأمر الذي يتطلب تعديلاً دستورياً يعتمد عليه بدعم النواب المؤيدين للأكراد في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028.
وفي يوم الخميس، صرّح مسؤول في وزارة الدفاع التركية بأن الجيش التركي مستعد "لدعم" سوريا في معركتها ضد المقاتلين الأكراد إذا طلبت دمشق المساعدة. ومع ذلك، أشار بيان آخر إلى أن الجيش السوري يتحمل المسؤولية الكاملة عن العملية في حلب، مؤكداً أن دور تركيا يقتصر على المساعدة في خفض التصعيد دون تدخل مباشر.
المدنيون يدفعون الثمن
في غضون ذلك، حذر نانار حواش، كبير محللي الشؤون السورية في "مجموعة الأزمات الدولية" (ICG)، من أن العنف في شمال شرق سوريا يزيد الوضع السياسي الهش تعقيداً ويفاقم الأزمة الإنسانية الحادة، التي تفاقمت نتيجة أكثر من عقد من الحرب الأهلية، والزلزال المدمر الذي ضرب البلاد في فبراير/شباط 2023، وفي ظل شتاء قارس هذا العام. ويوضح لـ DW: "مرة أخرى، يحتاج عشرات الآلاف من المدنيين النازحين إلى مأوى، وسيؤدي استمرار القتال إلى ضغط شديد على الخدمات في المناطق التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الموارد".
وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يوم الثلاثاء من أنه من أصل 112 مليون دولار (96.2 مليون يورو) مطلوبة لتقديم مساعدات شتوية منقذة للحياة، تم استلام 29 مليون دولار (24.8 مليون يورو) فقط، ما يترك فجوة بنسبة 74%.
وتشمل الأولويات العاجلة توفير التدفئة الطارئة، وإصلاح الملاجئ، وتوزيع الإمدادات الشتوية، وفتح الطرق لضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل مستمر. وتتعرض هذه الجهود لضغوط متزايدة بسبب نقص التمويل والقيود الأمنية، وفقًاً للأمم المتحدة.
أعدته للعربية: ندى فاروق
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.