كل من يتابع تطورات الشأن العراقي يعرف أن لعبة الشطرنج السياسي تتحرك بخيوط تقود لواشنطن وطهران، وبالتالي فإن هامش مناورة القيادة الجديدة في بغداد يتوقف على توازنات دقيقة قد تضطر لمراعاة انتظارات الخارج قبل مصالح الداخل.
صورة من: Reuters/Iraqi Parliament Office
إعلان
أكمل العراق تنصيب ثالوث قياداته السياسية العليا المتمثلة في الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان بعد شلل سياسي دام أكثر من تسعة أشهر في أعقاب الانتخابات التشريعية في أيار/ مايو 2018. ثلاثة شخصيات برزت في الواجهة لتتحمل مسؤولية قيادة البلاد في مرحلة حساسة. الرئيس برهم صالح شخصية كردية تحظى بالاحترام والاجماع داخليا وخارجيا. كما كُلف عادل عبد المهدي برئاسة الوزراء وبالتالي مهمة تشكيل الحكومة، فيما سبق وأن انتُخب السني محمد الحلبوسي رئيسا للبرلمان في أيلول/ سبتمبر الماضي. وبغض النظر عن الصعوبة التي ستواجه تشكيل الحكومة بسبب انقسامات المشهد العراقي، فإن استقرار العراق خلال المرحلة المقبلة يرتبط أيضا بتحقيق معادلة معقدة تقوم على إرضاء، أو على الأقل تحييد كلا من الولايات المتحدة وإيران الخصمين اللدودين اللذين غذى نزاعهما النعرات الطائفية والأثنية في البلاد.
ويعتبر العراق من مساحات التماس الأساسية في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران، مسرح تتصادم فيه المصالح الحيوية للطرفين أحيانا، وتتعايش فيه أحيانا أخرى. فإيران قادرة في أي لحظة على حشد الفصائل الشيعية لمواجهة "امبريالية الشيطان الأكبر" فيما تستطيع واشنطن تحريك ترسانة من أدوات الضغط الاقتصادي والأمني في أي لحظة.
خطيئة "لبننة" العراق
في حوار مع DW أكد الدكتور غسان العطية رئيس المعهد العراقي للتنمية والديموقراطية في لندن أن تأزم المشهد العراقي الحالي لا يرتبط فقط بغياب التقاليد الديموقراطية في بلد لم يعرف سوى "الديكتاتورية أو الفوضى"، وإنما أيضا بـ"الاحتلال الأمريكي الذي فتح أبواب جهنم على المجتمع العراقي بتكريسه الانقسام الاثني والطائفي، بشكل جعل حكومات بغداد تسعى للتوافقية من منطلقات طائفية واثنية". ولعل من أبرز تبعات هذا الاحتلال هو جعل الطرف الإيراني عاملا مركزيا في المعادلة العراقية "فالمفارقة تكمن في أن أمريكا التي احتلت البلد بجيشها وصرفت مليارات الدولارات، هي من ساعدت، من حيث لا تقصد، في أن يكون للجمهورية الإسلامية الموقع الحالي في الشأن العراقي" يقول العطية.
عادل عبد المهدي.. ربان لسفينة لم تبحر بعدُ
01:40
This browser does not support the video element.
التغلغل الإيراني في العراق بات هائلا، وهو لا يقتصر على المؤسسات سواء أكانت سياسية أو دينية، وإنما يشمل أيضا التنظيمات المسلحة، بشكل يمكن وصفه بـ "دولة داخل الدولة". أما النفوذ الأمريكي فلا يقل تأثيرا. وبعد 2003 أصبحت التفاهمات الأمريكية الإيرانية من ثوابت ضبط القضايا الأمنية والسياسية، ما جعل من العراق لبنانا جديدا. فكل طرف عراقي في الداخل يعتمد على الدعم الخارجي إذا أراد الوصول للسلطة.
ضبط التوازن بين طهران وواشنطن
سارعت كل من السفارة الأمريكية في بغداد والرئيس الإيراني حسن روحاني إلى تهنئة برهم صالح بعد انتخابه رئيسا للعراق، وهو ما أثار الآمال في قدرته على تنشيط دور تقليدي يلعبه الرئيس في التواصل مع طهران واشنطن بما يضمن الحد الأدنى من المصالح الوطنية العراقية، في مرحلة دقيقة يطبعها تصعيد إدارة ترامب اتجاه طهران وسعيها لعزلها إقليميا ودوليا. إن نجاح القيادة العراقية الجديدة يرتبط إلى حد كبير بقدرتها على ضبط العلاقة اتجاه واشنطن وطهران. ويرى العطية أن "الطرف الإيراني له مصلحة في أن يكون الوضع في العراق مستقرا"، متسائلا عمن "سيقدم الضمانة للقيادة الجديدة للبقاء في السلطة: الأمريكيين أم الإيرانيين؟"، فبالرغم من أن الرئيس برهم صالح ينتمي لحزب الاتحاد الكردستاني، وهو حزب مدين لإيران بالكثير لما أخرج في التسعينات من أربيل، ودعمته إيران لاسترجاع السليمانية.
أما"الولايات المتحدة فرغم أن ثقة الأحزاب الكردية وحتى الشيعية والسنية تزعزعت اتجاهها بسبب تذبذب مواقفها، فلا تزال قوة مؤثرة في المشهد العراقي وبالتالي فـ "ليس من مصلحة لا طهران ولا واشنطن في أن ينفجر الوضع في العراق، ولكن سيسعى كل طرف كي لا يستفيد الطرف الثاني أكثر مما يستفيد منه حاليا".
ومن مظاهر صراع النفوذ بين واشنطن وطهران في العراق، ما أعلنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اليوم (الخميس الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2018) بقوله "إيران هي مصدر التهديد الحالي للأمريكيين في العراق". وبالتالي لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد تماما في الساحة العراقية في المرحلة المقبلة. وهذا ما ذهب إليه العطية بقوله "العراق سيكون في وضع صعب جدا بعد الموجة الثانية من العقوبات الأمريكية التي ستفرض في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل بحكم اعتماد الاقتصاد العراقي على الدعم الأمريكي". بمعنى آخر فواشنطن تملك من وسائل الضغط على العراق إذا ما انحاز أكثر من اللازم لإيران". وبالتالي يرى العطية أن العراق مقدم على مرحلة من عدم الاستقرار، خاصة وأن "رئيس الوزراء الحالي لا يملك قاعدة شعبية أو حزبية خاصة به، وإنما يعتمد على رضا الآخرين عليه".
العلاقات العراقية الإيرانية.. تاريخ من النفوذ والتوتر
تتجذّر العلاقات بين العراق وإيران منذ سنوات طويلة، وقد غلب عليها التوتر في مراحل عديدة، وسط سعي إيرانيّ دائم لجعل العراق الساحة الرئيسية لنفوذها الإقليميّ. في ألبوم الصور هذا نلقي الضوء على تاريخ العلاقات بين البلدين.
صورة من: leader.ir
أهمية العراق بالنسبة لإيران
ظلت إيران تاريخياً تحاول بسط نفوذها على العراق بسبب أهمية موقعه الاستراتيجي، فهو يشكّل بوّابة إيران الشرقية على العالم العربي ومنه إلى البحر المتوسط مروراً بسوريا ولبنان. وتستغل إيران الروابط التاريخية والمذهبية بين البلدين في سبيل تحقيق ذلك، خاصة بعد تحولها للمذهب الشيعي في عهد الدولة الصفوية.
صورة من: DW-Montage
المذهبية.. "أداة التدخّل الشرعي"
تتخذ إيران من المذهب الشيعي وسيلة لاعتبار تدخّلها في العراق "شرعياً". فبالإضافة إلى الوجود الشيعي الكبير في العراق، يرتبط اسم العراق ارتباطاً وثيقاً بأحداث "التاريخ الشيعي"، حيث توجد فيه مدينتنا النجف وكربلاء، المقدّسة لأتباع المذهب الشيعي، كما أن مراقد ستة من الأئمة الاثني العشر توجد فيه، ولذلك يحج إليه ملايين الناس سنوياً.
صورة من: picture-alliance/dpa
الصراع الصفوي العثماني
يشكل الصراع بين الدولة الصفوية، والتي قلبت بلاد فارس (إيران) إلى المذهب الشيعي، والدولة العثمانية، إحدى المحاولات الواضحة لحكّام بلاد فارس للسيطرة على بلاد الرافدين (العراق). فبعد أن بسط الشاه سليمان الصفوي نفوذه في إيران، سيطر على العراق، إلا أن الدولة العثمانية تمكّنت من إخراجه من يد الحكم الصفوي. واستمر التوتر بين الطرفين للسيطرة على العراق حتى سقوط الصفويين ومجيء الأفشاريين ثم القاجاريين.
صورة من: DW/Helbig
معاهدة أرضروم
بعد انتصار القاجاريين على العثمانيين في معركة أرضروم 1823، وقّع الطرفان معاهدة حملت اسم المعركة، والتي اعترفت الدولة العثمانية بموجبها بحق إيران في مدينة وميناء المحمرة "خرم شهر" وجزيرة عبدان، وكذلك الأراضي التي هي على الضفة الشرقية لشط العرب. إلا أن تلك المعاهدة لم تكن قادرة على حد الخلاف على الحدود بين الطرفين.
صورة من: iichs
الخلاف على الحدود عند شط العرب
ورغم توقيع العراق وإيران معاهدة لرسم الحدود بين الطرفين في عام 1937، تعترف فيه طهران بحق بغداد في مياه شط العرب وتنظيم الملاحة فيه، ما عدا مناطق محددة، إلا أن الشاه الإيراني قام بإلغاء المعاهدة من طرف واحد في عام 1969 مستغلاً ضعف نظام البعث الذي كان قد وصل إلى السلطة قبل عام من ذلك، وقامت إيران بحشد قواتها العسكرية البرية والجوية والبحرية على طول خط الحدود بين العراق.
صورة من: DW-Grafik
الثورة الإيرانية وقدوم صدام.. في نفس العام
وفي عام الثورة الإيرانية 1979، تولّى صدام حسين زمام الأمور في العراق بإزاحة الرئيس أحمد حسن البكر، ليشتد العداء بين الطرفين، واللذين كانا يتبادلان التهم، طهران تتهم بغداد بإعدام الرموز الشيعية المعارضة، ومن أبرزهم محمد باقر الصدر، والعراق يتهم إيران بمحاولة تصدير الثورة الإسلامية إلى الدول المجاورة وخصوصاً تلك التي فيها شيعة. يضاف إلى ذلك الخلاف على الحدود بين البلدين عند شط العرب.
صورة من: AP
الحرب العراقية الإيرانية
شكّلت الحرب العراقية الإيرانية التي نشبت بين 1980 و 1988 أوج التصعيد والتوتر بين البلدين، وخلّفت الحرب مئات آلاف القتلى والمصابين وعشرات آلاف الأسرى.
صورة من: picture-alliance/dpa
انتفاضة عام 1991 في العراق
ورغم انتهاء الحرب بعد أن أعلن المرشد الأعلى الخميني قبول قرار مجلس الأمن الداعي لوقف القتال، إلا أن العلاقات بين البلدين لم تشهد تقارباً واضحاً، بل إنها عادت للتوتر مع اندلاع انتفاضة عام 1991 في العراق، حيث اتّهمت بغداد أن لطهران يد فيها، وهو ما أعاق تطبيع العلاقات بين البلدين.
صورة من: AP
الغزو الأمريكي للعراق – نقطة تحوّل
يشكل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحوّل جذرية في تاريخ العلاقات العراقية الإيرانية. حيث استأنف البلدان علاقاتهما الدبلوماسية في العام الذي تلا سقوط نظام صدام حسين، كما قام وفد عسكريّ عراقيّ - برئاسة وزير الدفاع آنذاك سعدون الدليمي- بزيارة إلى طهران وقدّم اعتذاراً لإيران عما وصفه بجرائم صدام بحق إيران، ووقّع الطرفان حينها اتفاقاً للتعاون العسكري في مجالات الدفاع ومحاربة الإرهاب.
صورة من: picture alliance/AP Photo
هيمنة إيرانية بعد الانسحاب الأمريكي
واستمرت العلاقات بالتحسن بدءاً من عهد رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري، وتوثقت العلاقات في عهد المالكي، إلى أن وصلت إلى هيمنة إيرانية على العراق، وخاصة بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011، قبل أن يعود جزء من قواتها بطلب من الحكومة العراقية لمحاربة تنظيم الدولة.
صورة من: Lucas Jackson/AFP/Getty Images
في عهد العبادي
رغم استمرار الضغوط الإيرانية، إلا أن رئيس الوزراء حيدر العبادي تمكّن –ولو نسبياً- من إعادة نوع من التوازن إلى علاقات العراق مع كل من أمريكا وطهران، وقد كشف العبادي أن بلاده تسعى أن تنأى بنفسها عن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لكن التساؤلات ماتزال تطرح نفسها حول إمكانية ذلك بالفعل، وسط التأثير الذي مازال يمارسه الطرفان في كل انتخابات تشهدها البلاد منذ سقوط صدام.
صورة من: Irna
خلاف المرجعيات
وتجدر الإشارة إلى وجود صراع حول مرجعية شيعة العراق بين الحوزتين الشيعيتين (المدرستان الرئيسيتان): حوزة النجف في العراق، وهي المقر التاريخي للحوزة من القرن الخامس، وحوزة قُمْ في إيران، وهي المقر المستحدث في أعقاب الثورة الإيرانية. بالإضافة إلى رفض الشيعة في العراق إلى جانب المرجع الأعلى للشيعة في العالم آية الله علي السيستاني لمبدأ ولاية الفقيه، وهو اساس نظام الحكم في إيران.
الكاتب: محيي الدين حسين