1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

"الصمغ العربي" السوداني.. مستحضرات تجميل ممزوجة بالبارود!

١ يوليو ٢٠٢٦

في عبوات أنيقة على رفوف المتاجر العالمية، تُسوَّق مستحضرات التجميل بوعود الجمال والنقاء. لكن خلف هذا البريق، تختبئ قصة أقل لمعانًا، تتعلق بمادة طبيعية تُستخرج في غرب السودان، حيث الحرب المستعرة.

Sudan l gum arabic l Gummiarabikum
يُعد السودان المنتج والمصدر الأكبر للصمغ العربي عالميًا، إذ يوفر ما بين 70 و80% من الإمدادات العالمية لهذه المادة الاستراتيجيةصورة من: Ashraf Shazily/AFP

في الوقت الذي تستخدم فيه ملايين النساء في العالم مستحضرات التجميل  يوميًا، قد لا يدركن أن بعض هذه المنتجات تعتمد على مواد خام مصدرها مناطق تمزقها الحرب.

ومن بين هذه المواد الصمغ العربي، المعروف بـ"الذهب الأبيض"، والذي يدخل في صناعة مستحضرات التجميل والأدوية والمنتجات الغذائية، ليشكل حلقة وصل غير مرئية بين رفوف المتاجر العالمية وإحدى أكثر بؤر النزاع  تعقيدًا في العالم.

يُعد  السودان المنتج والمصدر الأكبر للصمغ العربي عالميًا، إذ يوفر ما بين 70 و 80% من الإمدادات العالمية لهذه المادة الاستراتيجية، وفق تقارير دولية. وتتركز زراعة وإنتاج الصمغ العربي في ولايتي كردفان ودارفور، وهما من أكثر المناطق تأثرًا  بالحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، ما جعل هذه السلعة جزءًا من شبكة اقتصادية معقدة تمتد من القرى السودانية إلى المصانع والأسواق حول العالم.

ويحتفظ الصمغ العربي السوداني ، وخاصة صمغ الهشاب، بمكانة استثنائية في الأسواق العالمية بفضل جودته العالية وخصائصه الفريدة، ما يجعل إيجاد بدائل قادرة على تعويضه بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة.

وحول عملية إستخراج الصمغ يقول الدكتور عثمان أنور كايلا، مدير شركة "صمغ أكاسيا” وأحد موردي الصمغ العربي؛ تبدأ العملية بإحداث شقوق صغيرة في لحاء الشجرة، فتفرز مادة صمغية تحمي نفسها من الجفاف، ثم تتصلب تدريجيًا لتتحول إلى الصمغ العربي الذي يُجمع لاحقًا ويُستخدم في صناعة مستحضرات التجميل والعناية الشخصية كمادة مثبتة ومستحلبة.

تراجع حاد في إنتاج"الذهب الأبيض"

لكن الواقع في مناطق الإنتاج يبدو مختلفًا. يقول الدكتور عثمان أنور؛ "تأثر موسم الإنتاج الأخير بشدة بالحرب، حيث تعطلت عمليات الطق التقليدية لأشجار الهشاب بسبب نقص العمالة  بسبب نزوح السكان.

ويضيف أنور أن مساحات واسعة من مناطق الإنتاج أصبحت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، بينما غادر العديد من العمال والمزارعين مناطقهم نتيجة القتال وانعدام الأمن، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في الحصاد. وفي بعض القرى، التي كانت تعج بجامعي الصمغ خلال موسم الإنتاج، باتت مساحات من أشجار الهشاب مهجورة، في مشهد يعكس حجم التأثير الذي خلفته الحرب على أحد أهم القطاعات التصديرية في السودان.

وأشار أنور إلى تراجع إنتاج الصمغ العربي بشكل حاد، إذ انخفض من عشرات الآلاف من الأطنان قبل الحرب إلى مستويات متدنية في الموسم الأخير، في ظل اضطرابات أمنية ولوجستية غير مسبوقة. كما أدى غياب الاستقرار إلى ظهور شح كبير في المعروض، في وقت لم تعد فيه عمليات الحصاد تُنفذ بشكل منتظم في العديد من مناطق الإنتاج.

لكن تأثير هذه الأزمة لا يقتصر على السودان وحده، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، وخاصة في أوروبا. فمع تصاعد الحرب، شهدت تجارة الصمغ العربي توسعًا في شبكات التهريب عبر دول الجوار، مثل تشاد ومصر وجنوب السودان، حيث يُعاد تصديره أحيانًا تحت مسميات منشأ مختلفة، ضمن سلاسل وسيطة معقدة تجعل من الصعب تتبع مصدره الحقيقي، وفقا رويترز.

وفي بعض القرى، التي كانت تعج بجامعي الصمغ خلال موسم الإنتاج، باتت مساحات من أشجار الهشاب مهجورةصورة من: Ashraf Shazily/AFP

بدائل أفريقية لا تعوض الصمغ السوداني

وتؤكد شركات وموردون في القطاع أن سلاسل التوريد أصبحت أكثر غموضًا. ويشير أحد موردي الصمغ في أوروبا إلى أنه "لم يعد واضحًا من أين يأتي الصمغ في السودان”، في حين يقر خبراء بأن تحديد المصدر أصبح أكثر صعوبة بسبب غياب الشفافية وانتشار التجارة غير الرسمية. كما يحذر عاملون في القطاع من أن الحصول على كميات إضافية من الصمغ أصبح في بعض الحالات "مستحيلًا” بسبب الاضطرابات وإغلاق الطرق، وفقا بزنس دايلي.

وتضع هذه التطورات الشركات الأوروبية أمام معضلة حقيقية، إذ تجد نفسها أمام سلاسل توريد معقدة يصعب التحقق من مصدرها، في وقت تتزايد فيه الضغوط المتعلقة بالشفافية والمسؤولية الأخلاقية.

تُعد مدينة الأبيض  في شمال كردفان المركز التاريخي لتجارة الصمغ العربي، حيث شكّلت بورصة المحاصيل فيها لعقود أكبر سوق لتداول صمغ الهشاب، وكانت أسعارها مرجعًا مهمًا للسوق المحلية والعالمية. غير أن هذه السوق، مثل غيرها من القطاعات الحيوية، تأثرت بشدة بتداعيات الحرب وتعطل النشاط التجاري.

ومع أن أفريقيا لا تزال المصدر الرئيسي، فإن الاضطرابات في السودان دفعت العديد من الشركات إلى البحث عن بدائل داخل القارة، من دول مثل تشاد ونيجيريا و الكاميرون . ورغم ذلك، لا يزال السودان يحتفظ بمكانة مهيمنة، خاصة في إنتاج صمغ الهشاب عالي الجودة، ما يجعل تعويضه بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة في المدى القصير.

وتعتبر مدينة الأبيض في شمال كردفان المركز التاريخي لتجارة الصمغ العربي، حيث شكّلت بورصة المحاصيل فيها لعقود أكبر سوق لتداول صمغ الهشابصورة من: Ashraf Shazily/AFP

من شجرة الهشاب إلى عبوات التجميل

وفي هذا السياق، تؤكد تقارير دولية أن الصمغ العربي المستخدم في الأسواق الأوروبية قد يكون في بعض الحالات قد مرّ، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر مناطق متأثرة بالنزاع، ما يزيد من تعقيد مسألة التتبع ويطرح تساؤلات حول شفافية سلاسل التوريد العالمية.

ويرى محللون أنه رغم سعي الشركات إلى تنويع مصادرها، يبقى الصمغ السوداني، وخاصة الهشاب، مادة يصعب تعويضها بالكامل. وحتى إن لم تتوقف خطوط الإنتاج في أوروبا اليوم، فإن اعتمادها على المخزون ليس سوى حل مؤقت.

وبينما تُسوَّق هذه المنتجات بوصفها رمزًا للجمال، تبقى حقيقة أقل وضوحًا: أن جزءًا من مكوناتها قد يكون قد مرّ عبر مناطق نزاع، في قصة لا تظهر على الملصق، لكنها حاضرة في الرحلة من الشجرة إلى العبوة.

تحرير: عبده جميل المخلافي

ندى فاروق ندي فاروق صحفية سودانية متخصصة في قضايا المرأة، مع تركيز خاص على أوضاع النساء في مناطق النزاعات.
تخطي إلى الجزء التالي موضوع DW الرئيسي

موضوع DW الرئيسي

تخطي إلى الجزء التالي المزيد من الموضوعات من DW

المزيد من الموضوعات من DW