ملامح ما بعد سيطرة حكومة اليمن المدعومة سعوديا على الجنوب
علي المخلافي أ ف ب، د ب أ، رويترز
٢ فبراير ٢٠٢٦
ثمة مؤشرات على دخول جنوب اليمن مرحلة جديدة عنوانها إعادة بسط سلطة الحكومة اليمنية بدعم سعودي مباشر مقابل تراجع نفوذ الإمارات مع رهان على التنمية والخدمات لكسب الشرعية الشعبية. لكن النجاح مرهون بفرض الأمن وحماية الحريات.
جنود حكوميون يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في مدينة المكلا الساحلية على بحر العربصورة من: Stringer/REUTERS
إعلان
شهد جنوب اليمن مطلع عام 2026 تحولات سياسية وأمنية لافتة أنهت مرحلة سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، بعد عملية عسكرية وسياسية أعادت للحكومة المعترف بها دولياً نفوذها على محافظات رئيسية بينها عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى، بالتوازي مع إعلان الإمارات سحب قواتها من البلاد، ما وضع السعودية في موقع الطرف الإقليمي الأبرز في إدارة المشهد الجنوبي.
إعادة ترتيب المشهد السياسي
وفي خضم هذه التحولات، أكد مجلس القيادة الرئاسي التزامه بتشكيل حكومة كفاءات وطنية بعيدة عن المحاصصة الحزبية، مع ضمان تمثيل عادل للمحافظات وتمكين المرأة، إضافة إلى التركيز على دعم التنمية ومكافحة الإرهاب والتحضير لحوار جنوبي-جنوبي يهدف إلى توحيد الصف وإعادة صياغة الرؤية السياسية للجنوب ضمن إطار الدولة اليمنية.
تفكيك نفوذ المجلس الانتقالي على الأرض
وضمن خطوات تثبيت السيطرة الحكومية، قامت قوة عسكرية تابعة لألوية العمالقة بإغلاق أحد أهم مقرات المجلس الانتقالي المنحل في عدن، وهو مقر الجمعية الوطنية التابعة له، في خطوة عكست عملياً نهاية نفوذ المجلس على الأرض بعد إعلان قياداته حله وإغلاق مكاتبه في الداخل والخارج.
حرية الصحافة كاختبار مبكر للمرحلة الجديدة
لكن رغم الخطاب الرسمي عن استعادة الاستقرار، شهدت عدن اقتحاماً مسلحاً لمقر صحيفة "عدن الغد" والاعتداء على عدد من العاملين فيها. وقد أدان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي الهجوم، مؤكداً التزام الدولة بحماية حرية الصحافة وملاحقة المتورطين، واعتبر أن احترام الإعلام مؤشر أساسي على جدية الدولة في بناء الاستقرار والثقة.
موقف نقابة الصحفيين وتحذير من الانفلات الأمني
من جانبها، وصفت نقابة الصحفيين اليمنيين ما جرى بأنه انتهاك صارخ لحرية الصحافة وجريمة مكتملة الأركان، وقالت النقابة "إن عناصر مسلحة تنتمي للمجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل مؤخراً)، اقتحمت مقر صحيفة عدن الغد ودمرت ونهبت محتويات المقر، واعتدت جسديا على عدد من الصحفيين والعاملين أثناء تأديتهم لعملهم المهني". وحمَّلت السلطات الأمنية المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حماية الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المعتدين، ومؤكدة "استمرارها في الدفاع عن حق العمل الصحفي الحر".
إعلان
مطار المخا.. إشارة رمزية لعودة عمل مؤسسات الدولة
وفي مؤشر على السعي لإعادة تفعيل البنية التحتية والمنافذ السيادية، انطلقت بين جدة ومطار المخا الدولي بمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن، أمس الأحد (الأول من فبراير/شباط 2026) أول رحلة دولية، في خطوة اعتُبرت دعماً لقطاع النقل الجوي وتسهيل حركة المسافرين وتنشيط النشاط الاقتصادي والتجاري والإنساني، بعد سنوات من القيود وصعوبة التنقل. وكان مطار المخا في مدينة المخا الساحلية أُنشيء بدعم من الإمارات وبإشراف من نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح.
الدور السعودي التنموي يتوسع
وبالتوازي مع التحولات السياسية، وقع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقيات لتنفيذ تسعة مشاريع جديدة في قطاعي الصحة والتعليم، تشمل إنشاء منشآت طبية ومدارس نموذجية في عدة محافظات، في امتداد لحزمة واسعة من المشاريع التي نفذها البرنامج خلال السنوات الماضية لدعم مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات الأساسية.
مِنَح الوقود ودعم قطاع الكهرباء
وفي إطار دعم الاستقرار الخدمي، بدأت السعودية تزويد أكثر من 70 محطة كهرباء في اليمن بمنحة من المشتقات النفطية بقيمة تتجاوز 80 مليون دولار، مع إعلان الحكومة اليمنية فرض رقابة صارمة لضمان وصول الوقود إلى وجهته الصحيحة "ومنع أي تلاعب أو فساد"، باعتبار هذه الخطوة ركيزة لاستقرار الكهرباء وتشغيل المنشآت الحيوية.
تعهدات استثمارية بحجم نصف مليار دولار
وعلى المستوى الاستراتيجي، أعلنت الرياض عن حزمة مشاريع تنموية تقارب 500 مليون دولار في عشر محافظات جنوبية، تشمل قطاعات الصحة والطاقة والنقل والمياه والتعليم، في رسالة سياسية واقتصادية تؤكد انتقال السعودية إلى دور الراعي الرئيسي لإعادة إعمار الجنوب وإدارته بعد تراجع الدور الإماراتي.
سقطرى وإعادة التموضع الأمني
وفي جزيرة سقطرى، أعلنت السلطات المحلية استعدادها للعمل مع القوات الحكومية بإشراف مجلس القيادة الرئاسي والتحالف بقيادة السعودية، بعد سنوات من سيطرة المجلس الانتقالي على الجزيرة، في خطوة تعكس انتقال النفوذ الميداني إلى السلطة الشرعية ومحاولة تثبيت الأمن والاستقرار المحلي.
خلاصة المشهد
تدل هذه التطورات على أن جنوب اليمن دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة بسط سلطة الحكومة بدعم سعودي مباشر، مقابل تراجع النفوذ الإماراتي، مع رهان واضح على التنمية وتحسين الخدمات لكسب الشرعية الشعبية. غير أن نجاح هذه المرحلة يبقى مرهوناً بقدرة السلطات على فرض الأمن وحماية الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة، بوصفها اختباراً حقيقياً لمصداقية مشروع الاستقرار.
تحرير: ف.ي
اليمن في صور.. حكاية الحرب والانقسام وفرص السلام الصعبة
شهد تاريخ اليمن الحديث الكثير من التحولات والحروب والتحالفات وحتى العداوات دفعت هذا البلد الفقير إلى الانزلاق إلى دوامة العنف. وأمام التدهور المتزايد للوضع الإنساني، تعالت الأصوات مؤخرا بضرورة وقف الحرب في اليمن.
صورة من: AP Photo/picture alliance
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش توصل طرفي النزاع إلى اتفاق لإطلاق النار في الحديدة باليمن. وقبل محادثات السويد بشهر كان غوتيريش قد دعا منذ شهر لوقف فوري "لأعمال العنف" في اليمن والدفع باتّجاه محادثات سلام تضع حداً للحرب، مؤكدا أنه في غياب تحرّك، يمكن أن يواجه ما يصل إلى 14 مليون شخص، أي نصف عدد سكان اليمن، خطر المجاعة في الأشهر المقبلة، مقارنة بتسعة ملايين يواجهون المجاعة حالياً.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/K. Senosi
مدينة الحديدة التي تم التوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار فيها، تعتبر مدينة استراتيجية في اليمن. وتقع على ساحل البحر الأحمر على مسافة 226 كيلومترا من العاصمة صنعاء، ويشكل ميناؤها شريان الحياة لملايين اليمنيين في المدينة والمناطق القريبة منها. وشهدت في الأشهر الأخيرة معارك طاحنة بين قوات الحوثيين المتمردة وقوات الحكومة الشرعية مدعومة بقوات التحالف العربي.
صورة من: picture-alliance/afk-images/H. Chapollion
وجاء تحرك الأمم المتحدة الجديد في الأسابيع الأخيرة في ضوء تغير ملحوظ في موقف الولايات المتحدة من الأزمة في اليمن، حيث أظهرت واشنطن إشارات ضغط على حليفتها السعودية لإنهاء الحرب وإجراء محادثات سلام. فقد دعا وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أطراف الصراع في اليمن إلى الانضمام إلى "طاولة مفاوضات على أساس وقف لإطلاق النار".
صورة من: Getty Images/AFP
بعد عقود من تقسيمه إلى جنوب وشمال واعتناق إيديولوجيتين مختلفتين تماماً، جاء توحيد شطري اليمن عام 1990 إثر انهيار دول المعسكر الاشتراكي، حيث قامت دولة واحدة تحت قيادة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح.
صورة من: picture-alliance/dpa
لكن بعد نحو أربعة أعوام اندلعت حرب أهلية، ففي أبريل/ نيسان 1994 وقع تبادل لإطلاق النار في معسكر تابع لليمن الجنوبي قرب صنعاء، وسرعان ما تطورت لحرب كاملة في 20 مايو/ أيار وقامت حرب 1994 الأهلية في اليمن بعد ثلاثة أسابيع من تساقط صواريخ سكود على صنعاء، وأعلن علي سالم البيض نفسه رئيساً على دولة جديدة سماها جمهورية اليمن الديمقراطية من عدن.
صورة من: picture-alliance/dpa
ولم يعترف أحد بالدولة الجديدة التي أعلنها البيض، لكن السعودية، اللاعب الإقليمي الرئيس في الساحة اليمنية، عملت على إخراج اعتراف من مجلس التعاون الخليجي بالدولة الجديدة، لكن صالح أفشل الجهود السعودية وحال دون انفصال الجنوب عن الشمال مجدداً.
صورة من: AFP/Getty Images/F. Nureldine
بعد سلام لسنوات قليلة، سرعان ما عادت الحرب إلى ربوع اليمن، حين احتج الحوثيون على تهميشهم، وخاضوا من عام 2003 حتى 2009 ست حروب مع قوات صالح ومن ثم حرباً مع السعودية.
صورة من: AFP/Getty Images
في خضم احتجاجات ما يُسمى بـ"الربيع العربي" عام 2011 ضعف حكم الرئيس صالح، لكنها قادت إلى انقسامات في الجيش، ما سمح لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بالسيطرة على مساحات كبيرة في شرق البلاد.
صورة من: picture-alliance/dpa
بعد عام من الاحتجاجات والاعتصامات والكثير من الضحايا تنحى الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 2012 في إطار خطة للانتقال السياسي تدعمها دول خليجية. وضمن الاتفاق أيضاً أصبح عبد ربه منصور هادي رئيساً مؤقتاً ليشرف على "حوار وطني" لوضع دستور شامل على أساس اتحادي.
صورة من: AFP/Getty Images/M. Huwais
في خضم ذلك ومحاولات الرئيس صالح وحلفائه تقويض عملية الانتقال السياسي في البلاد وفق المبادرة الخليجية، ازداد انتشار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2013، رغم الهجمات العسكرية عليه والضربات بطائرات دون طيار، وبات يشن هجمات في مختلف أنحاء البلاد.
صورة من: Reuters
ولم يمض عام حتى تقدم الحوثيون بسرعة انطلاقاً من معقلهم في صعدة وسيطروا على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014 بمساعدة صالح والقوات المتحالفة معه، وطالبوا بالمشاركة في السلطة.
صورة من: picture-alliance/AP Photo/Hani Mohammed
عام 2015 حاول هادي إعلان دستور اتحادي جديد يعارضه الحوثيون وصالح، ورغم أنه فشل في ذلك لكنه نجح في الهروب من مطاردة الحوثيين له ولجأ إلى السعودية. وبدء التدخل السعودي العسكري في مارس/ آذار بتحالف عسكري عربي تم تجميعه على عجل. بعد شهور يدفع التحالف الحوثيين والموالين لصالح إلى الخروج من عدن في جنوب اليمن وفي مأرب إلى الشمال الشرقي من صنعاء لكن الخطوط الأمامية تستقر لتبدأ فترة جمود.
صورة من: picture-alliance/dpa/AP Photo//Yemen's Defense Ministry
عام 2016 استغل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الفوضى من جديد وأعلن عن إقامة دويلة حول المكلا في شرق اليمن الأمر الذي أثار مخاوف من أن الحرب ستؤدي إلى تصاعد نشاط المتشددين من جديد. الإمارات عملت على مساندة القوات المحلية في معركة لوضع نهاية لوجود التنظيم هناك.
صورة من: AFP/Getty Images
لكن هذه الحروب تركت آثارها على اليمن، فقد انتشر الجوع مع فرض التحالف السعودي حصاراً جزئياً على اليمن واتهامه إيران بتهريب الصواريخ للحوثيين عن طريق ميناء الحديدة مع الواردات الغذائية. وإيران تنفي هذا الاتهام.
كما تسببت الغارات جوية التي شنها التحالف في مقتل مئات المدنيين، ما دفع منظمات حقوقية إلى إطلاق تحذيرات، غير أن الدعم الغربي للسعودية وحلفائها لم ينقطع.
صورة من: Getty Images/AFP/A. Hyder
عام 2017 يمكن تسميته بعام حرب الصواريخ، فقد بات الحوثيون يطلقون عدداً متزايداً من الصواريخ على عمق الأراضي السعودية بما في ذلك الرياض.
صورة من: Reuters/Houthi Military Media Unit
وفي خضم هذه التطورات المستعرة ظهرت خلافات بين صالح وحلفائه الحوثيين، فرأى صالح فرصة لاستعادة أسرته للسلطة من خلال الانقلاب على حلفائه الحوثيين لكنهم قتلوه أثناء محاولة الهرب منهم نحو عدو الأمس السعودية.
صورة من: picture-alliance/dpa/Yahya Arhab
أطلقت القوات التي يدعمها التحالف السعودي بما فيها بعض القوات التي ترفع علم الانفصاليين في الجنوب عملية على ساحل البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين بهدف انتزاع السيطرة على ميناء الحديدة آخر نقاط الإمداد الرئيسية لشمال اليمن، حيث تدور معارك شرسة.