منع سفر المصريات للعمل في الخارج ببعض المهن: حماية أم تقييد؟
٨ أبريل ٢٠٢٦
فتح قرار وزارة العمل بحظر سفر النساء للعمل في بعض المهن بالخارج باباً واسعاً للنقاش حول التوازن بين حماية العاملات وتنظيم سوق العمل من جهة، وضمان حق النساء في الوصول إلى فرص العمل من جهة أخرى.
وبينما تستند الحكومة في قرارها إلى اعتبارات تتعلق بالسلامة والضوابط المهنية وصون الكرامة الإنسانية على حد تعبيرها، أثار الجدل المرافق له تساؤلات أعمق بشأن أثر هذه السياسات على المسار الاقتصادي للنساء، وحدود الدور التنظيمي للدولة في سوق العمل الخارجي.
بين التأييد والمعارضة
وتباينت آراء بشأن القرار بين مؤيدات ومعارضات. ففي حين أوضحت بعضهن لـ DW عربية القرار لا يمنع سفر المصريات للعمل بالخارج بشكل عام، وإنما يقتصر على حظر العمل في المهن الخدمية داخل المنازل، اعتبرت أخريات أنه خطوة مهمة لحماية كرامة المرأة المصرية.
وقالت إيمان (اسم مستعار) إن بعض السيدات المصريات يتعرضن لصور نمطية مسيئة في عدد من دول الخليج، وهو ما يدفع كثيرات إلى تأييد القرار، مؤكدة أن "أي امرأة لا تقبل أن تُمس كرامتها أو سمعة بلدها". وأضافت أن القرار قد يسهم في توجيه النساء إلى وظائف أكثر استقراراً، مثل العمل في المستشفيات بدلاً من التمريض المنزلي، بما يوفر بيئة عمل أفضل وحقوقاً أوضح.
من جانبه، قال حسن (اسم مستعار) إنه لا يرفض مهنة التمريض باعتبارها مهنة مهمة ومحترمة، لكنه يرفض العمل داخل المنازل، مؤكدًا: «نحن لسنا عبيدًا». وأضاف أنه يدعم القرار، مشددًا على أهمية توفير فرص عمل تحافظ على كرامة المصريات وتضمن لهن الأمان.
في المقابل، رأت ياسمين (اسم مستعار) أن الفرص المتاحة للعمل داخل مصر محدودة للغاية، وأن كثيرات يعتمدن على السفر للخارج كمصدر أساسي للدخل. وأضافت أن منع العمل في بعض المهن المنزلية خارج البلاد غير عملي، خاصة أن معظم النساء لا يجدن فرص عمل مناسبة في الداخل، ما يدفعهن إلى اللجوء إلى هذه الأعمال. وأكدن أنه لا عيب في أي عمل طالما أنه حلال ويحفظ الكرامة، حتى وإن كان يُنظر إليه في الخارج باعتباره مهينًا أو غير مناسب.
وفي هذا السياق، أصدر المركز المصري لحقوق المرأة بيانًا، أرسله إلى عربية DW، بشأن قرار وزير العمل بحظر سفر العاملات المصريات للعمل بالخارج في بعض المهن. وأكد المركز أن الهدف الحقيقي يجب أن يكون حماية النساء وضمان كرامتهن وسلامتهن، وليس مجرد المنع، مشيراً إلى أن الحماية الفعلية تتحقق من خلال تنظيم سوق العمل وتوفير بيئة آمنة تحترم الحقوق وتكفل سبل الحماية القانونية.
"تنظيم وليس منع"
وقالت نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة ، إن "الدولة تمتلك أدوات عدة لحماية النساء العاملات بالخارج دون الحاجة إلى المنع، من بينها توثيق عقود العمل، ومراقبة شركات التوظيف، وتفعيل دور السفارات، وإنشاء آليات لتلقي الشكاوى، وتجريم أي ممارسات تمس كرامة العاملات". وأضافت أن تمكين النساء في بيئة عمل آمنة وعادلة أفضل من تقييد حركتهن أو فرصهن الاقتصادية، مؤكدة أن الحماية الحقيقية تتحقق بمنع الاستغلال أثناء العمل ، وليس بمنع العمل نفسه.
وحذر المركز من أن "المنع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل لجوء بعض العاملات إلى قنوات غير رسمية وزيادة احتمالات التعرض للاستغلال، فضلاً عن تنشيط عمل الوسطاء غير المرخصين وتقييد حق النساء في حرية العمل والتنقل".
ومن جانبها، أكدت النائبة سولاف درويش، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن القرار يأتي في إطار الحفاظ على كرامة المرأة المصرية وتوفير بيئة عمل آمنة لها، مشددة على أن المرأة المصرية كانت ولا تزال نموذجاً مشرفاً في مختلف المجالات عبر التاريخ.
وبدورها، وصفت الدكتورة فاطمة فؤاد، أمينة العمال بحزب المحافظين، قرار وزارة العمل بحظر سفر السيدات للعمل في المنازل والمقاهي بالخارج بأنه خطوة تاريخية لحماية المرأة المصرية، مؤكدة أن القرار يضمن بيئة عمل آمنة ويحفظ حقوقها المهنية والإنسانية.
ماذا يتضمن القرار بالضبط؟
وبحسب ما أعلنته الإدارة العامة لشؤون شركات إلحاق العمالة المصرية بالخارج، يشمل القرار حظر سفر النساء للعمل في الأعمال المنزلية، مثل الرعاية والطهي وإدارة المنازل والمساعدة الشخصية والتمريض المنزلي، إضافة إلى العمل في المقاهي بوظائف الخدمة وتقديم المشروبات والطعام. وأوضحت الوزارة أن القرار جاء بعد رصد حالات عمل لسيدات في مهن محظورة عبر مكتب التمثيل العمالي بالرياض، ما استدعى تدخلاً وزارياً لضبط سوق العمل الخارجي، وحماية حقوق وكرامة العاملات المصريات، والحفاظ على سمعة العمالة المصرية في الخارج.
ويأتي القرار امتداداً لمسار طويل يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت الدولة الامتناع إدارياً عن توثيق عقود عمل المصريات في المهن المنزلية بالخارج، قبل أن يتحول هذا التوجه إلى سياسة رسمية جرى تشديدها تدريجياً، وصولاً إلى القرار الأخير.