من هرمز إلى ملقا.. صراع السيطرة على المضائق البحرية!
١٥ مايو ٢٠٢٦
ما من شك في أنَّ فرض رسوم على مرور السفن عبر مضيق ملقا سيكون مشروعًا مربحًا. فقد قال وزير المالية الإندونيسي، بوربايا يودهي ساديوا، في نهاية نيسان/أبريل: "إذا قمنا بتقسيم عائدات رسوم المرور بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الإيرادات".
ويبدو أنَّ وزير المالية الإندونيسي لم يكن جادًا تمامًا، فبعد بضعة أيام أعلن وزير الخارجية الإندونيسي، سوغيونو، أنَّ بلاده تحترم حرية الملاحة ولن تفرض رسوم عبور على مرور السفن عبر مضيق ملقا.
ومع ذلك فإنَّ هذا يشير إلى تداول فكرة إمكانية استغلال استخدام حركة الملاحة البحرية كأداة جيوسياسية، ليس فقط في مضيق هرمز، بل حتى في مضائق أخرى. ولذلك كتبت وكالة رويترز للأنباء أنَّ "إغلاق مضيق هرمز أجبر صانعي القرار السياسي في آسيا على التفكير في أمن الممرات البحرية الأخرى".
وهذا ينطبق في منطقة جنوب شرق آسيا بشكل خاص على مضيق ملقا، الذي تسير عبره أهم طرق التجارة بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. حيث تمر عبر هذا المضيق الواقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة نحو 22 بالمائة من التجارة البحرية العالمية.
خطر التأثير الجيوسياسي
لم يعد الخطر يقتصر على القرصنة أو النزاعات الإقليمية. فقد أشار في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى هذا الخطر الجديد.
وحتى الأطراف الفاعلة غير الحكومية باتت قادرة الآن على تعطيل تدفقات التجارة العالمية بشكل حساس، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وذكر المركز مثلًا هجمات ميليشيات الحوثيين الشيعية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، والتي تتجنب بسببها الآن العديد من شركات الشحن طريق قناة السويس، وتسير عبر الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح - وهذا يؤثر بشكل كبير على سلاسل التوريد والأسعار.
ويرى نيكولاس شوليك، وهو باحث سياسي وعقيد سابق في القوات المسلحة النمساوية، وكبير المستشارين في المعهد النمساوي للسياسة الأوروبية والأمنية (AIES)، أنَّ هذا يمثل تغييرًا جوهريًا في توازنات القوة الجيوسياسية.
وحول ذلك قال شوليك لـDW: "نحن نشهد اليوم تداعيات تطور تعتقد فيه بعض الدول أنَّها تستطيع قانونيًا السيطرة على المضائق المهمة إستراتيجيًا". وأضاف أنَّ الخطر الخاص هنا هو تحوّل مضائق مثل مضيق هرمز، ومضيق ملقا، وحتى مضيق تايوان، إلى أدوات تأثير جيوسياسي.
ويشاركه في هذا الرأي كريستيان فيرت، من مجموعة أبحاث آسيا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP). وفي حوار مع DW قال فيرت: "يعتمد مدى خطورة مضيق ما بشكل خاص على ثلاثة عوامل: حجم حركة الملاحة والطرق البديلة الممكنة والوضع السياسي في المنطقة المحيطة". وأضاف أنَّ أهمية المضيق الإستراتيجية تزداد فكلما كان أكثر أهمية لحركة الملاحة وكلما كان من الصعب تجاوزه.
"عودة الجغرافيا"
وحاليًا يبدو أنَّ مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، معرض للخطر بشكل خاص. ومع ذلك يجب علينا ألا ننظر فقط إلى الخليج، كما يقول شوليك.
ويضيف أنَّ "مضيق تايوان سيكون في مثل هذه الحالة أكثر أهمية من مضيق هرمز"، في إشاراة إلى نشوب نزاعات محتملة بين الصين وتايوان. حيث يمر عبر مضيق تايوان جزء كبير من التجارة الآسيوية، وكذلك عبر مضيق ملقا.
في هذا السياق، كتب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أنَّ السياسة في جميع أنحاء العالم تشهد حاليًا "عودة الجغرافيا". وأنَّ المضائق مثل هرمز وباب المندب ومضيق تايوان لم تعد منذ فترة طويلة مجرد معابر جغرافية، بل أصبحت تمثل بشكل متزايد أدوات إستراتيجية لقوة جيوسياسية. وأضاف المعهد أنَّ هذا الترابط العالمي الوثيق يخلق بالذات تبعيات جديدة وبذلك وسائل ضغط جديدة.
ومع ذلك فإنَّ الوضع القانوني الدولي واضح. يقول فيرت: "ينطبق مبدأ العبور على المضائق المهمة دوليًا. وهذا يعني أنَّ السفن، وحتى السفن الحربية، يمكنها المرور عبر المضائق التي تعد ضمن المياه الدولية من دون عوائق وفي أوضاعها التشغيلية العادية".
وبناءً على ذلك فإنَّ إغلاق مضيق دولي يعتبر انتهاكًا خطيرًا للقانون، كما يقول فيرت. ويضيف أنَّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تضمن المرور السلمي حتى للسفن الحربية عبر المياه الساحلية الخاضعة لسيادة الدول المطلة عليها. ومن غير المسموح هناك فرض رسوم أو جمارك. ويختلف الوضع فقط في حالة الممرات المائية الاصطناعية مثل قناة السويس أو قناة بنما.
ضعف القانون البحري
ويشير شوليك أيضًا إلى أنَّ قانون البحار الدولي يضمن بوضوح حرية الملاحة. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في الواقع السياسي، كما يقول: "لأنَّ القانون الدولي لا يُطبَّق إلا إذا كانت الدول المعنية مستعدة للالتزام به". ويذكر كمثال على ذلك بحر الصين الجنوبي، حيث تجاهلت الصين حكمًا دوليًا لصالح الفلبين.
وفي الوقت نفسه، يحذِّر الخبيران من المبالغة في تقدير القوة العسكرية التقليدية. ويقول شوليك: "لم تعد هناك حاجة اليوم إلى أسطول كبير من أجل تعطيل مضيق بشكل حساس". فقد أظهرت إيران قدرتها على ممارسة ضغط كبير باستخدام زوارق سريعة صغيرة أو صواريخ أو وسائل غير متكافئة. ويصف ذلك المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بصيغة مشابهة: "حتى الدول والأطراف الفاعلة غير الحكومية المتواضعة نسبيًا لديها قدرات يمكنها منع استخدام البحر".
ولكن فيرت يشير إلى أنَّ الإغلاق الكامل لمضيق ما ينطوي أيضًا على مخاطر كبيرة للدولة التي تغلق المضيق. ويضيف أنَّ الأضرار الاقتصادية تؤثر غالبًا على الدولة نفسها التي تغلق المضيق. ومثلًا الصين بالذات ستتأثر كثيرًا في حال التصعيد في مضيق تايوان أو في ملقا.
وفي جنوب شرق آسيا توجد على الأقل بعض الطرق البديلة، مثل مضيق سوندا بين سومطرة وجاوة، وكذلك مضيق لومبوك بين بالي ولومبوك. ومع أنَّ هذه الطرق تطيل مدة النقل وتزيد تكاليفه، ولكنها لا تعطل التجارة العالمية بشكل تام، بحسب تعبير فيرت.
المضائق البحرية
ومع ذلك يتفق الخبيران على أنَّ الاقتصاد المعولم يتعرّض لخطر متزايد. ويشير شوليك إلى مبدأ "الإنتاج في الوقت المناسب" لسلاسل التوريد الحديثة. فالشركات لم تعد تحتفظ بأية مخزونات. ولذلك فإنَّ أية انقطاعات، حتى القصيرة، قد تتسبب بأضرار اقتصادية عالمية. وبالتالي يرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنَّ مضيق هرمز لا يعتبر حالة استثنائية بل أحد أعراض المشكلة: وذلك لأنَّ الاقتصاد العالمي الحديث يعتمد على عدد قليل من الممرات البحرية، وتعطيلها قد يؤدي إلى تبعات عالمية.
ولهذا السبب بالذات فإنَّ النقاش حول مضيق ملقا يتجاوز حدود جنوب شرق آسيا. وقد أظهر رد الفعل الشديد من سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا على فكرة فرض رسوم عبور محتملة مدى إغراء استخدام السيطرة الجغرافية كأداة ضغط سياسية أو اقتصادية، ومدى خطورة التشكيك في حرية الملاحة على الاقتصاد العالمي.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عادل الشروعات