بعد أيام دامية خلّفت عشرات القتلى، أعلنت دمشق هدنة لست ساعات في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ليتمكن المقاتلون الأكراد من الانسحاب، بينما تفيد تقارير محلية إن القوات الحكومية فرضت سيطرتها على الأحياء المتضررة.
أسفرت المواجهات الدامية مع المقاتلين الأكراد، عن سقوط أكثر من 20 قتيلاً وأجبرت آلاف المدنيين على الفرار من منازلهمصورة من: Kasim Yusuf/Anadolu/picture alliance
إعلان
في خطوة تهدف إلى كبح جماح التصعيد العسكري الذي عصف بأحياء مدينة حلب، أعلنت وزارة الدفاع السورية فجر الجمعة (التاسع من يناير/ كانون الثاني 2026)، وقفاً لإطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، لست ساعاتى بهدف تمكين مقاتلي "قسد" من الانسحاب من المدينة. وانتهت المهلة في تمام الساعة التاسعة صباحا حسب التوقيت المحلي.
وأشارت تقارير ميدانية إلى أن الجيش السوري فرض سيطرته بشكل كبير في المناطق المذكورة عقب انتهاء المهلة، مع بدء انتشار قوى الأمن الداخلي لتأمين الأحياء حسبما نقلت وكالة أنباء الأناضول.
وقد سارعت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها توم باراك، إلى الترحيب بهذه الخطوة، داعية إلى الالتزام بها لضمان سلامة المدنيين.
قتلى ونزوح جماعي
في غضون ذلك، استخدم نحو 16 ألف مدني الممرات الإنسانية التي فتحتها السلطات للفرار من القذائف والاشتباكات التي لم تتوقف حتى اللحظات الأخيرة قبل سريان الهدنة.
ووفقا لمصادر سورية رسمية أسفرت المواجهات الدامية والتي اندلعت منذ الثلاثاء الماضي بين القوات الحكومية والمقاتلين الأكراد ، عن سقوط أكثر من 21 قتيلاً وأجبرت آلاف المدنيين على الفرار من منازلهم. كما أشارت تقارير أممية إلى نزوح قرابة 30 ألف شخص من الأحياء المتضررة منذ اندلاع المواجهات في قبل ثلاثة أيام، مع خروج عدد من المشافي عن الخدمة (مثل مستشفى زاهي أزرق وابن رشد) نتيجة القصف المتبادل وفق ما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
وتأتي
الاشتباكات على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، منذ توقيعهما اتفاقا في آذار/مارس نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
شروط الانسحاب وتأمين العبور
وشهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية هدوءاً حذراً وتوقفاً كاملاً للاشتباكات العنيفة، مع بدء تنفيذ آليات خروج المجموعات المسلحة باتجاه شمال شرق سوريا حسبما ذكرت وكالة الأنباء السورية "سانا".
وأفادت وزارة الدفاع السورية في وقت سابق عبر بيان أنه "انطلاقاً من الحرص التام على سلامة أهلنا المدنيين في مدينة حلب ومنعا لأي انزلاق نحو تصعيد عسكري جديد داخل الأحياء السكنية، تعلن وزارة الدفاع إيقاف إطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد (...) اعتباراً من الساعة 03:00 بعد منتصف الليل (منتصف الليل بتوقيت غرينتش)".
وأضاف البيان: "يُطلب من المجموعات المسلحة" في تلك الأحياء "مغادرة المنطقة بدءا من الساعة 03:00 بعد منتصف الليل وتنتهي المهلة في تمام الساعة 09:00 صباحا من يوم الجمعة".
نص الاتفاق على السماح للمقاتلين بحمل سلاحهم الفردي الخفيف فقط، مع تعهد الجيش العربي السوري بتأمين مرافقتهم وضمان وصولهم بسلام إلى مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق البلادصورة من: Anagha Subhash Nair/Anadolu/picture alliance
ونص الاتفاق على السماح للمقاتلين بحمل سلاحهم الفردي الخفيف فقط، مع تعهد الجيش السوري بتأمين مرافقتهم وضمان وصولهم بسلام إلى مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد. وتهدف هذه الإجراءات، وفقاً لبيان السلطات إلى "إنهاء الحالة العسكرية في هذه الأحياء تمهيدا لعودة سلطة القانون والمؤسسات الرسمية وكذلك تمكين الأهالي الذي اضطروا إلى مغادرة منازلهم قسرا من العودة إليها ليستأنفوا حياتهم الطبيعية في أجواء من الأمن والاستقرار".
إعلان
ضغوط ميدانية
تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تعثر المفاوضات السياسية بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بشأن تنفيذ اتفاق آذار/مارس القاضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في هيكلية الدولة السورية.
وقال محافظ حلب عزام الغريب لوكالة "سانا" الرسمية "وفق المعلومات الواردة، "سُجّل انشقاق أعداد كبيرة من عناصر تنظيم قسد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وهروب قسم آخر، ما يمهّد لتغيير ميداني مهم في تلك المناطق". وأضاف "تتحضّر الآن قوى الأمن الداخلي للانتشار داخل الأحياء المذكورة، تمهيدا لتأمينها بالكامل وضمان عودة الأهالي النازحين إلى منازلهم بأمان".
ولم تُعلّق القوات الكردية على هذه التصريحات على الفور. لكن قائد "قسد" مظلوم عبدي حذر في وقت سابق من أن "نهج القتال وفرض الحلول الأحادية يقوض فرص الوصول إلى تفاهمات مستدامة".
أشارت تقارير ميدانية إلى أن الجيش السوري فرض سيطرته بشكل كبير على حيي الأشرفية وبني زيد صورة من: Anagha Subhash Nair/Anadolu/picture alliance
مخاوف دولية
لم يقتصر الصراع على البعد المحلي، إذ دخلت القوى الإقليمية على خط الأزمة؛ حيث أبدت تركيا استعدادها لدعم دمشق في مواجهة ما وصفتها بـ "المنظمات الإرهابية"، بينما أدانت إسرائيل الهجمات على الأقلية الكردية، معتبرة إياها تناقضاً مع وعود "سوريا الجديدة".
واعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن "الهجمات التي تشنها قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب جسيمة وخطرة"، مضيفا أن "القمع الممنهج والدموي للأقليات المختلفة في سوريا يتناقض مع وعود +سوريا الجديدة+".
، استخدم نحو 16 ألف مدني الممرات الإنسانية التي فتحتها السلطات للفرار من القذائف والاشتباكات التي لم تتوقف حتى اللحظات الأخيرة قبل سريان الهدنة.صورة من: Mahmoud Hassano/REUTERS
ووصلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين إلى دمشق يوم الجمعة في زيارة كانت مقررة مسبقاً، وسط دعوات أوروبية متزايدة لضبط النفس وحماية المدنيين في حلب.
وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم "الدولة الإسلامية" وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
تحرير: وفاق بنكيران
بعد عام على سقوط نظام الأسد ـ انتهت الحرب وبقيت معاناة السوريين
شكل سقوط نظام الأسد فرصة لإعادة بناء سوريا، لكن التحديات كبيرة وتطال جميع السوريين تقريبا. ويواجه السوريون، بغض النظر عن أطيافهم الدينية أو عرقياتهم أزمات عميقة ومتجذرة تتطلب سنوات من الجهد والعمل الجبار للنهوض بالبلاد.
صورة من: Middle East Images/AFP/Getty Images
أغلب السوريين يعيشون تحت خط الفقر
تأمين لقمة العيش بات مهمة صعبة في سوريا اليوم، إذ يعاني غالبية السوريين سوريون من الفقر المدقع، فبحسب إحصائيات البنك الدولي يعيش 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، وبلغت نسبة التضخم 6.4 بالمئة في يناير/ كانون الثاني 2025. رافق ذلك ارتفاع نسبة البطالة وارتفاع الأسعار، مما أدى إلى انهيار القدرة الشرائية للمواطن السوري وعدم مقدرته على تأمين لقمة عيشه.
صورة من: Aaref Watad/AFP/Getty Images
ربع السوريين بلا عمل
يشير تقرير الأمم المتحدة لعام 2025 أن واحد من كل أربعة سوريين أصبح عاطلاً عن العمل، في حين يقول باحثون اقتصاديون إن مستوى البطالة أعلى من ذلك بكثير، وذلك في ظل غياب إحصاءات رسمية حديثة. كما أن ثلاثة من كل أربعة أشخاص في سوريا يعتمدون على المساعدات الإنسانية، ويحتاجون إلى دعم في مجالات عدة.
صورة من: Omar Albam
نصف أطفال سوريا لا يذهبون إلى المدارس
سنوات الحرب الطويلة تركت أثراً كبيراً على قطاع التعليم، فبالإضافة إلى انهيار البنية التحتية للمدارس وإغلاق بعضها في عدة مناطق وتعرض أخرى للدمار، فإن حوالي 40 إلى 50 بالمئة من الأطفال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و15 عاماً لا يذهبون إلى المدرسة.
صورة من: AAREF WATAD/AFP
دمار هائل وعائلات بلا مأوى
يجد السوريون صعوبة كبيرة في الحصول على سكن، فالحرب خلفت وراءها دماراً هائلاً، طال ثلث المباني السكنية في البلاد، ما ترك 5.7 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مأوى، لتخلّف هذه الأزمة أزمات أخرى عديدة.
صورة من: Mahmoud Hassano/REUTERS
الطفولة تفترش شوارع سوريا
انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا وصعود أزمات عديدة أدى إلى تشرّد أعداد كبيرة من السوريين. كان للأطفال النصيب الأكبر من هذه الظاهرة التي باتت مألوفة في شوارع المدن السورية. تم تشريد عائلات بأكملها، ولم يجد أطفال فقدوا ذويهم سوى الشوارع مأوى لهم، والتسوّل كوسيلة للحصول على قوت يومهم.
صورة من: Java
القطاع الصحي السوري منهار تماماً
خلال سنوات الحرب تضرر حوالي ثلث المراكز الصحية في سوريا، وتعطّلت نصف خدمات الإسعاف. بالإضافة إلى ذلك تعاني الفئات المستضعفة في سوريا من مشاكل صحية وسوء تغذية، وبحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) يعاني أكثر من 600 ألف طفل سوري دون سن الخامسة من التقزّم نتيجة سوء التغذية المزمن.
صورة من: Diaa Al-Din Samou/AA/picture alliance
النزوح داخل سوريا: مأساة مستمرة ومعقدة
نزح داخل سوريا ملايين الأشخاص، يعيشون أصعب ظروف الحياة. ووفقاً لآخر تقرير صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يوجد أكثر من 16 ألف نازح داخل سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وحتى مع عودة مئات الآلاف منهم إلى منازلهم بعد سقوط نظام الأسد، ما زالت أزمة النزوح في سوريا واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، تعاني منها النساء بشكل خاص.
صورة من: Muhammed Said/AA/picture alliance
الخروج من المعتقلات.. معاناة من نوع آخر
فتح أبواب السجون والمعتقلات في سوريا عقب سقوط نظام الأسد أفرجَ عن مئات آلاف المعتقلين. خرج بعضهم بعد عشرات السنوات من التعذيب، فقد البعض ذاكرته، ولا يعلم آخرون أين ذويهم وأقاربهم. يحمل هؤلاء السوريون معهم آلاماً وأزمات نفسية تحتاج إلى رعاية حثيثة للتغلب عليها.
صورة من: Asaad al-Asaad/newscon/picture alliance
أزمة الكهرباء تؤثر على القطاعات الحيوية في البلاد
أزمة الكهرباء في سوريا ما زالت مستمرة، وما زال السوريون يشهدون انقطاعاً متكرراً في التيار الكهربائي يستمر لساعات طويلة خلال اليوم. فخلال الحرب انخفض إنتاج الطاقة بنسبة 80 بالمئة، وتضرر أكثر من 70 بالمئة من محطات الطاقة وخطوط النقل، وهذا لا يعني فقط عدم توفير إنارة في المنازل والطرقات، بل يؤثر أيضاً على الخدمات الأساسية الأخرى مثل المياه والتدفئة.
صورة من: Delil Souleiman/AFP /Getty Images
السوريون يعيشون بين الألغام
ما زال الوضع الأمني في البلاد هشاً للغاية، يتمثل ذلك في استمرار حدوث أعمال عنف في بعض المناطق وغياب الانضباط، إلى جانب انتشار الألغام الأرضية، وبالرغم من جهود الفرق المختصة التي تمكنت من إزالة 2621 ذخيرة غير منفجرة تبقى أمامهم كميات كبيرة جداً من الألغام التي يقدّر عددها بحوالي 300 ألف من مخلفات الحرب غير المنفجرة.