تحذر الدول الغربية من عودة نشاط تنظيم داعش بعد سيطرة الحكومة السورية على مخيمات الاعتقال في شمال شرق البلاد. ويثير هروب عشرات وربما مئات من الجهاديين ونقل آلاف منهم إلى العراق جدلًا ومخاوف كبيرة من موجة إرهاب جديدة.
نساء وأطفال في مخيم الهول شمال شرق سورياصورة من: Omar Haj Kadour/AFP
إعلان
يحذر شركاء سوريا الغربيون من احتمال عودة نشاط تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وإذا لم تتخذ القوات الحكومية في دمشق والقوات الكردية في شمال شرق سوريا جميع الإجراءات الأمنية الضرورية فمن الممكن أن يهرب المزيد من مقاتلي داعش من مخيمات الاعتقال.
وقد طالبت في بيان مشترك كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بتجنّب حدوث "فراغ أمني" واستمرار الجهود الدولية في محاربة تنظيم داعش. وذلك على خلفية توتر الوضع في شمال شرق سوريا، الذي انسحبت منه تحت ضغط عسكري من الحكومة السورية قواتُ سوريا الديمقراطية (قسد) التي يهيمن عليها الأكراد.
وخلال الحرب الأهلية أنشأت الوحدات الكردية في شمال شرق سوريا العديد من مخيمات الاعتقال لمقاتلي تنظيم داعش. وبحسب التقارير فقد احتُجز هناك نحو تسعة آلاف شخص، بينهم نساء وأطفال. وبعد اشتباكات عنيفة ومفاوضات لاحقة، تولت الحكومة السورية مؤخرًا السيطرة على هذه المخيمات. ومن المفترض أنَّ العديد من الجهاديين هربوا من هناك خلال الاضطرابات. وحول عددهم تتضارب الأرقام: فالحكومة السورية تتحدث عن نحو 120 هاربًا، بينما تتحدث مصادر كردية عن ما يصل إلى 1500. وذكرت الحكومة في دمشق أنَّها قبضت على نحو 80 جهاديًا من جديد.
وفي الوقت نفسه، نقلت القوات الأمريكية أول دفعة من معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، ومن المقرر بقاؤهم في المستقبل محتجزين هناك. وذُكر أنَّ الهدف من ذلك هو تخفيف العبء عن قوات الأمن السورية، المسؤولة الآن عن المخيمات. ويأتي هذا الإجراء بعد معارك شديدة بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية.
أولًا معارك ثم مفاوضات: الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع (على اليمين) وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبديصورة من: SANA/AP Photo/picture alliance
الولايات المتحدة الأمريكية: تباعد عن الأكراد وتقارب مع دمشق
وبحسب تقارير إعلامية فقد أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع اتصالًا هاتفيًا يوم الثلاثاء. وأكد الشرع بعد ذلك على أهمية التعاون الدولي من أجل منع عودة التنظيمات الإرهابية إلى سوريا.
إعلان
ويبدو أنَّ قرار الولايات المتحدة الأمريكية نقل معتقلي داعش إلى العراق يشير إلى اتباع واشنطن سياسة جديدة في سوريا، كما يقول ماركوس شنايدر، مدير مشروع السلام والأمن الإقليميين في الشرق الأوسط لدى فرع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في بيروت. ويضيف أنَّ "قوات سوريا الديمقراطية كانت تقول لفترة طويلة إنَّها تسيطر على الجهاديين في المنطقة، ولذلك يجب دعمها دوليًا أيضًا".
"ولكن في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، انضمت الحكومة السورية أيضًا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. ويبدو أنَّ المعنيين في واشنطن يعتقدون أنَّ بإمكانهم إيجاد شريك موثوق به أيضًا في الحكومة السورية الجديدة"، كما يقول شنايدر، في إشارة إلى المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا توم باراك. ويضيف أنَّ باراك أعلن قبل عدة أيام أنَّ الشراكة الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية قد حققت هدفها، وأنَّ واشنطن تدعم الآن جهود الحكومة السورية. وفي الوقت نفسه، يبدو أنَّها تبتعد عن الأكراد، حسب شنايدر.
ومع ذلك من المحتمل أنَّ الضغط على الأكراد ازداد في أماكن أخرى أيضًا، كما يقول شنايدر: "هذا الضغط جاء بطبيعة الحال في المقام الأول من الأمريكيين. ولكن حليفتي الحكومة السورية الجديدة، تركيا والسعودية، لديهما أيضًا مصلحة في ضمان سيطرة الحكومة - وليس قوات سوريا الديمقراطية - على كل سوريا. ولكن ليس على حساب أن يؤدي ذلك إلى انعدام الأمن في المناطق المستعادة، وبالتالي إلى عودة نشاط تنظيم داعش".
أدت الاشتباكات العنيفة بين القوات الكردية وقوات الحكومة السورية إلى تدمير عدة مباني في حلب، مثل هذه المدرسةصورة من: Sonia Al-Ali/DW
"شكوك حول قدرات قوات الحكومة السورية"
بيد أنَّ نقل معتقلي داعش إلى العراق يشير أيضًا إلى وجود نوع من عدم الثقة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحكومة الانتقالية السورية، كما يقول أستاذ العلوم السياسية أندريه بانك، وهو خبير في شؤون سوريا بالمعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) في هامبورغ: "في واشنطن ربما لا يشكون فقط في قدرات الحكومة اللوجستية، بل توجد مخاوف أيضًا من وجود تعاطف مع تنظيم داعش في صفوف قوات الأمن السورية".
ويشاركه في هذا الرأي ماركوس شنايدر، ويقول إنَّ هناك مقاتلين جهاديين أو مؤيدين للفكر الجهادي ربما ما يزالون في القوات الحكومية. ولا يستبعد احتمال حدوث نوع من الارتباط الأيديولوجي. وربما يؤدي هذا إلى تراجع اهتمام بعض أفراد القوات الحكومية بالمقارنة مع قوات سوريا الديمقراطية. ويقول شنايدر إنَّ هذا لا ينطبق على السياسيين في الحكومة "التي قلل أعضاؤها بحسب انطباعي من حدة أيديولوجيتهم بشكل كبير في الأشهر الأخيرة".
معتقلون متطرفون
ولكن احتجاز مقاتلي داعش السابقين في سجون عراقية ينطوي أيضًا على بعض المخاطر، كما يقول أندريه بانك. وذلك لأنَّه من غير المستبعد أن حدوث تحالف بين المقاتلين المحتجزين هناك منذ سنين والقادمين الجدد من سوريا "لذلك يجب الانتباه جيدًا حتى لا تنشأ هنا حركة جهادية جديدة. لأنَّ تنظيم داعش نشأ هناك بالضبط، داخل السجون العراقية، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين".
ويقول بانك إنَّ الخطر يظل قائمًا أيضًا بسبب المحتجزين في المخيمات الذين ما يزالون في سوريا. ومع أنَّ الأكراد كانوا قد أمَّنوا البنية التحتية الضرورية للحياة، "لكن لا توجد لديهم، ولم تكن لديهم، الموارد لتقديم أية فرص تعليمية تستحق الذكر أو برامج لمحاربة التطرف". وهكذا وجدت أيديولوجية داعش أرضًا خصبة في المخيمات، "ولذلك من الحتمل أيضًا أن يكون الأطفال والشباب الذين يعيشون هناك متأثرين كثيرًا بأيديولوجية داعش".
هل يوجد خطر على أوروبا؟
ولهذا السبب يبدو أنَّ الحكومة الألمانية تتردد في استعادة الأشخاص المحتجزين حاليًا في المخيمات ويحملون الجنسية الألمانية، كما يقول شنايدر: "لأنَّ هؤلاء الأشخاص إذا نفّذوا هجومًا في وقت ما، فسيضعون الحكومة الألمانية طبعًا في موقف صعب للغاية". وبناءً على ذلك فإنَّ جهود استعادتهم قليلة لا تذكر.
ومع ذلك فإنَّ خطر تنظيم داعش بشكل عام أقل بكثير حاليًا، كما يقول بانك: "وهذا لأنَّ داعش لم يعد موجودًا كتنظيم يعمل عالميًا". ولكن الخطر لا يزال موجودًا. "الجهاديون الهاربون يشكلون تهديدًا بشكل خاص للسكان المدنيين في سوريا، ويجب على سلطات الأمن الأوروبية مراقبة ذلك عن كثب".
أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م)
حصاد "سوريا ما بعد الأسد" ... تحديات داخلية وخارجية
فتحت الإطاحة بنظام الأسدين، الأب حافظ والابن بشار، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 نافذة أمل وتفاؤل، ولكن ليس من دون أعاصير.
صورة من: Louai Beshara/AFP/Getty Images
اعتداءات إسرائيلية
بعد ساعات من سقوط بشار الأسد أطلقت إسرائيل عملية "سهم باشان"، والتي ما زالت مستمرة، دمرت معظم ما تبقى من سلاح الجو والصواريخ والبحرية السوري، واحتلت أراضي جديدة في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق منتهكة اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. كما تذرعت إسرائيل، التي عبرت عن تشككها بسبب "جذور أحمد الشرع الجهادية"، بحماية الدروز وقصفت قلب دمشق. ولم تسفر جهود عن توقيع اتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية.
صورة من: Ali Haj Suleiman/Getty Images
عودة سوريا للمجتمع الدولي
كانت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، من أوائل زوار العاصمة السورية. وتوالت زيارات المسؤولين الأوروبيين والغربيين والعرب بمستويات رفيعة لدمشق. كما قام الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني بحراك دبلوماسي مكثف توج بخطاب الشرع في الأمم المتحدة ومن ثم زيارته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025. كما زار الشرع موسكو قبل ذلك بشهر.
صورة من: Dominik Butzmann/AA/photothek/picture alliance
عقدة توحيد الفصائل والميلشيات
قبل انتهاء عام 2024 أعلنت إدارة العمليات العسكرية، وهي التي قادت الهجوم الذي أطاح بالأسد، على اتفاق فصائلها على حل نفسها ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. ولكن تمسك الدروز تحت امرة شيخ عقل الطائفة حكمت الهجري واللواء الثامن التابع لأحمد العودة في درعا بسلاحهما. وبينما نجحت السلطة في حلحلة عقدة العودة، بقي الأمر مع الميلشيات الدرزية بانتظار الانفجار. كما رفضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاندماج.
صورة من: Rama Jarmakani/DW
"مؤتمر النصر"
في 29 كانون الثاني/يناير، أعلن أحمد الشرع حل الفصائل المسلحة بما فيها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها والمنبثقة من تنظيم القاعدة قبل أن تقطع صلاتها به في عام 2016. كما أعلن في المؤتمر عن حل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحل الجيش السوري السابق وأجهزة المخابرات والأمن، وإلغاء الدستور ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية. كما أقر المؤتمر تعيين أحمد الشرع رئيساً انتقالياً.
صورة من: Leo Correa/AP Photo/picture alliance
صدمات طائفية في الساحل
في آذار/ مارس، شهد الساحل أعمال عنف قتل خلالها أكثر من 1400 شخص غالبيتهم من العلويين، واتهمت السلطات موالين لبشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها. وخلص فريق محققين تابع للأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب ارتُكبت على الأرجح من الطرفين. وأعلنت لجنة تحقيق حكومية تحديد هوية 298 شخصاً يُشتبه بتورطهم في عنف طال الأقلية العلوية، مشيرة إلى تحقّقها من "انتهاكات جسيمة". ووعدت بمعاقبة المسؤولين.
صورة من: Karam al-Masri/REUTERS
اتفاق 10 آذار/ مارس مع "قسد"
وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاق آذار/مارس لدمج قوات قسد، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري وتسيطر على ثلث مساحة البلاد، في الجيش السوري، وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق "قسد"، إلى جانب بنود أخرى تتعلق برفض دعوات التقسيم، وتسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لدمشق. وحددت فترة التنفيذ بما لا يتجاوز نهاية 2025، لكن تحديات وأزمة ثقة أبطأت تنفيذ الاتفاق.
صورة من: SANA/UPI Photo/Newscom/picture alliance
إعلان دستوري
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 13 آذار/مارس الإعلان الدستوري لتنظيم شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي حددت بخمس سنوات. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. ومنح الاعلان الدستوري الشرع سلطات شبه مطلقة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم نصه على مبدأ "الفصل بين السلطات"، ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية ومكونات سورية أبرزها الأكراد.
صورة من: Syrian Presidency/Handout via REUTERS
قتال دموي في السويداء
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في منتصف تموز/يوليو اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، تحوّلت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر. وفي حين أكدت دمشق أن قواتها تدخّلت لوقف الاشتباكات، يتهمها خصومها بالقتال إلى جانب البدو وارتكاب انتهاكات في حقّ الدروز. واستهدفت إسرائيل القوات الحكومية بهدف معلن هو حماية الدروز.
صورة من: Hisam Hac Omer/Anadolu/picture alliance
انتخابات برلمانية غير مباشرة
أجريت في تشرين الأول/أكتوبر عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب للمرة الأولى منذ سقوط الأسد. وبلغ عدد مقاعد المجلس، الذي تستمر فترة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد، 210 مقعداً، منها ثلث يعينه رئيس الجمهورية مباشرة، فيما انتخب الثلثان الآخران عبر آلية استثنائية، تقوم بموجبها هيئات مناطقية شكلتها لجنة عيّن الشرع أعضاءها، باختيار الثلتين الباقيين. وتم تأجيل العملية في محافظات السويداء والرقة والحسكة.
صورة من: LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images
عقوبات "قيصر" وأخواتها
منذ لقاء الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوساطة من ولي العهد السعودي في الرياض في أيار/مايو 2025، بدأت واشنطن بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، ، لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بقانون قيصر لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس، بيد أنه تم تمديد تعليق تلك العقوبات لمدة 180 يوماً. وشطبت واشنطن ودول غربية أخرى ومجلس الأمن الدولي العقوبات على الشرع ووزير داخليته.
صورة من: SANA/AFP
إعادة الإعمار
من أهم التحديات التي تواجه الحكومة إعادة الإعمار والتي قدر البنك الدولي تكاليفها بحوالي 216 مليار دولار. وتسعى الحكومة لجذب الاستثمارات وترميم البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب وعطلت عجلات إنتاجه. وتزعّمت السعودية جهوداً لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي ووقعت هي ودول خليجية أخرى صفقات بالمليارات مع دمشق. وبحسب الأمم المتحدة، فإن تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة بلا عمل.