هل فاقم تخفيض الدعم الأمريكي تفشي فيروس إيبولا في أفريقيا؟
٢٩ مايو ٢٠٢٦
منذ مطلع الألفية الجديدة شهدت كل سنة تقريباً تفشياً جديداً لفيروس إيبولا لكن الوباء الحالي مختلف. تعود معظم حالات التفشي بما في ذلك الوباء المدمر الذي ضرب غرب إفريقيا قبل عدة سنوات وأودى بحياة حوالي 11,000 شخص إلى ما يُعرف بسلالة زائير. وهناك لقاح متوفر الآن لمكافحتها.
اليوم هناك سلالة أكثر ندرة تنتشر باسم بونديبوجيو، سميت على اسم المنطقة في أوغندا التي ظهرت فيها لأول مرة عام 2007. ولا يوجد حتى الآن لقاح أو أدوية لها ويموت حوالي ثلث المصابين بها.
التفشي الحالي في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا هو الثالث من سلالة بونديبوجيو وهو الأكثر فتكاً حتى الآن: فحتى تاريخ 20 أيار/مايو 2026 توفي 139 شخصاً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
وعلق المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس: "أنا قلق للغاية بشأن حجم الوباء وسرعة تفشيه". وكان المسؤول الأممي قد أعلن حالة طوارئ صحية دولية فور الإعلان عن تفشي المرض دون أن يتشاور مع الخبراء كما هو معتاد.؛ ففيروس إيبولا كان قد انتشر هذه المرة على ما يبدو دون أن يلاحظه أحد لأسابيع.
وهنا يبرز السؤال: هل كان من الممكن اكتشاف تفشي المرض بشكل أسرع لو لم تقم الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب بتقليص مساهمتها في الصحة العالمية بشكل جذري إلى هذا الحد؟
ما حقيقة حجم تفشي الوباء؟
يقول الباحث في الأوبئة إريك فيجل-دينغ، الذي كان من أوائل العلماء البارزين الذين حذروا في كانون الثاني/يناير 2020 من جائحة كورونا، عن الموجة الحالية من وباء إيبولا إنها "قمة جبل الجليد". ويضيف: "لقد تسبب الفيروس بالفعل في وفاة عاملين في مجال الصحة وانتشر بسرعة في مناطق مختلفة. وعلى الرغم من أننا لا نجري سوى القليل من الاختبارات فإننا نكتشف العديد من الحالات وهذا يعني أننا نكتشف فقط القليل وأن تفشي المرض أكبر مما كان متوقعاً". وأضاف الخبير في حديثه مع DW أن تفشي المرض يسير بوتيرة أسرع بكثير من ذلك الذي حدث في عام 2014 في غينيا وسيراليون وليبيريا.
وينتقل فيروس إيبولا عن طريق الاتصال المباشر مع المصابين أو سوائل أجسامهم أي أن انتشاره محدود بشكل واضح مقارنة بفيروس كوفيد-19. ومن الناحية النظرية يمكن احتواء سلالة بونديبوجيو من خلال التدابير الفورية المتبعة في مواجهة الجائحة وهي الحجر الصحي والفحوصات وتتبع المخالطين.
"السرعة هي العامل الحاسم لكننا لم نعد نمتلكها"، ينتقد الباحث في الأوبئة، إريك فيجل-دينغ، وهو أمريكي الجنسية. "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) تتمتع بهذه الميزة، فقد كانت موجودة على الأرض وتوزع الأدوية وتدعم العاملين الصحيين المحليين والعيادات".
واشنطن كانت أكبر مانح لمنظمة الصحة العالمية قبل عهد ترامب
وكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID) المثال الأكثر شهرة على المؤسسات الأمريكية التي تم تدميرها منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فقد أصدر ترامب مرسوماً بتجميد جميع مدفوعات المساعدات لمدة 90 يوماً ومراجعة أوجه إنفاقها. وتم تسريح العديد من موظفي الوكالة، وجرى خفض 90 في المائة من ميزانيتها. في وقت لاحق عاد الكونغرس ورفع الميزانية، لكن التوقفات المؤقتة تركت آثارها على عمل الوكالة في عدة دول في العالم. ومما يزيد الأمر تعقيداً أن الحكومات الأوروبية خفضت هي الأخرى مساهماتها في التعاون الإنمائي بشكل جذري في بعض الأحيان، بما في ذلك ألمانيا.
وكان الملياردير الأمريكي إيلون ماسك عندما كان رئيس ما يُسمى بـ"وزارة الكفاءة الحكومية" وراء تدابير التقشف. وفي شباط/فبراير 2025 اعترف ماسك في جلسة لإدارة ترامب بأنه قد أنهى "عن غير قصد" برامج للحد من انتشار فيروس إيبولا.
لكن حسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" لم يتم استئناف تمويل جميع البرامج. وأفادت الصحيفة نقلاً عن موظفين في السفارة الأمريكية في عاصمة أوغندا، كمبالا، أن تفشي فيروس إيبولا في أوغندا آنذاك قد تفاقم نتيجة لذلك.
بمجرد أداء اليمين الدستورية في كانون الثاني/يناير 2025 أمر ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية وهو ما أصبح سارياً بشكل فعلي بعد عام. وكانت الولايات المتحدة في السابق أهم ممول للمنظمة حيث بلغت مساهمة الولايات المتحدة أكثر من 1.2 مليار دولار لعامي 2023 و2024.
وفي حالات تفشي فيروس إيبولا السابقة عملت منظمة الصحة العالمية جنباً إلى جنب مع "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" (CDC) الأمريكية، لكنها هي الأخرى تعرضت لتقليصات جذرية على يد وزير الصحة روبرت كينيدي الابن تحت ستار تقليص البيروقراطية: في نيسان/أبريل 2025 أمر كينيدي بفصل 25 في المائة من الموظفين وإنهاء 35 في المائة من عقود المتعاقدين الخارجيين. وحسب وسائل إعلام أمريكية تم "بطريق الخطأ" فصل موظفين مهمين في مكافحة الإيبولا ثم أعيدوا لاحقاً إلى وظائفهم. وحسب وسائل الإعلام تلك تشارك "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" (CDC)، والتي تضم أكثر من 30 موظفاً في الكونغو، بنشاط في مكافحة التفشي الحالي.
"عمل دؤوب في ظروف صعبة"
"إن تقليص الموارد الإنسانية والصحية في الكونغو يضر بلا شك بالسكان، كما يضر إلى حد ما بالوقاية من الأوبئة والكشف المبكر عنها"، تقول جولي درويت، مديرة منظمة "أكشن ضد الجوع" (Action Against Hunger) في الكونغو.
لكن من وجهة نظرها هناك عوامل أخرى أدت إلى هذا التأخر في الكشف عن موجة الوباء الحالية وفي مقدمتها السلالة الأقل انتشاراً نفسها (سلالة بونديبوجيو): "كانت الاختبارات الأولية سلبية لأنها كانت مصممة للكشف عن سلالة زائير الأكثر شيوعاً. كما وقعت حالات الوفاة الأولى في مجتمعات نائية وليس في المراكز الصحية. وهكذا تمكن الفيروس من الانتشار لفترة طويلة نسبياً دون أن تلاحظ ذلك مؤسسات الصحة العامة".
يعاني شرق الكونغو، المكون من مقاطعتي شمال كيفو وجنوب كيفو بالإضافة إلى منطقة إيتوري، من العنف وعدم الاستقرار. في أوائل عام 2025 اجتاحت الميليشيات المرتبطة بالدولة المجاورة، رواندا، هذه المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية. ونظراً لتكرار فرار السكان من نار الحرب يمكن للأوبئة أن تنتشر بسهولة أكبر بينما يصبح عمل المساعدين أكثر صعوبة في الوقت نفسه.
إنها ظروف عمل "صعبة"، لكن المساعدين مستعدون لها حسب درويت: "نحن نبذل قصارى جهدنا لاحتواء الوباء، فنقوم على سبيل المثال بإنشاء جسور جوية إنسانية لفتح الطرق وتقديم المساعدة".
وقد خصصت منظمة الصحة العالمية في دفعة أولى مبلغ 3.9 مليون دولار أمريكي لدعم النظم الصحية الوطنية. ويدعو خبراء الصحة الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى زيادة هذا المبلغ بشكل كبير للمساعدة في احتواء الوباء.
أعده للعربية: م.أ.م