مع تصاعد الهجمات الحوثية على المنشآت السعودية، تتزايد الضغوط على الرياض للبحث عن مظلة حماية فعالة. وبينما يلوّح ترامب بإمكانية التدخل، يرى خبراء أن الرد العسكري وحده قد لا يكفي، وأن مفتاح التهدئة قد يمر عبر طهران.
رغم الحديث المتزايد عن خيارات التدخل الأمريكي بجانب الرياض ضد الحوثيين، لم تعلن واشنطن حتى الآن اتخاذ قرار نهائي بالمشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب السعودية. صورة من الأرشيفصورة من: Nathan Howard/CNP/Capital Pictures/picture alliance
إعلان
مع عودة الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية إلى استهداف الأراضي السعودية، تجد الرياض نفسها أمام تحدٍّ أمني متجدد يطال المطارات والمنشآت الحيوية ويثير تساؤلات حول مدى استعداد الولايات المتحدة للانخراط مجدداً في المواجهة. وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال أساسي: هل يملك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأدوات اللازمة وقبل ذلك الرغبة لحماية حليفه السعودي الأمير محمد بن سلمان من تهديد الحوثيين المتصاعد؟
إنهاء الحرب مع إيران أم توسيعها؟
يرى إف. غريغوري غاوس، الخبير في الشؤون السعودية بمعهد الشرق الأوسط، أن الخيار الأكثر واقعية أمام الرياض لا يكمن في التصعيد العسكري، بل في معالجة جذور الأزمة عبر التوصل إلى تفاهم أوسع يشمل إيران والحوثيين.
ونقل موقع "أون تي في" الألماني عن غاوس قوله إن "الحل الواقعي الوحيد للسعوديين هو إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية"، عبر إقناع طهران وحلفائها بوقف التصعيد. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن استجابة ترامب للمطالب السعودية لا تزال غير واضحة.
تحول في موقف ترامب؟
وجاء الهجوم الدامي على مطار الرياض السبت الماضي، والذي أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، ليعيد فتح النقاش حول الدور الأمريكي. فقد قال ترامب عقب الهجوم إنه سيدرس "سريعاً" ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنضم إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، مضيفاً: "قد نفعل ذلك، سندرس الأمر".
ويمثل هذا التصريح تطوراً ملحوظاً مقارنة بموقفه السابق. إذ أفاد تقرير لشبكة "سي بي أس نيوز" ( CBS News) في سبتمبر/أيلول 2026 بأن محمد بن سلمان ضغط شخصياً على ترامب للتدخل عسكرياً ضد الحوثيين، لكن الرئيس الأمريكي رفض حينها إشراك الجيش الأمريكي مباشرة، مكتفياً بالدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف.
ورغم الحديث المتزايد عن خيارات التدخل، لم تعلن واشنطن حتى الآن اتخاذ قرار نهائي بالمشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب السعودية.
معضلة الخيار العسكري
بحسب غاوس، فإن انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب ضد الحوثيين يعني عملياً فتح جبهة إضافية في المواجهة مع إيران. ويرى أن المشكلة الرئيسية للسعودية تكمن في أن هجمات الحوثيين تلحق أضراراً مباشرة ببنيتها التحتية واقتصادها، بينما لا يواجه الحوثيون خسائر مماثلة، خاصة أن مناطق واسعة خاضعة لسيطرتهم تعرضت بالفعل لدمار كبير خلال سنوات الحرب.
ويحذر الخبير الأمريكي من أن استمرار استهداف المطارات والمنشآت الحيوية قد يؤثر على ثقة المستثمرين بالمملكة، ما يجعل الكلفة الاقتصادية للهجمات أحد أبرز مصادر القلق السعودي.
إعلان
إيران تعرض الوساطة والحوثيون يهددون
في المقابل، أعلنت إيران استعدادها لتقديم الدعم لتسهيل الحوار بين الرياض والحوثيين والتوصل إلى حل سياسي. ويُنظر إلى هذا العرض في إطار إمكانية استخدام طهران نفوذها على الجماعة لدفعها نحو خفض التصعيد، خصوصاً في ظل علاقاتها المعقدة مع واشنطن.
لكن الحوثيين وجهوا في الوقت نفسه رسائل تصعيد واضحة. فقد حذر محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله، من أن أي تدخل أمريكي سيقابَل بـ"رد سريع وموجع" يستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة.
كما أكد أن استهداف المطارات والمنشآت النفطية السعودية يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن الحرب لم تعد تُخاض بعيداً عن الأراضي السعودية، وأن استمرارها "لن يكون في صالح السعودية"، وفق تعبيره.
الحوثيون يراهنون على انشغال ترامب ونتنياهو
بحسب مجلة "شتيرن" الألمانية، فإن الحوثيين لا يختارون أهدافهم فقط، بل يختارون أيضاً توقيت هجماتهم بعناية. وترى المجلة أن الجماعة صعّدت عملياتها في لحظة سياسية حساسة يواجه فيها كل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحديات داخلية وانتخابية تحد من قدرتهما على خوض مواجهة جديدة.
وتشير "شتيرن" إلى أن الحوثيين لم يعودوا مجرد جماعة محلية تخوض حرباً أهلية، بل تحولوا إلى لاعب إقليمي يمتلك طائرات مسيرة متطورة وصواريخ بعيدة المدى مدعومة من إيران، قادرة على الوصول إلى الرياض وتل أبيب معاً. وترى المجلة أن هذه القدرات تجعل أي مواجهة مباشرة معهم أكثر تعقيداً وكلفة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.
بين الردع والتسوية
تواجه إدارة ترامب اليوم خيارين صعبين: إما الانخراط عسكرياً إلى جانب السعودية وتحمل مخاطر توسيع دائرة الصراع الإقليمي، أو مواصلة الاكتفاء بالدعم غير المباشر والبحث عن تسوية سياسية تشمل إيران والحوثيين. وبين هذين الخيارين، تبدو الرياض في حاجة إلى أكثر من مجرد رد عسكري سريع؛ فهي تبحث عن ضمانات طويلة الأمد تكفل تحييد التهديد الحوثي الذي عاد ليلقي بظلاله على أمن المملكة واقتصادها.
قامت العلاقات السعودية الأمريكية منذ تأسيس المملكة على مبدأ المصالح المتبادلة، بيد أن النفط والمال السعوديين كانا محركين أساسيين لهذه العلاقة ومقابل ذلك اعتمدت المملكة على حماية أمريكا، لكن العلاقات شهدت بعض التوترات.
صورة من: picture-alliance/Everett Collection
1931: اعتراف أمريكي بدولة وليدة
الولايات المتحدة تعترف بمملكة الحجاز ونجد، التي أعيد تسميتها إلى المملكة العربية السعودية في العام التالي. وبعد عامين منحت المملكة امتياز التنقيب عن النفط لشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا. وحقق فرعها السعودي، الذي أعيد تسميته فيما بعد إلى أرامكو، أول اكتشاف تجاري في عام 1938. ولم تستكمل السعودية شراء 100 بالمئة من أسهم الشركة إلا في 1980.
صورة من: picture alliance/dpa/CPA Media Co. Ltd
1945: لقاء في قناة السويس
الرئيس الأمريكي فرانكلين دي. روزفلت يلتقي مع الملك عبد العزيز على متن السفينة يو.إس.إس كوينسي في قناة السويس، مما مهد الطريق أمام علاقات وثيقة على مدى عقود من الزمن.
صورة من: picture alliance/akg-images
1950 – 1951: من النفط إلى السلاح
أعادت السعودية التفاوض بشأن امتياز أرامكو لتحصل على مزيد من الإيرادات. وبعد عام من ذلك وقعت المملكة مع الولايات المتحدة اتفاقية دفاع متبادل، مما فتح الطريق أمام مبيعات هائلة من الأسلحة الأمريكية.
صورة من: picture alliance/dpa/TASS
1973: حظر نفطي
انضمت السعودية إلى حظر نفطي عربي على الولايات المتحدة ودول أخرى بسبب دعمها لإسرائيل في حرب 1973 مع مصر وسوريا، مما أدى إلى تضاعف أسعار النفط إلى أربع مرات تقريباً. رفع الحظر في 1974.
صورة من: Pierre Manevy/Express/Hulton Archive/Getty Images
1979: تمويل "المجاهدين" الأفغان
بالتعاون مع الولايات المتحدة وباكستان، ساعدت المملكة السعودية في تمويل المقاومة الأفغانية للاحتلال السوفييتي. وقام العديد من السعوديين، ومن بينهم أسامة بن لادن السعودي المولد، بتمويل المقاتلين الأفغان والانضمام إليهم.
صورة من: AFP/Getty Images
1990: غزو الكويت
بعد أن قام نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بغزو الكويت، استخدم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة السعودية نقطة انطلاق لطرد القوات العراقية من الكويت. وشاركت القوات السعوية في العملية. وبعد ذلك غادرت معظم القوات الأمريكية المملكة، لكن الآلاف بقوا هناك.
صورة من: picture-alliance/dpa
1996: تفجير الخبر
أدى انفجار شاحنة مفخخة في مجمع عسكري أمريكي في الخبر إلى مقتل 19 جندياً أمريكياً. أعلن زعيم تنظيم القاعدة إسامة بن لادن "الجهاد" ضد الأمريكيين واصفاً القوات الأمريكية هناك بقوات احتلال.
صورة من: picture-alliance/AFP/EPA
2001: هجمات سبتمبر الإرهابية
قتل نحو ثلاثة آلاف في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول التي نفذها خاطفو طائرات من تنظيم القاعدة. ومن بين 19 خاطفاً، كان هناك 15 سعودياً. ونفت السعودية أي صلة أو معرفة بالهجمات. لم تجد لجنة حكومية أمريكية في 2004 أي دليل على أن السعودية مولت القاعدة بشكل مباشر. وتُرك الأمر مفتوحاً بشأن ما إذا كان مسؤولون سعوديون قد فعلوا ذلك بصورة فردية أم لا.
صورة من: picture alliance/dpa/NIST
2003: غزو العراق
لم تشارك السعودية في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق. وسحبت الولايات المتحدة جميع القوات القتالية المتبقية من المملكة. في هذا العام قتل ثلاثة مفجرين انتحاريين 35 شخصاً على الأقل، بينهم تسعة أمريكيين، في الرياض، وذلك في إطار هجمات ضد أجانب ومنشآت حكومية سعودية.
صورة من: picture-alliance/dpa
2011: الربيع العربي
هزت الاضطرابات العالم العربي بسبب الانتفاضات والاحتجاجات التي سُميت بـ "الربيع العربي". وسرعان ما أبدت السعودية قلقها مما تعتبره تخلي الرئيس باراك أوباما عن الرئيس المصري حسني مبارك حليف الولايات المتحدة.
صورة من: AFP/Getty Images
2013: قلق وشكوى
في حدث نادر أعلن أفراد العائلة المالكة للسعودية عن تذمرهم علناً من سياسات الحليف الأمريكي بعد أن حاولت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تغيير نهجه بلاده إزاء إيران وعدم تدخلها بقوة في الملف السوري الملتهب بخلاف تدخلها في إسقاط النظام بليبيا.
صورة من: Reuters/Jim Bourg
2015: الملف النووي الإيراني
بعد أن توصلت القوى العالمية الكبرى إلى اتفاق مع إيران لتخفيف العقوبات على طهران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، أعلنت الرياض عن خشيتها أن يقوي هذا الاتفاق الغريم الإيراني. وفي هذا العام شنت المملكة حملة عسكرية على الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن بعد أن أبلغت واشنطن قبلها بساعات قليلة فقط. لكن الولايات المتحدة قدمت الدعم العسكري المطلوب.
صورة من: Reuters/C. Barria
2016: فيتو الكونغرس
ألغى الكونغرس حق النقض (الفيتو) الذي استخدمه أوباما ضد قانون يرفع الحصانة السيادية ويفتح الطريق أمام أقارب ضحايا 11 سبتمبر/ أيلول لمقاضاة السعودية بشأن الهجمات الإرهابية التي أوقعت الآلاف من القتلى والجرحى.
صورة من: picture-alliance/ dpa
2018: انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي
أبدت السعودية ترحيبها بقرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، أدانت الولايات المتحدة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول.
صورة من: picture-alliance/Xinhua/T. Shen
2019: دور محمد بن سلمان
قام مشرعون أمريكيون، مستشهدين بأدلة على دور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في قضية خاشقجي ومدفوعين بالغضب من الخسائر بين المدنيين في الغارات الجوية السعودية باليمن، بزيادة جهود منع بيع الأسلحة إلى الرياض. وقالت الرياض إن قتل خاشقجي ارتكبته مجموعة خالفت صلاحيات الأجهزة وتنفي أن يكون للأمير محمد بن سلمان أي دور.
صورة من: Getty Images/W. McNamee
2020: دعم لاتفاقيات إبراهيم
أعلنت السعودية دعمها لاتفاقيات إبراهيم التي أقام بموجبها حلفاؤها الإمارات والبحرين علاقات مع إسرائيل. ولم تصل الرياض إلى حد الاعتراف بإسرائيل نفسها.
صورة من: Alex Wong/Getty Images
2021: سجل حقوق الإنسان
تبنى الرئيس الأمريكي جو بايدن موقفا أكثر تشددا تجاه سجل السعودية في حقوق الإنسان. وتعهد بايدن أثناء حملته الرئاسية بجعل الرياض "منبوذة" بسبب مقتل خاشقجي. كما أعلن بايدن وقف الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة.
صورة من: Yasin Ozturk/AA/picture alliance
2022: "قيادة شجاعة"
في يونيو/ حزيران الماضي، قال بايدن إن المملكة أظهرت "قيادة شجاعة" من خلال مساندة تمديد الهدنة المدعومة من الأمم المتحدة في اليمن. ومع ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب في أوكرانيا، رحب البيت الأبيض بقرار دول أوبك+ زيادة الإمدادات النفطية.