وجهة نظر: الاتحاد الأوروبي يتنصل من مسؤوليته إزاء المهاجرين
٢٨ مارس ٢٠١٩
مع انتهاء مهمة "صوفيا" البحرية، يعلق الاتحاد الأوروبي عمليات الإنقاذ المشتركة في البحر المتوسط. اتخاذ هذه الخطوة قبل فترة وجيزة من الانتخابات الأوروبية يكشف عن فشل سياسة الهجرة الأوروبية، كما يرى بيرند ريغيرت.
صورة من: picture-alliance/dpa/G. Lami
إعلان
تكشف نهاية المهمة البحرية المشتركة للاتحاد الأوروبي والمعروفة بـاسم" صوفيا" عن بؤس سياسة الهجرة الأوروبية. وفي هذا الشأن لا يمكن بعد اليوم الحديث عن قيم مثل الوحدة و التماسك و التضامن داخل الاتحاد الأوروبي. مهمة "صوفيا" كانت المحاولة الناجحة جزئياً من أجل القضاء على عمليات التهريب من ليبيا وفي الوقت نفسه إنشاء ما يشبه جهاز خفر السواحل في ليبيا. خلال هذه المهمة انتشلت سفن الاتحاد الأوروبي في السنوات الأربع الماضية، عشرات الآلاف من الغرقى والناجين، وقد تم نقل العدد الأكبر منهم إلى إيطاليا. وكانت إيطاليا قد وافقت في عام 2015 على السماح لجميع السفن، التي تحمل ناجين من البحر بالرسو في موانئها. لكن لم يستطع البلد استيعاب العدد الكبير وغير المتوقع من المهاجرين الوافدين بشكل مستمر عليه.
تغليب المصلحة الوطنية على المسؤولية الإنسانية
قبل عامين طالبت الحكومة الاشتراكية الديمقراطية السابقة في روما، بتوزيع المهاجرين الواصلين إلى أراضيها على باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي. الطلب قُوبل برفض الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في الاتحاد، أي ليس فقط من المجر وبولندا. وفي صيف عام 2018، تدخلت الحكومة الشعبوية الجديدة في إيطاليا بشكل متشدد وأغلقت الموانئ أمام سفن "صوفيا" أيضاً. و الآن فشلت كل المفاوضات بين إيطاليا وباقي دول الاتحاد الأوروبي. فيما واصل وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، بدم بارد، الاحتفال بانتصاره على الاتحاد الأوروبي داخل بلاده.
من الواضح أن سياسة الاتحاد الأوروبي فيما يخص الهجرة، يتم فيها تغليب المصلحة الوطنية على المسؤولية الإنسانية. السؤال الآن، ما مصير الأشخاص الذين يجازفون بحياتهم على متن قوارب مطاطية غير صالحة للإبحار من شمال إفريقيا إلى أرض أوروبا الموعودة؟ هل يغرق المزيد من الأشخاص أكثر من الذين غرقوا في البحر الأبيض المتوسط ؟ لن نعرف ذلك بعد الآن، ولن تكون هناك معطيات بالأرقام حول تحركات المهاجرين، بعد ايقاف سفن "صوفيا" والسفن الأخرى التابعة للمنظمات الإنسانية الأهلية.
تأسست بعثة الاتحاد الأوروبي السابقة لبعثة "صوفيا" في البحر المتوسط في البداية بناءً على طلب إيطاليا. أما الهدف منها فكان منع وقوع المزيد من الكوارث، كتلك التي حدثت في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2013، والتي خلفت أكثر من خمسمائة حالة وفاة قبالة جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. كل هذا يبدو أنه أصبح في طي النسيان. كما أن ايقاف استقبال المزيد من المهاجرين، يعني خسارة المزيد من الأرواح.
من غير الواضح ما إن كانت الفرضية، التي يتبناها بعض السياسيين في مجال الهجرة صحيحة. ويُقصد بذلك الفرضية التي تربط بين عمليات الانقاذ التابعة للاتحاد الأوروبي ومساهمتها في ارتفاع أعداد اللاجئين عبر القوارب. الآن وبعد تعليق عمليات الانقاذ تم استبعاد هذا العامل، لكن ما يعزز هذه الفرضية هو انخفاض أعداد المهاجرين الوافدين بشكل كبير خلال العام الماضي بعد تشديد إجراءات وصولهم إلى المرافئ الإيطالية.
رغم نهاية مهمة "صوفيا" يعتزم الاتحاد الأوروبي مواصلة تدريب طاقم خفر السواحل الليبي على أمل تقوية عمليات انقاذ المهاجرين في المياه الإقليمية الليبية ومنعهممن العبور إلى أوروبا. هل حُلت المشكلة بهذا؟ الجواب هو كلا، لأن خفر السواحل الليبي لا يمكنه السيطرة إلا على جزء من الساحل بسبب الوضع السياسي غير المستقر في ليبيا الآن. كما يعمل بشكل جزئي بعض المهربين مع حرس حماية الحدود.
بيرند ريغيرت، مراسل DW للشأن الأوروبي
سياسة هجرة مع وقف التنفيذ
ومع نهاية مهمة "صوفيا" تجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها أمام سياسة هجرة هشة. فبعد سنوات من النقاش، لم يتمكن وزراء الداخلية من الاتفاق على توزيع اللاجئين الذين تم إنقاذهم أو من إصلاح إجراءات اللجوء أو إلزام كل دولة بحصتها منهم حسب اتفاق دبلن لقبول اللاجئين. وهناك تأجيل لمشاريع الحماية المشتركة للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي حتى عام 2027. كما لا يوجد تقدم في عدة تطبيق "اتفاقيات الإعادة" ولا في تطبيق متا يتعلق بما يُسمى "مراكز الإرساء" في دول الاتحاد الأوروبي و "مراكز الإيواء المؤقت" فيدول شمال إفريقيا، والتي تم تبنيها رسمياً في الصيف الماضي من قبل رؤساء الدول والحكومات من أجل ردع المهاجرين. ويمكن القول أن دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، يمكن تلخيصها في سياسة هجرة مع وقف التنفيذ حسب عارفين بها. إنه شعار لليمين الشعبوي يمكّنه من كسب أصوات الخائفين من الهجرة في الانتخابية الأوروبية .
ويذكر أن بعثة الاتحاد الأوروبي سميت باسم الفتاة الصومالية "صوفيا" في عام 2015، والتي وُلدت بعد إنقاذ والدتها الحامل من قبل السفينة البحرية الألمانية "شليسفيغ هولشتاين" في تارانتو، إيطاليا. حينها كان المرء فخوراً بعمليات الانقاذ، التي تم وقفها الآن.
بيرند ريغيرت
يقصد الآف اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين إيطاليا. بعضهم يراها منفذا نحو دول أوروبا وآخرون يفضلون البقاء فيها بشكل غير نظامي لإنهاء رحلة معاناة بدأت في بلدانهم وتستمر في غياب وضع قانوني يسمح لهم بالإقامة في إيطاليا.
صورة من: Reuters
من كل حدب وصوب
المهاجرون غير القانونيين الى إيطاليا لا تقتصر أصولهم على جنسية واحدة، إذ يتدفقون إليها من كل من دول أفريقيا. من نيجيريا وبنغلاديش وغينيا، ومن ساحل العاج وغامبيا والسنغال. كما يهاجر إليها كثيرون من المغرب ومالي وإريتريا، فضلا عن السودان والصومال ومصر وتونس وليبيا... وفي السنين الأخيرة أضيف السوريون إلى قائمة القاصدين لهذا البلد، سواء من ليبيا أو عن طريق تركيا.
صورة من: Getty Images/M. Di Lauro
أفواج كبيرة
عام 2006، بلغ عدد المهاجرين غير القانونيين الآتين عبر البحر 22 ألفا. وفي 2014، وصلوا إلى 220 ألفا؛ أي بزيادة 296 في المائة. عام2017، قالت وزارة الداخلية الإيطاليّة، إن أعداد المهاجرين غير القانونيين تجاوزت الـ94 ألفًا منذ بداية 2017، وهو ما يعني التزايد المهول في عدد المهاجرين غير النظاميين القاصدين للبلد، إذ يشكلون ما يقارب 8.3 في المائة من السكان هنالك. آلاف من هؤلاء يعيشون في مخيمات مؤقتة.
صورة من: Gaia Anderson
أرقام مهولة
أشارت بيانات أصدرها المعهد القومي للإحصاء في روما، عام 2015، إلى أن عدد المهاجرين غير القانونيين القادمين إلى إيطاليا لا يقل عن ألف من كل وجهة. فمن المغرب، هاجر 449 ألف شخص. في حين تم استقبال حوالي 104 آلاف شخص من مصر. ومن رومانيا، دخل إلى البلد 2.1 مليون مهاجر. أما بالنسبة للفلبين وتونس وبنغلاديش وباكستان فيناهز عدد القادمين منها 90 ألف. وأوضحت البيانات، أن معظمهم يسكنون روما، ميلانو وتورينو.
صورة من: picture-alliance/dpa/Italian Navy/Handout
مجرد معبر
ليس كل المهاجرين إلى إيطاليا ينوون الاستقرار فيها أو الإقامة على أراضيها. جزء مهم منهم يريد الوصول إلى مدن أوروبية أخرى كفرنسا والسويد وألمانيا التي يرونها أكثر ترحيبا باللاجئين. وتعتبر منطقة فانتيمي الحدودية إحدى الوجهات التي يعقد عليها هؤلاء أملا في العبور إلى فرنسا. كما أن القطارات التي تسمح بالتنقل داخل الإتحاد الأوروبي، تمثل حلا لبعض هؤلاء المهاجرين الذين يركبونها للوصول إلى وجهاتهم.
صورة من: picture alliance/AA/Tacca
طريق الفردوس والموت واحد!
رحلة قدوم المهاجرين غير القانونيين إلى إيطاليا، لا يمكن وصفها سوى بالقاتلة والخطيرة. فكثير من المهاجرين يركبون البحر، وهو ما يعرضهم لمتاعب قد تصل حد الموت. وإلى جانب انقلاب قواربهم الصغيرة والمتهالكة نتيجة رداءة الطقس أحيانا، يتعرض كثير منهم للابتزاز والنهب من طرف المهربين. الرحلة لا تقتصر على جنس معين ولا تقف عند سن، لذلك تتضرر النساء غالبا، وخاصة الحوامل الواتي يصعب عليهن إكمال الرحلة.
صورة من: Reuters/E. Gaillard
دوافع اقتصادية وسياسية
يشكل الفقر والمجاعة والبطالة أسباباً رئيسية للهجرة غير القانونية، وحتى لو اختلفت جنسيات المهاجرين فإن أسبابهم تبقى واحدة. في السنين الأخيرة، أضيف إلى هذا الجانب ما هو أمني وسياسي. فقد هرب البعض خوفا من الإرهاب والحرب والدمار في بلدانهم الأصلية، أو بهدف البحث عن سبل تحسين ظروفهم الاقتصادية الصعبة وضمان العيش الكريم لعائلاتهم.
صورة من: REUTERS
ظروف مؤسفة وتحديات كثيرة
يضطر المهاجرون إلى إيطاليا في غالب الأحيان إلى العيش في ظروف مؤسفة، تصفها بعض الجهات بـ"غير الإنسانية". بعضهم يتوسد الطرقات ويأكل من بقايا النفايات. في حين يقصد آخرون مخيمات تنعدم فيها إمكانية الحصول على أكل وشرب ولباس. وفي مرات عديدة خرج هؤلاء للتنديد بوضعهم المزري، كما تحدثوا عن غياب مرافق مهمة بهذه المخيمات كالمدارس والدورات المهنية المدفوعة، وفرص العمل التي قدموا من أجلها.
صورة من: picture alliance / landov
طلبات اللجوء في تزايد
بعد الوصول إلى إيطاليا يسعى مهاجرون كثر إلى البحث عن طرق تعفيهم من وصف "غير قانوني"، فيعتمدون تقديم طلبات اللجوء. ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية، فإن السلطات الإيطالية توصلت بـ130 ألف طلب لجوء في 2017 . وحصل 40 بالمئة منهم في العام الجاري على الحماية منذ الفترة الأولى. إلا أن عدد المهاجرين الذين يستقبلهم المركز من يوم لآخر يتغير بين الفينة والأخرى.
صورة من: D. Cupolo
آليات العمل تعيق طلبات اللجوء
يواجه طالبو اللجوء في إيطاليا عراقيل بيروقراطية، سبق لمنظمات عديدة أن أدانتها ونددت بالتعقيدات الإدارية التي تشمل طالبي اللجوء والحاصلين على الحماية الدولية. وأشارت هذه المنظمات إلى عامل اشتراط توفر المسكن من أجل إصدار أو تجديد تصريح الإقامة، مثلا، وهو ما لا يتوافر للعديد ممن يعيشون خارج نظام الاستقبال، على عكس ما ينص عليه القانون الإيطالي، الذي يضمن التسجيل السكاني كحق للشخص الأجنبي.
صورة من: Reuters/A. Bianchi
جرائم وعنف ترافق المشهد
تعتبر بعض التقارير فتح إيطاليا الباب أمام المهاجرين غير القانونيين، يضعها وجها لوجه أمام مشاكل يتسبب فيها بعضهم. فقد قدرت بعض التقارير نسبة المسؤولين عن الجرائم في البلد، والذين ينتمون إلى شريحة المهاجرين غير الشرعيين بـ50 بالمائة من الجرائم، و40 بالمائة من حوادث السرقة. كما يتسببون في 37 بالمائة من العنف الجنسي، فضلا عن 25 بالمائة من جرائم القتل، و50 بالمائة من الجرائم الأخرى كالبغاء.
صورة من: ANSA/A. Carconi
وجود دائم رغم تناقص أعداد الوافدين
سجلت إيطاليا في الربع الأول من 2018 وصول 6161 مهاجرا غير قانوني إلى جبال الأبينيني، بينما في الربع الأول من العام الماضي بلغ عددهم أكثر من 24 ألف مهاجر، حسب تقرير الداخلية الإيطالية. كما سجلت السلطات الإيطالية انخفاضا حادا في تدفق المهاجرين إليها من ليبيا، فقد وصل في الربع الأول من العام الجاري 4.4 آلاف مهاجر، أي أقل بنسبة 81٪ مقارنة بالربع الأول من عام 2017. لكن ذلك لا ينفي استمرارية توافدهم.
صورة من: Getty Images/AFP/V. Hache
وصول اليمين ومخاوف من المستقبل
تقدم اليمين المتطرف في الانتخابات بإيطاليا، زاد مخاوف دول أوروبية فيما يخص مستقبل اللاجئين والمهاجرين غير القانونيين في إيطاليا وبقية أوروبا. ويخشى البعض من أن يشكل صعود اليمين المتطرف في إيطاليا عائقا كبيرا أمام المشروع الفرنسي الألماني لإصلاح الاتحاد الأوروبي وقضية اللاجئين، خاصة مع رواج خبر طرد اللاجئين المرفوضة طلباتهم للبقاء، وترحيل 500 ألف مهاجر غير قانوني. إعداد: مريم مرغيش.